الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مبرووووووووووووووك
الأربعاء أبريل 03, 2013 12:17 pm من طرف Admin

»  تعديلات قانون الشرطة لعام 2012
الجمعة يونيو 22, 2012 8:11 am من طرف Admin

» وداعا 2011 !!!!!!!!!!!
الجمعة يناير 20, 2012 8:26 am من طرف Admin

» اجتماع تاسيس ائتلاف القاهرة فى 19/12/2011
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 6:35 pm من طرف Admin

» صور التحرير ونادى عابدين
الجمعة ديسمبر 16, 2011 7:08 pm من طرف Admin

» مرحبااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
الخميس ديسمبر 15, 2011 4:00 am من طرف sherif2010

» تهنئه الى جميع الاخوه
الخميس ديسمبر 15, 2011 3:56 am من طرف sherif2010

» اعتصام 24/10/2011
الخميس أكتوبر 27, 2011 3:34 pm من طرف Admin

» أكتــــــــــــــــــــب حتى يصبح لأحرفي صوتا تنطق به..
الجمعة أكتوبر 21, 2011 8:25 pm من طرف Admin

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
Admin
 
احمد حجاج
 
ابو فارس
 
منتصر
 
علاء حسينى
 
الجينرال
 
mesbah gaber
 
sherif2010
 
رشدي المصري
 
علاء الحسينى
 
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 250 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو جمال على محمد اليرعى فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 289 مساهمة في هذا المنتدى في 152 موضوع

شاطر | 
 

  باب الصبر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: باب الصبر   الجمعة أبريل 29, 2011 2:13 pm


3- باب الصبر


قال الله تعالي: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا)(آل عمران: من الآية200) )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا)(آل عمران: من الآية200)وقال تعالي: )وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155) وقال تعالي: ) إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)(الزمر: من الآية10) ) إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)(الزمر: من الآية10)وقال تعالي: )وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى:43) وقال تعالي: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:153) وقال تعالي: )وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين)(محمد: من الآية31) والآيات في الأمر بالصبر وبيان فضله كثيرة معروفة.


الشرح


الصبر في اللغة: الحبس .
والمراد به في الشرع: حبس النفس على أمور ثلاثة:
الأول: على طاعة الله.
الثاني: عن محارم الله.
الثالث: على أقدار الله المؤلفة.هذه أنواع الصبر التي ذكرها أهل العلم.
الأمر الأول: أن يصبر الإنسان على طاعة الله لأن الطاعة ثقيلة على النفس، وتصعب على الإنسان ، وكذلك ربما تكون ثقيلة على البدن بحيث يكون مع الإنسان شيء من العجز والتعب، وكذلك أيضا يكون فيها مشقة من الناحية المالية؛ كمسألة الزكاة ومسالة الحج، فالطاعات فيها شيء من المشقة على النفس والبدن، فتحتاج إلي صبر ، وإلي معاناة قال الله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:200) .
الأمر الثاني: الصبر عن محارم الله بكف الإنسان نفسه عما حرم الله عليه، لأن النفس الأمارة بالسوء تدعو إلي السوء، فيصبر الإنسان نفسه,مثل الكذب ، والغش في المعاملات، وأكل المال بالباطل بالرب أو غيره، والزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وما أشبه ذلك من المعاصي الكثيرة.
فيحبس الإنسان نفسه عنها حتى لا يفعلها ، وهذا يحتاج أيضاً إلي معاناة، ويحتاج إلي كف النفس والهوى.
أما الأمر الثالث: فهو الصبر على أقدار الله المؤلمة ؛ لأن أقدار الله- عز وجل-على الإنسان ملائمة ومؤلمة.
الملاءمة: تحتاج إلي الشكر، والشكر من الطاعات؛ فالصبر عليه من النوع الأول.
ومؤلمة: بحيث لا تلائم الإنسان تكون مؤلمة؛ فيبتلي الإنسان في بدنه،ويبتلي في ماله بفقده. ويبتلي في أهله، ويبتلي في مجتمعه ، وأنواع البلايا كثيرة تحتاج إلي صبر ومعاناة فيصبر الإنسان نفسه عما يحرم عليه من إظهار الجزع باللسان، أو بالقلب، أو بالجوارح لأن الإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات:
الحالة الأولي: أن يتسخط.
والحالة الثانية: أن يصبر.
والحالة الثالثة: أن يرضي.
والحالة الرابعة: أن يشكر.
هذه أربع حالات تكون للإنسان عندما يصاب بالمصيبة.
أما الحال الأولي: أن يتسخط إما بقلبه، أو بلسانه، أو بجوارحه.
التسخط بالقلب: أن يكون في قلبه- والعياذ بالله- شيء على ربه من السخط والشره على الله- والعياذ بالله- وما أشبه. ويشعر وكأن الله قد ظلمه بهذه المصيبة.
وأما السخط باللسان: فأن يدعو بالويل والثبور، يا ويلاه ويا ثبوراه، وأن يسب الدهر فيؤذي الله- عز وجل- وما أشبه ذلك.
وأما التسخط بالجوارح: مثل أن يلطم خده، أو يصقع راسه، أو ينتف شعره، أو
يشق ثوبه وما أشبه هذا.
هذه حال السخط، حال الهلعين الذين حرموا الثواب، ولم ينجوا من المصيبة، بل الذين اكتسبوا الإثم فصار عندهم مصيبتان، مصيبة في الدين بالسخط، ومصيبة في الدنيا بما أتاهم مما يؤلمهم.
أما الحال الثانية: فالصبر على المصيبة بأن يحبس نفسه، هو يكره المصيبة ، ولا يحبها، ولا يحب أن وقعت ، لكن يصبر نفسه؛ لا يتحدث باللسان بما يسخط الله، ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله، ولا يكون في قلبه شيء على الله أبدا، فهو صابر لكنه كاره لها.
والحال الثالثة: الرضا ؛ بأن يكون الإنسان منشرحا صدره بهذه المصيبة، ويرضي بها رضاء تاماً وكأنه لم يصب بها.
والحالة الرابعة: الشكر؛ فيشكر الله عليها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأي ما يكره قال: (( الحمد لله على كل حال))(100).
فيشكر الله من أجل أن الله يرتب له من الثواب على هذه المعصية أكثر مما أصابه.
ولهذا يذكر عن بعض العابدات أنها أصيبت في أصبعها، فحمدت الله على ذلك، فقالوا لها: كيف تحمدين الله والأصبع قد أصابه ما أصابه، قالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها. والله الموفق.
ثم ساق المؤلف- رحمه الله تعالي- الآيات التي فيها الحث على الصبر والثناء على فاعليه، فقال: وقول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:200) ، فأمر الله المؤمنين بمتضي إيمانهم، وبشرف إيمانهم بهذه الأوامر الأربعة: ( اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(آل عمران: من الآية200) .
فالصبر عن المعصية ، والمصابرة على الطاعة، والمرابطة كثرة الخير وتتابع الخير، والتقوي تعم ذلك كله.( وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
فاصبروا عن محارم الله: لا تفعلوها ، تجنبوها ولا تقربوها.
ومن المعلوم أن الصبر عن المعصية لا يكون إلا حيث دعت إليه النفس، أما الإنسان الذي لم تطرأ على باله المعصية فلا يقال إنه صبر عنها، ولكن إذا دعتك نفسك إلي المعصية فاصبر، واحبس النفس.
وأما المصابرة فهي على الطاعة؛ لأن الطاعة فيها أمران:
الأمر الأول: فعل يتكلف به الإنسان ويلزم نفسه به.
والأمر الثاني: ثقل على النفس، لأن فعل الطاعة كترك المعصية ثقيل على النفوس الأمارة بالسوء.
فلهذا كان الصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ ولهذا قال الله تعالي: (وَصَابِرُوا) كان أحدا يصابرك كما يصابر الإنسان عدوه في القتال والجهاد.
وأما المرابطة فهي كثرة الخير والاستمرار عليه، ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: (( إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلي المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط))(101).لأن فيه استمرار في الطاعة وكثرة لفعلها.
وأما التقوى فإنها تشمل ذلك كله، لأن التقوى اتخاذ ما بقي من عقاب الله، وهذا يكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
وعلي هذا فعطفها على ما سبق من باب عطف العام على الخاص، ثم بين الله- سبحانه وتعالي- أن القيام بهذه الأوامر الأربعة سبب للفلاح فقال : (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
والفلاح كلمة جامعة تدور على شيئئن : على حصول المطلوب، وعلى النجاة من المرهوب. فمن اتقي الله- عز وجل- حصل له مطلوبة ونجا من مرهوبه.
وأما الآية الثانية فقال- رحمه الله- وقوله تعالي: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155) ، هذه الآية فيها قسم من الله- عز وجل - أن يختبر العباد بهذه الأمور.
فقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أي: لنختبرنكم.
(بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) لا الخوف كله بل شيء منه؛ لأن الخوف كله مهلك ومدمر. لكن بشيء منه.
(( الخوف)) هو فقد الأمن، وهو أعظم من الجوع، ولهذا قدمه الله عليه، لكن الخائف- والعياذ بالله- لا يستقر لا في بيته ولا في سوقه، والخائف أعظم من الجائع؛ ولهذا بدأ الله به فقال: (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) وأخوف ما نخاف منه ذنوبنا؛ لأن الذنوب سبب لكل الويلات، وسبب للمخاطر، والمخاوف، والعقوبات الدينية، والعقوبات الدنيوية.
(وَالْجُوعِ) يبتلي بالجوع.
والجوع يحمل معنيين:
المعني الأول: أن يحدث الله- سبحانه- في العباد وباء؛ هو وباء الجوع، بحيث يأكل الإنسان ولا يشبع، وهذا يمر على الناس، وقد مر بهذه البلاد سنة معروفة عند العامة تسمي سنة الجوع.يأكل الإنسان الشيء الكثير ولكنه لا يشبع- والعياذ بالله- نحدث أن الإنسان يأكل من التمر مخفراً كاملاً في آن واحد ولا يشبع-والعياذ بالله- ويأكل الخبز الكثير ولا يشبع لمرض فيه. هذا نوع من الجوع.
النوع الثاني من الجوع: الجدب والسنون الممحلة لا يدر فيها ضرع ولا ينمو فيها زرع، هذا من الجوع.
وقوله (ِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ) يعيني : نقص الاقتصاد ، بحيث تصاب الأمة بقلة المادة والفقر، ويتأخر اقتصادها ، وترهق حكومتها بالديون التي تأتي نتيجة لأسباب يقدرها الله -عز وجل- ابتلاء وامتحاناً.
وقوله: (وَالْأَنْفُسِ) أي : الموت ؛ بحيث يحل في الناس أوبئة تهلكهم وتقضي عليهم. وهذا أيضاً يحدث كثيراً ولقد حدثنا أنه حدث في هذه البلاد- أي البلاد النجدية- حدث فيها وباء عظيم تسمي سنته عند العامة( سنة الرحمة) إذا دخل الوباء في البيت لم يبق منهم أحد إلا دفن- والعياذ بالله_، يدخل في البيت فيه عشرة أنفس أو أكثر، فيصاب هذا بمرض، ومن غد الثاني والثالث والرابع، حتى يموتوا عن آخرهم وحدثنا أنه قدم هذا المسجد، مسجد الجامع الكبير بعنيزة- وكان الناس بالأول في قرية صغيرة، ليس فيها ناس كثير كما هو الحال اليوم، يقدم أحياناً في فرض الصلاة الواحد سبع إلي ثمان جنائز ، نعوذ بالله من الأوبئة. هذا أيضاً نقص من الأنفس.
وقولهSad وَالثَّمَرَاتِ) أيك أن لا يكون هناك جوع، ولكن تنقص الثمرات، تنزع بركتها في الزروع والنخيل وفي الأشجار الأخري، والله - عز وجل- يبتلي العباد بهذه الأمور ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.
فيقابل الناس هذه المصائب بدرجات متنوعة، بالتسخط، أو بالصبر أو بالرضا، او بالشكر كما قلناه فيما سبق. والله الموفق.
الآية الثالثة: قوله تعالي: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)(الزمر: من الآية10) ( يُوَفَّى الصَّابِرُون)أي يعطي الصابرون ( أَجْرَهُمْ)أي ثوابهم.
وقوله( بِغَيْرِ حِسَابٍ) وذلك أن الأعمال الصالحة مضاعفة ؛ الحسنة بعشرة أمثالها إلي سبع مائة ضعف إلي أضعاف كثيرة.
أما الصبر فإن مضاعفته تأتي بغير حساب من عند الله- عز وجل- وهذا لم يقابل بعدد، بل هو أمر معلوم عند الله ولا حساب فيه، لا يقال مثلاً الحسنة بعشرة أمثالها إلي سبع مائة ضعف، بل يقال إنه يوفي أجره بغير حساب. وفي هذه الآية من الترغيب في الصبر ما هو ظاهر. ثم قال المؤلف:
الآية الرابعة: قوله تعالي: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى:43) أي: أن الذي يصبر على أذى الناس ويحتملهم ويغفر لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه؛ فإن ذلك (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي: من مغزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلي مقابلة ومصابرة.ولا سيما إذا كان الأذى الذي ينال الإنسان بسبب جهاده في الله- عز وجل- وبسبب طاعته؛ لأن أذية الناس لك لها أسباب متعددة متنوعة. فإذا كان سببها طاعة الله- عز وجل -، والجهاد في سبيله ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن الإنسان يثاب على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: من الأذية التي تحصل له.
والوجه الثاني: صبره على هذه الطاعة التي أوذي في الله من أجلها.
وفي هذه الآية حث على صبر الإنسان على أذية الناس، ومغفرته لهم ما أساؤوا إليه فيه. ولكن ينبغي أن يعلم أن المغفرة لمن أساء إليك ليست محمودة على الإطلاق؛ فإن الله تعالي قيد هذا بأن يكون العفو مقروناً بالإصلاح فقال: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه)(الشورى: من الآية40)، أما إذا لم يكن في العفو والمغفرة إصلاح فلا تعف ولا تغفر.
مثال ذلك: لو كان الذي أساء إليك شخصاً معروفاً بالشر والفساد، وأنك لو عفوت عنه لكان في ذلك زيادة في شره.
ففي هذه الحال الأفضل أن لا تعفو عنه، بل تأخذ بحقك من أجل الإصلاح، أما إذا كان الشخص إذا عفوت عنه لم يترتب على العفو عنه مفسدة؛ فإن العفو أفضل لأن الله يقول: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه)(الشورى: من الآية40)، وإذا كان أجرك على الله لكان خيراً لك من أن يكون ذلك بمعارضة تأخذ من أعمال صاحبك الصالحة.
الآية الخامسة: قوله تعالي: ( اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)(البقرة: من الآية153) أمر الله - سبحانه وتعالي- أن نستعين على الأمور بالصبر عليها، لأن الإنسان إذا صبر وانتظر الفرج من الله سهلت عليه الأمور.
فأنت إذا أصبت بشيء يحتاج إلي الصبر فاصبر وتحمل (( واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا))(102).
وأما الصلاة فإنها تعين على الأمور الدينية والدنيوية، حتى إن الرسول- عليه الصلاة والسلام- ذكر عنه: (( أنه إذا حز به أمر فزع إلي الصلاة))(103).
وبين الله في كتابه أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، فإذا استعان الإنسان بالصلاة عل أموره يسر الله له ذلك، لأن الصلاة صلة بين العبد وبين ربه ، فيقف الإنسان فيها بين يدي الله ، ويناجيه، ويدعوه، ويتقرب إليه بأنواع القربات التي تكون في هذه الصلاة؛ فكانت سبباً للمعونة.
قوله تعالي: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) يعني ذلك المعية الخاصة، لأن معية الله- سبحانه وتعالي- تنقسم إلي قسمين:
معية عامة شاملة لكل أحد، وهي المذكورة في قوله تعالي: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا
كُنْتُمْ)(الحديد: من الآية4) ، وفي قوله تعالي: (ِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ )(المجادلة: من الآية7).
وهذه المعية العامة شاملة لجميع الخلق، فما من مخلوق إلا والله - تعالي- معه يعلمه، ويحيط به سلطاناً وقدرة وسمعا وبصرا وغير ذلك.
أما المعية الخاصة فهي المعية التي تقتضي النصر والتأييد ؛وهذه خاصة بالرسل
وأتباعهم ، ليست لكل أحد، (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل:128) ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على هذه المعية الخاصة.
ولكن المعيتين كلتيهما لا تدلان على أن الله - سبحانه وتعالي- فوق سماواته على
عرشه، أمكنتهم، بل هو مع الناس وهو- عز وجل-فوق وهو معك. والعرب يقولون : ما زلنا نسير والقمر معنا. وكل يعلم أن القمر في السماء. فما بلك بالخالق - عز وجل- هو وفق كل شيء استوي على عرشه، ومع ذلك هو محيط بكل شيء مع كل أحد. مهما انفردت فإن الله- تعالي- محيط بك؛ علما وقدرة وسلطانا وسمعا وبصرا وغير ذلك.
وفي قوله تعالي: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)دليل على أن الله يعين الصابر ويؤيده ويكأه حتى يتم له الصبر على ما يحبه الله - عز وجل-.
الآية السادسة : قوله تعالي: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد:31).
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) : لنختبركم : فالابتلاء بمعني الاختيار ، أو البلوي بمعني الاختيار.
يعني: أن الله اختبر العباد في فرض الجهاد عليهم؛ ليعلم من يصبر ومن لا يصبر؛ ولهذا قال الله- تعالي- في آية أخري: ( ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)(محمد: من الآية4) (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) (محمد:5)(وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) (محمد:4/6) .
وقوله عز وجل: ( حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ ) قد يتوهم بعض من قصر علمه أن الله - سبحانه - لا يعلم الشيء حتى قع؛ وهذا غير صحيح؛ فالله - تعالي- يعلم الأشياء قبل وقوعها، كما قال تعالي: )أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج:70) .
ومن أدعي أن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه؛ فإنه مكذب لهذه الآية وأمثالها من الآيات الدالة على أن الله- تعالي- قد علم الأشياء قبل أن تقع !!
لكن العلم الذي في هذه الآية ( حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ ) أي: علما يترتب عليه الجزاء.
وقال بعض أهل العلم: المراد بقوله: ( حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ ) أي: علم ظهور، يعني حتى يظهر الشيء؛ لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون ، وعلمه بعد كونه علم بأنه كان. وفرق بين العلمين.
فالعلم الأول علم بأنه سيكون ، والثاني علم بأنه كان.
ويظهر لك الفرق لو أن شخصاً قال لك: سوف أفعل كذا وكذا غداً فالآن حصل عندك علم بما أخبر به، ولكن إذا فعله غدا صار عندك علم آخر؛ أي: علم بأن الشيء الذي حدثك انه سيفعله قد فعله فعلاً. فهذان وجهان في تخريج قوله تعالي ( حَتَّى نَعْلَمَ ).
الوجه الأول: أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب، وهذا لا يكون إلا بعد البلوي، بعد أن يبتلي الله العبد ويختبره.
الوجه الثاني: أن المراد به علم الظهور؛ لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون، فإذا صار علمه تعالي به علماً بما كان.
وقوله: (الْمُجَاهِدِينَ ) المجاهد : صار هو الذي بذل جهده جهده إعلاء كلمة الله، فيشمل المجاهد بعلمه، والمجاهد بعلمه: الذي يتعلم العلم ويعلمه وينشره بين الناس، ويجعل هذا وسيلة لتحكيم شريعة الله، هذا مجاهد. والذي يحمل السلاح لقتال الأعداء هو أيضاً مجاهد في سبيل الله، إذا كان المقصود في الجهادين أن تكون كلمة الله هي العليا.
وقوله: (وَالصَّابِرِينَ) أي: يصبرون على ما كلفوا فيه من الجهاد ويتحملونه ويقومون به.
وقولهSad وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) أي: نختبرها وتتبين لنا وتظهر لنا ظهوراً يترتب عليه الثواب والعقاب.
لما ذكر الله هذا الابتلاء قال: ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ، والخطاب للنبي صلي الله عليه وسلم ، ولك من يبلغه هذا الخطاب، يعني: بشر يا محمد ، وبشر يا من يبلغه هذا الكلام الصابرين الذين يصبرون على هذه البلوى فلا يقابلونها بالتسخط وإنما يقابلونها بالصبر. وأكمل من ذلك أن يقابلونها بالرضا، وأكمل من ذلك أن يقابلونها بالشكر. كما مر علينا أن المصاب بالمصائب من أقدار الله المؤلمة له أربع حالات: تسخط، وصبر، ورضاً، وشكر، وهنا قال: ) وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:155/156).
وقوله: (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ ) إذا أصابتهم مصيبة اعترفوا لله - عز وجل- بعموم ملكه، وأنهم ملك لله، ولله أن يفعل في ملكه ما شاء؛ ولهذا قال النبي- عليه الصلاة والسلام- لإحدى بناته، قال لها: (( إن الله ما أخذ وله ما أعطي))(104) فأنت ملك لربك- عز وجل- يفعل بك ما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالي.
ثم قال: (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يعترفون بأنهم لابد أن يرجعوا إلي الله فيجازيهم. أن تسخطوا جازاهم علي سخطهم، وإن صبروا - كما هو شأن هؤلاء القوم- فإن الله تعالي يجازيهم على صبرهم علي هذه المصائب. فيبتلي - عز وجل- بالبلاء ويثيب الصابر عليه.
قال تعالي: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)(البقرة: من الآية157) ، أولئك يعين الصابرين ( عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ) والصلوات جمع صلاة وهي ثناء الله عليهم في الملأ الأعلى ، يثني الله عليهم عند ملائكته.
وقوله: ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) الذين هداهم الله- عز وجل- عند حلول المصائب فلم يتسخطوا وإنما صبروا على ما أصابهم . وفي هذه الآية دليل على أن صلاة الله- عز وجل- ليست هي رحمته، بل هي أخص وأكمل وأفضل ، ومن فسرها من العلماء بأن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الدعاء، ومن الآدميين الاستغفار ؛ فإن هذا لا وجه له، بل الصلاة غير الرحمة؛ لأن الله تعالي عطف الرحمة علي الصلوات ، والعطف يقتضي المغايرة. ولأن العلماء مجمعون على أنك يجوز لك أن تقول لأي شخص من المؤمنين : اللهم ارحم فلاناً.
واختلفوا؛ هل يجوز أن تقول : اللهم صل عليه. أو لا يجوز؛ على أقوال ثلاثة:
-فمنهم من أجازها مطلقاًً، ومنهم من منعها مطلقاً، ومنهم من أجازها إذا كانت تبعاً.
والصحيح أنها تجوز إذا كانت تبعاً، كما في قوله(( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد))، أو لم تكن ولكن لها سبب؛ كما قال الله )خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ)(التوبة: من الآية103)، فإذا كان لها سبب، ولم تتخذ شعاراً، فإن ذلك لا بأس به. فلا بأس أن تقول: اللهم صل على فلان، فلو جاءك رجل بزكاته وقال لك خذ زكاتي وفرقها على الفقراء، فلك أن تقول : صلي الله عليك، تدعو له بأن يصلي الله عليه كما أمر الله نبيه بذلك.

* * *

25- وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن - أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك.
كل الناس يغدو، فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها))(105) ( رواه مسلم).

الشرح

سبق لنا الكلام علي الآيات التي ساقها المؤلف- رحمه الله تعالي- في الصبر وثوابه والحث عليه، وبيان محله، ثم شرع رحمه الله في بيان الأحاديث الواردة في ذلك.
فذكر حديث أبي مالك الشعري- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: الطهور شطر الإيمان )) الحديث، غلي قوله(( والصبر ضياء)) فبين النبي صلي الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الصبر ضياء؛ يعني أن يضيء للإنسان، عندما تحتلك الظلمات وتشتد الكربات، فإذا صبر؛ فإن هذا الصبر يكون له ضياء يهديه إلي الحق.
ولهذا ذكر الله- عز وجل- أنه من جملة الأشياء التي يستعان بها، فهو ضياء للإنسان في قلبه، وضياء له في طريقه ومنهاجه وعلمه؛ لأنه كلما سار إلي الله - عز وجل- علي طريق الصبر؛ فإن الله تعالي- يزيده هدي وضياء في قلبه ويبصره؛ فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( الصبر ضياء)).
أما بقية الحديث؛ فقال عليه الصلاة والسلام: (( الطهور شطر الإيمان)).
الطهور: يعني بذلك طهارة الإنسان.
شطر الإيمان: أي نصف الإيمان.
وذلك لأن الإيمان تخلية وتحلية.
أي: تبرؤ من الشرك والفسوق، تبرؤ من المشركين والفساق بحسب ما معهم من الفسق، فهو تخل.
وهذا هو الطهور ؛ أن يتطهر الإنسان طهارة حسيه ومعنوية من كل ما فيه أذي فلهذا جعله النبي عليه الصلاة والسلام شطر الإيمان، (( وسبحان الله)) معناها: تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به من العيوب ومماثلة المخلوقات.
فالله- عز وجل- منزه عن كل عيب في أسمائه ، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، لا تجد في أسمائه اسما يشتمل على نقص أو على عيب ؛ ولهذا قال تعالي: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)(لأعراف: من الآية180) ولا تجد في صفاته صفة تشتمل على عيب أو نقص؛ ولهذا قال الله (ِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) بعد قوله: (لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ) فالله عز وجل له الوصف الأكمل الأعلي من جميع الوجوه، وله أيضاً الكمال المنزه عن كل عيب في أفعاله، كما قال الله تعالي: )وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) (الدخان:38) فليس في خلق الله (106)لعب ولهو وإنما هو خلق مبني على الحكمة.
كذلك أحكامه لا تجد فيها عيباً ولا نقصاً كما قال الله تعالي: )أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (التين:Cool ، وقال عز وجل: )أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50) .
وقوله صلي الله عليه وسلم : (( سبحان الله والحمد لله تملآن- أو قال تملأ- ما بين السماوات والأرض))شك من الرواي: هل قال النبي صلي الله عليه وسلم : تملآن ما بين السموات والأرض، أو قال تملأ ما بين السموات والأرض.
والمعني لا يختلف.يعني أن سبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماوات والأرض، وذلك لأن هاتين الكلمتين مشتملتان على تنزيه الله عن كل نقص في قوله(( سبحان الله)) وعلى وصف الله بكل في قوله: (( والحمد لله)).
فقد جمعت هاتان الكلمتان بين التخلية والتحلية كما يقولون؛ أي بين نفي كل عيب ونقص، وإثبات كل كمال، فسبحان الله فيها نفي النقائص، والحمد لله فيها إثبات الكمالات.
فالتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به في أسمائه ، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه .
والله - عز وجل- يحمد على كل حال، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أصابه ما يسر به قال: (( الحمد لله على كل حال)) ثم إن ها هنا كلمة شاعت أخيرا عند كثير من الناس؛ وهي أقوالهم (( الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه)).
هذا الحمد ناقص ‍‍!!
لأن قولك على مكروه سواه تعبير على قلة الصبر ، أو - على الأقل- عدم كمال الصبر، وأنك كاره لهذا الشيء، ولا ينبغي للإنسان أن يعبر هذا التعبير، بل الذي ينبغي له أن يعبر بما كان النبي صلي الله عليه وسلم يعبر به؛ فيقول (( الحمد لله على كل حال))، أو يقول : (( الحمد لله الذي لا يحمد على كل حال سواه)).
أما أن يقول: على مكروه سواه، فهذا تعبير واضح على مضادة ما أصابه من الله- عز وجل- وأنه كاره له.
وأنا لا أقول: إن الإنسان لا يكره ما أصابه من البلاء ، فالإنسان بطبيعته يكره ذلك، لكن لا تعلن هذا بلسانك في مقام الثناء على الله، بل عبر كما عبر النبي صلي الله عليه وسلم (( الحمد لله على كل حال)).
قوله صلي الله عليه وسلم : (( والصلاة نور)).
فالصلاة نور: نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره، ولهذا تجد أكثر الناس نوراً في الوجوه أكثرهم صلاة، وأخشعهم فيها لله عز وجل.
وكذلك تكون نوراً للإنسان في قلبه؛ تفتح عليه باب المعرفة لله- عز وجل-، وباب المعرفة في أحكام الله، وأفعاله، وأسمائه، وصفاته، وهي نور في قبر الإنسان؛ لأن الصلاة هي عمود الإسلام، إذا قام العمود قام البناء ، وإذا لم يقم العمود فلا بناء.
كذلك نور في حشرة يوم القيامة؛ كما أخبر بذلك الرسول صلي الله عليه وسلم : (( أن من حافظ عليه كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وابي بن خلف))(107).
فهي نور للإنسان في جميع أحواله، وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها، وأن يحرص عليها، وأن يكثر منها حتى يكثر نوره وعلمه وإيمانه.
وأما الصبر فقال: (( إنه ضياء)) فيه نور؛ لكن نور مع حرارة، كما قال الله تعالي )هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً)(يونس: من الآية5).
فالضوء لابد فيه من حرارة، وهكذا الصبر، لابد فيه من حرارة وتعب، لأن فيه مشقة كبيرة، ولهذا كان أجره بغير حساب.
فالفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر، أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة؛ لما في ذلك من التعب القلبي والبدني في بعض الأحيان.
وقوله: (( الصدق برهان)).
الصدقة: بذل المال تقربا إلي الله- عز وجل- فيبذل المال على هذا الوجه للأهل ، والفقراء ، والمصالح العامة، كبناء المساجد وغيرها؛ برهاناً على إيمان العبد، وذلك أن المال محبوب إلي النفوس ، والنفوس شحيحة به، فإذا بذله الإنسان لله، فإن الإنسان لا يبل ما يحب إلا لما هو أحب إليه منه. فيكون في بذل المال لله- عز وجل- دليل على صدق الإيمان وصحته.
ولهذا تجد أكثر الناس إيماناً بالله- عز وجل- وبإخلافه؛ تجدهم أكثرهم صدقة.
ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( والقرآن حجة لك أو عليك)) لأن القرآن هو حبل الله المتين، وهو حجة الله على خلقه، فإما أن يكون لك، وذلك فيما إذا توصلت به إلي الله، وقمت بواجب هذا القرآن العظيم من التصديق بالأخبار، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وتعظيم هذا القرآن الكريم واحترامه.ففي هذه الحال يكون حجة لك.
أما إن كان الأمر بالعكس، أهنت القرآن، وهجرته لفظاً ومعني وعملاً، ولم تقم بواجبه؛ فإنه يكون شاهداً عليك يوم القيامة.
ولم يذكر الرسول صلي الله عليه وسلم مرتبة هاتين المرتبتين!
يعني: لم يذكر أن القرآن لا لك، ولا عليك ؛ لأنه لابد أن يكون إما لك وإما عليك على كل حال . فنسأل الله أن يجعله لنا جميعاً حجة نهتدي به في الدنيا وفي الآخرة؛ إنه جواد كريم.
قوله: (( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)).
أي: كل الناس يبدأ يومه من الغدوة بالعمل، وهذا شيء مشاهد. فإن الله - تعالي- جعل الليل سكناً وقال )وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ )(الأنعام: من الآية60)، فهذا النوم الذي يكون في الليل هو وفاة صغري، تهدأ فيه الأعصاب، ويستريح فيه البدن، ويستجد نشاطه للعمل المقبل، ويستريح من العمل الماضي.
فإذا كان الصباح- وهو الغدوة - سار الناس واتجهوا كل لعمله.
فمنهم من يتجه إلي الخير، وهم المسلمون، ومنهم من يتجه إلي الشر، وهم الكفار والعياذ بالله.
المسلم أول ما يغدو يتوضأ ويتطهر(( والطهور شطر الإيمان)) كما في هذا الحديث، ثم يذهب فيصلي، فيبدأ يومه بعبادة الله- عز وجل-؛ بالطهارة، والنقاء، والصلاة، التي هي صلة بين العبد وبين ربه، فيفتتح يومه بهذا العمل الصالح، بل يفتتحه بالتوحيد؛ لأنه يشرع للإنسان إذا استيقظ من نومه أن يذكر الله- عز وجل- وأن يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران وهي قوله: )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) إلي آخر السورة: 190-200، هذا المسلم هذا الذي يغدو في الحقيقة وهو بائع نفسه، لكن هل باعها بيعاً يعتقها فيه؟!.
نقول: المسلم باعها بيعا يعتقها فيه؛ ولهذا قال: (( فبائع نفسه فمعتقها)) هذا قسم.
(( أو موبقها)) معناها: بائع نفسه فموبقها.الكافر يغدو إلي العمل الذي فيه الهلاك؛ لأن معني ( أوبقها) أهلكها . وذلك أن الكافر يبدأ يومه بمعصية الله، حتى لو بدأ والشرب؛ فإن أكله وشربه يعاقب عليه يوم القيامة، ويحاسب عليه.
كل لقمة يرفعها الكافر إلي فمه فإنه يعاقب عليها ، وكل شربة يبتلعها من الماء فإنه يعاقب عليها، وكل لباس يلبسه فإنه يعاقب عليه.
والدليل على هذا قوله تعالي: )قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، للذين آمنوا لا غيرهم.
) خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يعني: ليس عليهم من شوائبها شيء يوم القيامة. فمفهوم الآية الكريمة ) قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أنها لغير المؤمنين حرام، وأنها ليست خالصة لهم يوم القيامة، وانهم سيعاقبون عليها.
وقال الله في سورة المائدة؛ وهي من آخر ما نزل )لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا)(المائدة: من الآية93) فمفهوم الآية الكريمة : أن على غير المؤمنين جناح فيما طعموه.
فالكافر من حين ما يصبح- والعياذ بالله- وهو بائع نفسه فيما يهلكها، أما المؤمن فبائع نفسه فيما يعتقها وينجيها من النار. نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم.
في آخر هذا الحديث بين رسول الله صلي الله عليه وسلم أن الناس ينقسمون إلي قسمين:
قسم يكون القرآن حجة لهم؛ كما قال : (( والقرآن حجة لك )).
وقسم يعتنقون أنفسهم بأعمالهم الصالحة.
وقسم يهلكونها بأعمالهم السيئة . والله الموفق.

* * * *
26- وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدرى رضي الله عنهما : أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلي الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ، حتى نفد ما عنده ، فقال لهم حين نفد كل شيء أنفق بيديه: (( ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله. وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر))(108)

الشرح

كان من خلق الرسول الكريم- عليه الصلاة والسلام- أنه لا يسأل شيئاً يجده إلا أعطاه ، وما عهد عنه أنه صلي الله عليه وسلم منع سائلاً، بل كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويعيش في بيته عيش الفقراء، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع
فهو عليه الصلاة والسلام أكرم الناس واشجع الناس.
فلما نفد ما في يده أخبرهم أنه ما من خير يكون عنده فلن يدخره عنهم؛ أي: لا يمكن أن يدخر شيئا عنهم فيمنعهم، ولكن ليس عنده شيء.
ثم حث النبي صلي الله عليه وسلم على الاستعفاف والاستغناء والصبر، فقال: (( ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن الله، ومن يتصبر يصبره الله- عز وجل)).
هذه ثلاثة أمور:
أولا: من يستغن يغنه الله، أي: من يستغن بما عند الله عما في أيدي الناس؛ يغنه الله عز وجل. وأما من يسأل الناس ويحتاج لما عندهم ؛ فإنه سيبقي قلبه فقيراً - والعياذ بالله- ولا يستغني.
والغني غني القلب، فإذا استغني الإنسان بما عند الله عما في أيدي الناس؛ أغناه الله عن الناس، وجعله عزيز النفس بعيداً عن السؤال.
ثانياً: من يستعفف يعفه الله، فمن يستعف عما حرم الله عليه من النساء يعفه الله عز وجل.
والإنسان الذي يتبع نفسه هواها فيما يتعلق بالعفة فإنه يهلك والعياذ بالله؛ لأنه إذا أتبع نفسه هواها وصار يتتبع النساء؛ فإنه يهلك، تزني العين، تزني الأذن، تزني اليد، تزني الرجلن ثم يزني الفرج؛ وهو الفاحشة والعياذ بالله.
فإذا استعف الإنسان عن هذا المحرم أعفه الله- عز وجل- وحماه وحمي أهله أيضاً.
ثالثاً: من يتصبر يصبره الله، أي يعطيه الله الصبر.
فإذا تصبرت، وحسبت نفسك عما حرم الله عليم، وصبرت على ما عندك من الحاجة والفقر ولم تلح على الناس بالسؤال فإن الله- تعالي- يصبرك ويعينك على الصبر. وهذا هو الشاهد من الحديث؛ لأنه في باب الصبر.
ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم (( وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر)) أي: ما من الله على أحد بعطاء من رزق، أو غيره؛ خيراً واوسع من الصبر؛ لأم الإنسان إذا كان صبوراً تحمل على كل شيء. إن أصابته الضراء صبر، وإن أعرض له الشيطان بفعل المحرم صبر، وإن خذله الشيطان عن ما أمر الله صبر.
فإذا كان الإنسان قد من الله عليه بالصبر؛ فهذا خير ما يعطاه الإنسان ، وأوسع ما يعطاه، ولذلك تجد الإنسان الصبور لو أوذي من قبل الناس، لو سمع منهم ما يكره، لو حصل منهم اعتداء عليه، تجده هادي البال ، لا يتصلب ، ولا يغضب، لأنه صابر على ما ابتلاه الله به؛ فلذلك تجد قلبه دائماً مطمئناً ونفسه مستريحة.
ولهذا قال الرسول صلي الله عليه وسلم (( ما أعطي أحد عطاء خيرا واوسع من الصبر)) والله الموفق.


***

27- وعن أبي يحيي صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن : إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له))(109)( رواه مسلم).

الشرح

قال المؤلف- رحمه الله- فيما نقله عن صهيب الرومي: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير)) أي: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أظهر العجب على وجه الاستحسان (( لأمر المؤمن)) أي: لشأنه.فإن شأنه كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن.
ثم فصل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الأمر الخير، فقال: (( إن أصابته سراء شكر فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خير له)) هذه حال المؤمن. وكل إنسان ؛ فإنه في قضاء الله وقدره بين أمرين:
مؤمن وغير مؤمن، فالمؤمن على كل حال ما قدر الله له فهو خير له، إن أصابته الضراء صبر على أقدار الله، وانتظر الفرج من الله، واحتسب الأجر على الله؛ فكان ذلك خيراً له، فنال بهذا أجر الصائمين.
وإن اصابته سراء من نعمة دينية؛ كالعلم والعمل الصالح، ونعمة دنيوية؛ كالمال والبنين والأهل شكر الله، وذلك بالقيام بطاعة الله - عز وجل.
فيشكر الله فيكون خيرا له، ويكون عليه نعمتان: نعمة الدين، ونعمة الدنيا.
نعمة الدنيا بالسراء، ونعمة الدين بالشكر، هذه حال المؤمن ، فهو علي خير، سواء أصيب بضراء.
وأما الكافر فهو على شر- والعياذ بالله- إن اصابته الضراء لم يصبرن بل يتضجر، ودعا بالويل والثبور، وسب الدهر، وسب الزمن، بل وسب الله- عز وجل- ونعوذ بالله.
وإن اصابته سراء لم يشكر الله، فكانت هذه السراء عقاباً عليه في الآخرة، لأن الكافر لا يأكله أكلة، ولا يشرب إلا كان عليه فيها إثم، وإن كان ليس فيها إثم بالنسبة للمؤمن ، لكن على الكافر إثم، كما قال الله تعالي: )قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )(لأعراف: من الآية32) ، هي للذين آمنوا خاصة، وهي خالصة لهم يوم القيامة، أما الذين لا يؤمنون فليست لهم، ويأكلونها حراماً عليهم، ويعاقبون عليها يوم القيامة.
فالكافر شر، سواء أصابته الضراء أم السراء، بخلاف المؤمن فإنه على خير.
وفي هذا الحديث: الحث على الإيمان النبي صلي الله عليه وسلم وأن المؤمن دائماً في خير ونعمة.
وفيه أيضاً: الحث على الصبر على الضراء، وأن ذلك من خصال المؤمنين . فإذا رأيت نفسك عند إصابة الضراء صابراً محتسباً، تنتظر الفرج من الله- سبحانه وتعالي- وتحتسب الأجر على الله؛ فذلك عنوان الإيمان، وإن رأيت العكس فلم نفسك، وعدل مسيرك، وتب إلي الله.
وفي الحديث أيضاً: الحث على الشكر عند السراء، لأنه إذا شكر الإنسان ربه على نعمة فهذا من توفيق الله له، وهو من أسباب زيادة النعم، كما قال الله تعالي: )وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (ابراهيم:7) وإذا وفق الله الإنسان للشكر؛ فهذه نعمة تحتاج إلي شكرها مرة ثالثة…وهكذا، لأن الشكر قل من يقوم به، فإذا من الله عليك وأعانك عليه فهذه نعمة.
ولهذا قال بعضهم:

إذا كان شكري نعمة الله نعمة على له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر

وصدق - رحمه الله- فإن الله إذا وفقك للشكر فهذه نعمة تحتاج إلي شكر جديد، فإن شكرن فهي نعمة تحتاج إلي شكر ثان، فإن شكرت فهي نعمة تحتاج إلي شكر ثالث. وهلم جرا.
ولكننا- في الحقيقة- في غفلة عن هذا . نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وقلوبكم ، ويصلح أعمالنا وأعمالكم؛ إنه جواد كريم.

* * *

28- وعن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي صلي الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت فاطمة رضي الله عنهما: واكرب أباه. فقال: (( ليس علي أبيك كرب بعد اليوم)). فلما مات قالت: يا ابتاه أجاب رباه دعاه، يا ابتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلي جبريل ننعاهن فلما قالت فاطمة عليها السلام: يا انس ، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب؟(110)(.رواه البخاري).


الشرح

قال المؤلف- رحمه الله تعالي- فيما رواه عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن فاطمة بنت محمد صلي الله عليه وسلم لما ثقل رسول الله صلي الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه(( جعل يتغشاه الكرب)) أي: من شدة ما يصيبه جعل يغشي عليه من الكرب؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يتشدد عليه الوعك والمرض، كأن يوعك كما يوعك الرجلان من الناس.
والحكمة في هذا ، من أجل أن ينال صلي الله عليه وسلم أعلي درجات الصبر.فإن الصبر منزلة عالية، لا ينال إلا بامتحان واختبار من الله- عز وجل- لأنه لا صبر إلا على مكروه.
فإذا لم يصب الإنسان بشيء يكره فكيف يعرف صبره، ولهذا قال الله تعالي )وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين)(محمد: من الآية31) فكان النبي صلي الله عليه وسلم يوعك كما يوعك الرجلان من الناس.
فجعل يتغشاه الكرب، فتقول فاطمة- رضي الله عنها- (( وأكرب أباه)) تتوجع له من كربه، لأنها امرأة ، والمرأة لا تطيق الصبر.
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (( لا كرب على أبيك بعد اليوم)) لأنه صلي الله عليه وسلم لما انتقل من الدنيا انتقل إلي الرفيق الأعلى، كما كان صلي الله عليه وسلم - وهو يغشاه الموت- يقول (( اللهم في الرفيق الأعلى، اللهم في الرفيق الأعلى(111) وينظر إلي سقف البيت صلي الله عليه وسلم .
توفي الرسول عليه الصلاة والسلام، فجعلت، رضي الله عنها- تندبه، لكنه ندب خفيف، لا يدل على التسخط من قضاء الله وقدره.
وقولها(( أجاب ربا دعاه)) لأن الله- سبحانه وتعالي- هو الذي بيده ملكوت كل شيء، آجال الخلق بيده، تصريف الخلق بيده، كل شيء إلي الله، إلي الله المنهي وإليه الرجعي.
فأجاب داعي الله، وهو انه صلي الله عليه وسلم إذا توفي صار كغيره من المؤمنين، يصعد بروحه حتى توقف بين يدي الله- عز وجل- فوق السماء السابعة. فقالت : واأبتاه، أجاب ربا دعاه.
وقولها: (( وا ابتاه جنة الفردوس مأواه)) صلي الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام أعلى الخلق منزلة في الجنة، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم (( اسألوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو)). ولا شك ان النبي صلي الله عليه وسلم مأواه جنة الفردوس، وجنة الفردوس هي أعلي درجات الجنة، وسقفها الذي فوقها عرش الرب جل جلاله، والنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى الدرجات منها.
قولها : (( يا أبتاه إلي جبريل ننعاه)) النعي: هو الإخبار بموت الميت، وقالت : إننا ننعاه إلي جبريل لأن جبريل هو الذي كان يأتيه بالوحي صباحاً ومساء.
فإذا فقد النبي عليه الصلاة والسلام ؛ فقد نزول جبريل عليه الصلاة والسلام إلي الأرض بالوحي؛ لأن الوحي انقطع بموت النبي صلي الله عليه وسلم .
ثم لما حمل ودفن رضي الله عنها: (( أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم التراب؟)) يعني من شدة وجدها عليه، وحزنها ، ومعرفتها بأن الصحابة- رضي الله عنهم- قد ملأ قلوبهم محبة الرسول عليه الصلاة والسلام فهل طابت؟
والجواب: أنها طابت؛ لن هذه ما أراد الله- عز وجل- وهو شرع الله، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام يفدي بكل الأرض لفداه الصحابة رضي الله عنهم.
لكن الله - سبحانه- هو الذي له الحكم، وغليه المرجع، وكما قال الله تعالي في كتابة: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (الزمر:30/31) .
الفوائد:
في هذا الحديث بيان أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كغيرة من البشر، يمرض ويجوع، ويعطش ،ويبرد ، ويحتر وجميع الأمور البشرية تعتري النبي صلي الله عليه وسلم ، كما قال صلي الله عليه وسلم (( إنما أنا بشر مثلكم، أنسي كما تنسون))(112).
وفيه : رد على هؤلاء القوم الذين يشركون بالرسول صلي الله عليه وسلم ؛ يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام ، ويستغيثون به وهو في قبره بل إن بعضهم- والعياذ بالله- لا يسأل الله تعالي ويسأل الرسول صلي الله عليه وسلم ؛ كأن الذي يجيب هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ولقد ضلوا في دينهم وسفهوا في عقولهم.فإن الرسول صلي الله عليه وسلم لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعا فكيف يملك لغيره؟!
قال الله تعالي آمراً نبيه )قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ) بل هو عبد من عباد الله؛ ولهذا قال( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ )(الأنعام: من الآية50 ) .
وقال الله- سبحانه- له أيضا (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً) (21) (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (22) (إِلَّا بَلاغاً) أي: هذه وظيفتي (مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ)(الجـالنبي صلي الله عليه وسلم: من الآية21/23)، ولما أنزل الله تعالي قوله: )وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء:214)، دعا قرابته صلي الله عليه وسلم وجعل ينادي إلي أن قال: (( يا فاطمة بنت محمد ، سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً))(113) إلي هذا الحد‍!! التي هي بضعة منه والتي يريبه ما رابه يقول لها: لا أغني عنك من الله شيئاً.
فهذا دليل على أن من سواها من باب أولي.
ففيه ضلال هؤلاء الذين يدعون الرسول صلي الله عليه وسلم تجدهم في المسجد النبوي عند الدعاء يتجهون إلي القبر، ويصمدون أمام القبر كصمودهم أمام الله في الصلاة أو اشد.
وفي هذا الحديث : دليل على أنه لا باس بالندب اليسير إذا لم يكن مؤذيا بالتسخط على الله عز وجل، لأن فاطمة ندبت النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه ندب يسير ، وليس ينم عن اعتراض على قدر الله عز وجل.
وفيه دليل: على أن فاطمة بنت محمد صلي الله عليه وسلم ورضي الله عنها بقيت بعد حياته صلي الله عليه وسلم بقيت فاطمة ، ولكن ليس لها ميراث، لا هي، ولا زوجاته، ولا عمه العباس، ولا أحد من عصبته؛ لأن الأنبياء لا يورثون ،كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة))(114).

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: رد: باب الصبر   الجمعة أبريل 29, 2011 2:18 pm

وهذا من حكمة الله - عز وجل- لأنهم لو ورثوا لقال من يقول : إن هؤلاء جاءوا بالرسالة يطلبون ملكا يورث من بعدهم؛ ولكن الله - عز وجل- منع ذلك.
فالأنبياء لا يورثون ، بل ما يتركونه يكون صدقة يصرف للمستحقين له والله الموفق.
29- وعن أبي زيد اسامة بن زيد حارثة مولى رسول الله صلي الله عليه وسلم وحبه وابن حبه، رضي الله عنهما ، قال: أرسلت بنت النبي صلي الله عليه وسلم : إن ابني قد احتضر فاشهدنا، فأرسل يقري السلام ويقول: (( إن الله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي فلتصبر ولتحتسب)) فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتيها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال رضي الله عنهم، فرفع إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم الصبي فأقعده في حجره ونفسه تقعقع، ففاضت عيناهن فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: (( هذه رحمة جعلها الله تعالي في قلوب عباده)) وفي رواية: في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء))(115) ( متفق عليه).
ومعني: (( تقعقع)) تتحرك وتضطرب.


الشرح

قال المؤلف - رحمه الله تعالي- فيما نقله عن أبي زيد اسامة بن زيد بن حارثة- رضي الله عنهما_، وزيد بن حارثة كان مولي لرسول الله صلي الله عليه وسلم ، وكان عبداً، فأهدته إليه خديجة- رضي الله عنها- فأعتقه ، فصار مولي له، وكان يلقب بحب رسول الله صلي الله عليه وسلم ؛ أي حبيبيه، وابنه أيضاً حب، فأسامة حبه وابن حبه رضي الله عنهما، ذكر أن إحدي بنات الرسول صلي الله عليه وسلم أرسلت إليه رسولا، تقول له إن ابنها قد احتضر، أي: حضره الموت. وأنها تطلب من النبي صلي الله عليه وسلم أن يحضر، فبلغ الرسول رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال له النبي صلي الله عليه وسلم (( مرها فلتصبر ولتحتسب ،فإن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي)).
أمر النبي عليه الصلاة والسلام الرجل الذي أرسلته ابنته أن يأمر ابنته- أم هذا الصبي- بهذه الكلمات:
قال: (( فلتصبر))أي: تحتسب الأجر على الله بصبرها؛ لأن من الناس من يصبر ولا يحتسب، يصبر على المعصية ولا يتضجر ، لكنه ما يؤمل أجرها على الله فيفوته بذلك خير كثير ، لكن إذا صبر واحتسب الأجر على الله، يعني: أراد بصبره أن يثيبه الله ويأجره، فهذا هو الاحتساب (( مرها فلتصبر)) يعني على هذه المصيبة (( ولتحتسب)) أجرها على الله عز وجل. قوله: (( فإن لله ما أخذ وله ما أعطي)) هذه الجملة عظيمة؛ إذا كان الشيء كله لله، إن أخذ منك شيئاً فهو ملكه، وإن اعطاك شيئاً فهو ملكه ، فكيف تسخط إذا أخذ منك ما يملكه هو؟
عليك إذا أخذ لله منك شيئا محبوباً لك؛ أن تقول : هذا لله، له أن يأخذ ما شاء الله، وله أن يعطي ما شاء.
ولهذا يسن للإنسان إذا أصيب بمصيبة أن يقول (( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)) يعني: نحن ملك لله يفعل بنا ما يشاء ، وكذلك ما نحبه إذا أخذه من بين أيدينا فهو له- عز وجل- له ما أخذ وله أعطي ، حتى الذي يعطيك أنت لا تملكه، هو لله، ولهذا لا يمكن أن تتصرف فيما أعطاك الله إلا على الوجه الذي أذن لك فيه؛ وهذا دليل على أن ملكنا لما يعطينا الله ملك قاصر، ما نتصرف فيه تصرفا مطلقاً، فلو أراد الإنسان أن يتصرف في ماله تصرفاً مطلقا على وجه لم يأذن به الشرع قلنا له أمسك، لا يمكن ؛ لأن المال مال الله، فلا تتصرف فيه إلا على الوجه الذي أذن لك فيه.
ولهذا قال: (( ولله ما أخذ وله ما أعطي)) فإذا كان لله ما أخذ، فكيف نجزع؟ كيف نتسخط أن يأخذ المالك ما ملك سبحانه وتعالي؟ هذا خلاف المعقول وخلاف المنقول!
قال: (( وكل شيء عنده بأجل مسمي)) كل شيء عنده بمقدار ، كما قال الله تعالي في القرآن الكريم ) وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ)(الرعد: من الآيةCool بمقدار في زمانه ، ومكانه، وذاته، وصفاته، وكل ما يتعلق به فهو عند الله مقدر.
(( بأجل مسمي)) أي: معين ، فإذا أيقنت بهذا؛ إن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي؛ اقتنعت . وهذه الجملة الأخيرة تعني أن الإنسان لا يمكن أن يغير المكتوب المؤجل لا بتقديم ولا بتأخير ، كما قال الله ) لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)(يونس: من الآية49)، فإذا كان الشيء مقدراً لا يتقدم ولا يتأخر ؛ فلا فائدة من الجزع والتسخط؛ لأنه وإن جزعت أو تسخطت لن تغير شيئاً من المقدور.
ثم إن الرسول أبلغ بنت النبي صلي الله عليه وسلم ما أمره أن يبلغه إياها ، ولكنها أرسلت إليه تطلب أن يحضر، فقام عليه الصلاة والسلام هو وجماعة من أصحابه ، فوصل إليها ، فرفع إليه الصبي ونفسه تتقعقع؛ أي تضطرب، تصعد وتنزل، فبكي الرسول عليه الصلاة والسلام ودمعت عيناه. فقال سعد بن عباده وكان معه- هو سيد الحرج- ما هذا ؟ ظن أن الرسول صلي الله عليه وسلم بكي جزعاً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (( هذه رحمة)) أي بكت رحمة بالصبي لا جوعاً بالمقدور.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: (( إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) ففي هذا دليل على جواز البكاء رحمة بالمصاب.
إذا رأيت مصاباً في عقله أو بدنه، فبكت رحمة به، فهذا دليل على أن الله تعالي جعل في قلبك رحمة، وإذا جعل الله في قلب الإنسان رحمه كان من الرحماء الذين رحمهم الله عز وجل.نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته.
ففي هذا الحديث دليل على وجوب الصبر؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: (( مرها فلتصبر ولتحتسب)).
وفيه دليل أيضاً على أن هذه الصيغة من العزاء أفضل صيغة، أفضل من قوله بعض الناس: (( أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك ، وغفر لميتك)) هذه صيغة أختارها بعض العلماء، لكن الصيغة التي اختارها الرسول عليه الصلاة والسلام(( اصبر واحتسب ، فإن لله ما أخذ وله ما أعطي، وكل شيء عنده بأجل مسمي)) أفضل؛ لأن المصاب إذا سمعها اقتنع أكثر.
والتعزية في الحقيقة ليست تهنئه كما ظنها بعض العوام، يحتفل بها، وتوضع لها الكراسي، وتوقد لها الشموع، ويحضر لها القراء والأطعمة، بل هي تسلية وتقوية للمصاب أن يصبر ، ولهذا لو أن أحداً لم يصب بالمصيبة، كما لو مات له ابن عم ولم يهتم به؛ فإنه لا يعزي، ولهذا قال العلماء رحمهم الله (( تسن تعزية المصاب)) ولم يقولوا تسن تعزية القريب، لأن القريب ربما لا يصاب بموت قريبه، والبعيد يصاب لقوة صداقة بينهما مثلاً.
فالتعزية للمصاب لا للقريب. أما الآن- مع الأسف- انقلبت الموازين وصارت التعزية للقريب، حتى وإن كان قد فرح وضرب الطبول لموت قريبه فإنه يعزي ،ربما يكون بعض الناس فقيراً، وبينه وبين ابن عمه في هذه الحال أو يصاب؟ غالبا يفرح، ويقول: الحمد لله الذي خلصني من مشاكلة ورثني ماله! فهذا لا يعزي، هذا يهنأ لو أردنا أن نقول شيئاً.
والمهم أنه يجب أن نعلم أن التعازي إنما هي لتقوية المصاب على الصبر وتسليته، فيختار لها من الكلمات أفضل ما يكون وأقرب ما يكون للتعزية، ولا أحسن من الكلمات التي صاغها نبينا صلي الله عليه وسلم . والله الموفق.

* * *

30- وعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (( كان ملك فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحر، فلكا كبر قال للملك: إني قد كبرت فأبعث إلي غلاما أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلاما يعلمه ، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتي الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتي الساحر ضربه، فشكا ذلك إلي الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حسبني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حسبني الساحر.
فبينما هو علي ذلك إذ أتي علي دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضي الناس، فأتي الراهب فاخبره، فقال له الراهب : أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أري وإنك ستبتلي فإن ابتليت فلا تدل علي؛ وكان الغلام يبرئ الأكمة والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء . فسمع جليس للملك كان قد عمي ، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني فقال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالي، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك ، فأمن باله تعالي فشفاه الله، فأتي الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي قال: أو لك غيري؟! قال ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام ، فجئ بالغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمة والأبرص وتفعل وتفعل، فقال : إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالي، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب؛ فجئ بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبي فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جئ بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبي فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جئ بالغلام فقيل له: ارجه\ع عن دينك فأبي ، فدفعه إلي نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلي جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلي الملك فقال له الملك: ما فعل بك بأصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالي ، فدفعه إلي نفر من اصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر، فغن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه ، فذهبوا به فقال: اللهم اكفينهم بما شئت فانكفات بهم السفينة فغرقوا ، وجاء يمشي إلي الملك فقال له الملك : ما فعل بأصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالي، فقال الملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به، قال: ما هو ؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغة، فوضع يده في صدغه فمات. فقال الناس : آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك. قد آمن الناس. فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت، واضرم فيها النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها، أو قيل له: اقتحم ، ففعلوا ، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق))(116) ( رواه مسلم).
((ذروه الجبل)) : أعلاه، وهي بكسر الذال المعجمة وضمها، و(( القرقور)) بضم القافين: نوع من السفن، و(( الصعيد)) هنا: الأرض البارزة، و (( الأخدود)) الشقوق في الأرض كالنهر الصغير ، و(( اضرم)) أوقد و(( انكفات)) أي: انقلبت، و(( تقاعست)9 توقفت وجبنت)).


الشرح

هذا الحديث الذي ذكره المؤلف - رحمه الله تعالي- في باب الصبر في قصة عجيبة: وهي أن رجلاً من الملوك فيمن سبق كان عنده ساحر اتخذه الملك بطانة؛ من أجل ان يستخدمه في مصالحه ولو على حساب الدين، لأن هذا الملك لا يهتم إلا بما فيه مصلحته، وهو ملك مستبد قد عبد الناس لنفسه كما سيأتي إن شاء الله تعالي في آخر الحديث.
هذا الساحر لما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر.
واختار الغلام لأن الغلام أقبل للتعليم، ولأن التعليم للغلام الشاب هو الذي يبقي، ولا ينسي، ولهذا كان التعلم في الصغر خيرا بكثير من التعلم في الكبر، وفي كل خير، لكن التعلم في الصغر فيه فائدتان عظيمتان بل أكثر:
الفائدة الأولي: أن الشاب في الغالب أسرع حفظاً من الكبير، لأن الشاب فارغ البال ليست عنده مشاكل توجب انشغاله.
وثانياً: أن ما يحفظه الشاب يبقي، وما يحفظه الكبير ينسي ، ولهذا كان من الحكمة الشائعة بين الناس: (( إن العلم في الصغر كالنقش في الحجر)) لا يزول.
وفيه فائدة ثالثة: وهي أن الشاب إذا ثقف العلم من أول الأمر صار العلم كالسجية له والطبيعة له، وصار كأنه غريزة قد شب عليه فيشب عليه.
فهذا الساحر ساحر كبير قد تقدمت به السن وجرب الحياة وعرف الأشياء . فطلب من الملك أن يختار له شاباً غلاماً يعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً، فعلمه ما علمه، ولكن الله تعالي قد أراد بهذا الغلام خيراً‍
مر هذا الغلام يوماً من الأيام براهب، فسمع منه فأعجبه كلامه، لأم هذا الراهب- يعني العابد- عابد لله عز وجل، لا يتكلم إلا بالخير، وقد يكون راهباً عالماً لكن تغلب عليه العبادة فسمي بما يغلب عليه من الرهبانية، فصار هذا الغلام إذا خرج من أهله جلس عند الراهب فتأخر على الساحر، فجعل الساحر يضربه، لماذا تتأخر؟ فشكا الغلام إلي الراهب أمر يتخلص به، قال: إذا ذهبت إلي الساحر وخشيت أن يعاقبك فقل: عن الساحر أخرني؛ حتى تنجو من هذا ومن هذا.
وكان الراهب- والله أعلم- أمره بذلك- مع أنه كذب - لعله رأي أن المصلحة في هذا تربو على مفسدة الكذب، مع أنه يمكن أن يتأول !!
ففعل ، فصار الغلام يأتي إلي الراهب ويسمع منه، ثم يذهب إلي الساحر، فإذا أراد أن يعاقبه على تأخره قال: إن أهلي أخروني، وإذا رجع إلي أهله وتأخر عند الراهب قال: إن الساحر أخرني. فمر ذات يوم بدابة عظيمة، ولم يعين في الحديث ما هذه الدابة، قد حسبت الناس عن التجاوز، فلا يستطيعون أن يتجاوزها ، فإذا هذا الغلام أن يخابر: هل الراهب خير له أم الساحر ، فأخذ حجراً، ودعا الله سبحانه وتعالي إن كان أمر الراهب خير له أن يقتل هذا الحجر الدابة، فرمي بالحجر ، فقتل الدابة، فمشي الناس.
فعرف الغلام أن أمر الراهب خير من أمر الساحر، وهذا أمر لا شك فيه؛ لأن الساحر إما معتد ظالم، وإما كافر مشرك، فإن كان يستعين على سحره بالشياطين يتقرب إليهم ويعبدهم ويدعوهم ويستغيث بهم فهو كافر مشرك. وإن كان لا يفعل هذا لكن يعتدي على الناس بأدوية فيها سحر فهذا ظالم معتد.
أما الراهب، فإن كان يعبد الله على بصيرة فهو مهتد ، وإن كان عنده شيء من الجهل والضلال فنيته طيبه، وإن كان عمله سيئاً.
المهم أن الغلام أخبر الراهب بما جري فقال له الراهب: أنت اليوم خير مني، وذلك لأن الغلام دعا الله فاستجاب الله له.
وهذا من نعمة الله على العبد، أن الإنسان إذا شك في المر ثم طلب من الله لآية تبين له شأن هذا الأمر فبينه الله له، فإن هذا من نعمة الله عليه.
ومن ثم شرعت الاستخارة، للإنسان إذا هم بالأمر وأشكل عليه: هل في إقدامه خير أم في إحجامه خير، فإنه يستخير الله، وإذا استخار الله بصدق وإيمان فإن الله تعالي يعطيه ما يستدل به علي أن الخير في الإقدام أو إحجام. إما بشيء يلقيه في قلبه ينشرح صدره لهذا أو لهذا، وإما برؤيا يراها في المنام، وإما بمشورة أحد من الناس، وإما بغير ذلك.
وكان من كرامات هذا الغلام أنه يبرئ الأكمة والأبرص ، يعني أنه يدعو لهم فيبرأون ، وهذا من كرامات الله له.
وليس كقصة عيسي بن مريم يمسح صاحب العاهة فيبرأ، بل هذا يدعو الله فيستجيب الله تعالي دعاءه، فيبرئ بدعائه الأكمة والأبرص.
وقد اخبر الراهب هذا الغلام بأنه سيبتلي يعني سيكون له محنة واختبار، وطلب منه أن لا يخبر به إن هو ابتلي بشيء.
وكأن هذا الغلام- والله أعلم- مستجاب الدعوة، إذا دعا الله تعالي قبل منه.
وكان للملك جليس أعمي- لا يبصر- فأتي بهدايا كثيرة لهذا الغلام حينما سمع عنه ما سمع وقال: لك ما هنا أجمع- أي كله- إن أنت شفيتني، فقال، إنما يشفيك الله.
انظر إلي الإيمان ! لم يغتر بنفسه وادعي أنه هو الذي يشفي المرضي، بل قال: إنما يشفيك الله عز وجل، وهذا يشبه من بعض الوجوه ما جري لشيخ الإسلام ابن تيميه- رحمه الله عليه-، حينما جئ إليه برجل مصروع قد صرعه الجني، فقرأ عليه شيخ الإسلام ابن تيمي ولكنه لم يخرج، فجعل شيخ الإسلام يضربه على رقبته ضرباً شديداً، حتى إن يد شيخ الإسلام أوجعته من الضرب .فتكلم الجني الذي في الرجل وقال له: أخرج كرامة للشيخ، فقال له الشيخ رحمه الله: لا تخرج كرامة لي ولكن أخرج طاعة لله ولرسوله. لا يريد أن يكون له فضل ، بل الفضل لله عز وجل أولاً وآخرا. فخرج الجني. فلما خرج الجني استيقظ الرجل فقال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ لأنه حينما صرع يمكن أنه كان في بيته أو سوقه، قال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ فقالوا: سبحان الله! ألم تحس بالضرب الذي كان يضربك؟ قال: ما أحسست به ولا أوجعني.فأخبروه ، فبريء الرجل!
الشاهد أن أهل العلم والإيمان لا ينسبون نعمة الله إليهم، وإنما ينسبونها إلي موليها عز وجل وهو الله.
وقال له: (( فإن أنت آمنت دعوت الله لك)) فآمن الرجل، فدعا الغلام ربه أن يشفيه، فشفاه الله، فاصبح مبصراً.
فجاء هذا الجليس إلي الملك وجلس عنده على العادة ، فسأله الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: وأخبره بالخبر وعذبه تعذيباً شديداً، قال: من الذي علمك بهذا الشيء؟ وكان الراهب قد قال له: إنك ستبتلي، فإن ابتليت فلا تخبر عني. ولكن لعله عجز عن الصبر، فأخبر عن الراهب.
وكان هذا الملك الجبار- والعياذ بالله- لما دلوا على الراهب، جئ بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك ولكنه أبي أن يرجع عن دينه.
فأتوا بالمنشار فشذبوه من مفرق رأسه- من نصف الجسم- فبدأوا بالرأس ، ثم الرقبة، ثم الظهر حتى انقسم قسمين - شقين: سقط شق هنا وشق هنا- ولكنه لم يثنه ذلك عن دينه. أبي أن يرجع، ورضي أن يقتل هذه القتلة ولا يرجع عن دينه- ما شاء الله-!! ثم جئ بالرجل الأعمى الذي كان جليساً عند الملك وآمن بالله، وكفر بالملك ، فدعي أن يرجع عن دينه فأبي، ففعل به كما فعل بالراهب ، ولم يرده ذلك عن دينه. وهذا يدل على أن الإنسان يجب عليه أن يصبر.
ولكن هل يجب على الإنسان ان يصبر على القتل، أو يجوز أن يقول كلمة الكفر دفعا للإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان وإن شاء أصر وأبي ولو قتل، هذا إذا كان الأمر عائداً إلي الإنسان بنفسه يعني مثلاً قيل له: اسجد للصنم، فلم يسجد، فقتل، أو سجد دفعاً للإكراه ولم يقتل.
أما إذا كان الأمر يتعلق بالدين ، بمعني أنه لو كفر الكفر، بل يجب أن يصبر ولو قتل، كالجهاد في سبيل الله. المجاهد يقدم على القتل ولو قتل، لأنه يريد أن تكون كلمة الله هي العليا، فإذا كان إماماً للناس وأجبر على أن يقول كلمة الكفر فإنه لا يجوز أن يقول كلمة الكفر، لا سيما في زمن الفتنة، بل عليه أن يصبر ولو قتل.
ومثل ذلك ما وقع للإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله- حين امتحن المحنة العظيمة المشهورة، على أن يقول إن القرآن مخلوق وليس كلام الله، فأبي، فأوذي وعزر، حتى إنه يجر بالبغلة بالأسواق-أمام أهل السنة- يجر بالبغلة بالأسواق ويضرب بالسوط حتى يغشي عليهن ولكنه كلما أفاق قال: القرآن كلام ربي غير مخلوق.
وإنما لم يجز لنفسه ان يقول كلمة الكفر مع الإكراه، لأن الناس ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد، فلو قال: القرآن مخلوق، لصار كل الناس يقولون: القرآن مخلوق، وفسد الدين.
ولكنه- رضي الله عنه- جعل نفسه فداء للدين ومع هذا صبر واحتسب، وكانت العاقبة له ولله الحمد. مات الخليفة ، ومات الخليفة الثاني الذي بعده، واتي الله بخليفة صالح أكرم الإمام أحمد إكراماً عظيماً، فما مات الإمام أحمد حتى أقر الله عينه بأن يقول الحق عالياً مرتفع الصوت ، ويقول الناس الحق معه.
وخذل أعداؤه الذين كانوا يحدثون الخلفاء عليه. ولله الحمد. وهذا دليل على أن العاقبة للصابرين، وهو كذلك، والله الموفق.
لما قتل الملك الراهب، وقتل جليسه ، جئ بالغلام فطلب منه أن يرجع عن دينه إلي دين الملك، ودين الملك دين شرك؛ لأنه- والعياذ بالله - يدعو الناس إلي عبادته وتأليهه.
فأبي الغلام أن يرجع عن دينه ، فدفعه الملك إلي نفر من أصحابه0 - أي جماعة من الناس- وقال لهم: اذهبوا به إلي جبل كذا وكذا، جبل معروف عندهم شاهق رفيع، وقال لهم إذا بلغوا ذروته: فاطرحوه ، يعني علي الأرض، ليقع راس الجبل فيموت، بعد أن تعرضوا عليه ان يرجع عن دينه، فإن رجع وإلا فاطرحوه.
فلما بلغوا به قمة الجبل طلبوا منه ان يرجع عن دينه فأبي؛ لأن الإيمان قد وقر في قلبه، ولا يمكن أن يتحول أو يتزحزح، فلما هموا أن يطرحوه قال: ((( اللهم اكفنيهم بما شئت)).
دعوة مضطر مؤمن: (( اللهم اكفينهم بما شئت)) أي: بالذي تشاء، ولم يعين. فرجف الله بهم الجبل فسقطوا وهلكوا، وجاء الغلام إلي الملك فقال: ما الذي جاء بك؟ أين أصحابك؟ فقال: قد كفانيهم الله عز وجل.
ثم دفعه إلي جماعة آخرين، وأمرهم أن يركبوا البحر في قرقور- أي سفينة- فإذا بلغوا لجة البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه، فإن لم يفعل رموه في البحر. فلما توسطوا من البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه- وهو الإيمان بالله- عز وجل- فقال: لا! أبي، ثن قال: (( اللهم اكفنيهم بما شئت)) فانقلبت السفينة وغرقوا وأنجاه الله. ثم جاء إلي الملك فقال له: أين أصحابك؟ فأخبره بالخبر.
ثم قال له: إنك لست قاتلي حتى تفعل ما آمرك به! قال: وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد، كل أهل البلد تجمعهم في مكان واحد، ثم تصلبني على جذع ، ثم تأخذ سهماً من كنانتي فتضعه في كبد القوس، ثم ترميني به وتقول: بسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني!
فجمع الملك الناس في صعيد واحد، وصلب الغلام، وأخذ سهما من كنانته فوضعها في كبد القوس، ثم رماه وقال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فأصابه السهم من صدغه، فوضع يده عليه ومات، فاصبح الناس يقولون: بسم الله رب الغلام. وآمنوا بالله وكفروا بالملك. وهذا هو الذي كان يريده هذا الغلام.
ففي هذه القطعة من الحديث دليل على مسائل:
ثانياً: قوة إيمان هذا الغلام، وأنه لم يتزحزح عن إيمانه ولم يتحول .
ثانياً: فيه آية من آيات الله، حيث أكرمه الله عز وجل بقبول دعوته، فزلزل الجبل بالقوم الذين يريدون أن يطرحوه من رأس الجبل حتى سقطوا.
ثالثاً: أن الله عز وجل يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، فإذا دعا الإنسان ربه في حال ضرورة موقناً أن الله يجيبه ، فإن الله تعالي يجيبه، حتى الكفار إذا دعوا الله في حال الضرورة أجابهم الله، مع انه يعلم انهم سيرجعون إلي الكفر، إذا غشيهم موج كالظل في البحر دعوا الله مخلصين له الدين ، فإذا نجاهم أشركوا ، فينجيهم لأنهم صدقوا في الرجوع إلي الله عند دعائهم ، وهو سبحانه يجيب المضطر ولو كان كافراً.
رابعاً: أن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامة للمسلمين، فإن هذا الغلام دل الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه، وهو ان يأخذ سهماً من كنانته ويضعه في كبد القوس ويقول : باسم الله رب الغلام.
قال شيخ الإسلام: (( لأن هذا جهاد في سبيل الله، آمنت أمة وهو لم يفتقد شيئا،لأنه مات وسيموت إن آجلاً أو عاجلاً)).
فأما ما يفعله بعض الناس من الانتحار ، بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدم بها إلي الكفار ثم يفجرها إذا كان بينهم، فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله.
ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين ، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام (117).
لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام، لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مائة أو مائتين ، لم ينتفع الإسلام بذلك، فلم يسلم الناس، بخلاف قصة الغلام، فإن فيها لإسلام كثير من الناس، فكل من حضر في الصعيد اسلموا، أما أن يموت عشرة أو عشرون أو مائة أو مائتان من العدو ، فهذا لا يقتضي أن يسلم ،بل ربما يتعنت العدو أكثر ويوغر صدره هذا العمل حتى يفتك بالمسلمين اشد فتك ، كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين، فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات وقتل ستة أو سبعة أخذوا من جراء ذلك ستين نفرا أو أكثر، فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين ، ولا انتفاع للذين فجرت هذه المتفجرات في صفوفهم.
ولهذا تري ان ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار ، نري أنه قتل للنفس بغير حق، وأنه موجب لدخول النار والعياذ بالله، وان صحابه ليس بشهيد . لكن إذا فعل الإنسان هذا متأولا ظانا أنه جائز، فإننا نرجو أن يسلم من الإثم، وأما أن تكتب له الشهادة فلا؛ لأنه لم يسلك طريقة الشهادة، لكنه يسلم من الإثم لأنه متأول، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر.
في خاتمة هذا الحديث العظيم الذي فيه العبرة لمن أعتبر، فيها أن الملك الكافر الذي يدعو الناس إلي عبادته، لما آمن الناس وقالوا آمنا بالله رب الغلام، جاءه أهل الشر وأهل الحقد على الإيمان وأهله ، وقالوا له: أيها الملك إنه وقع ما كنت تحذر منه، وهو الإيمان بالله، وكان يحذر طاغياً ظالماً ، فأمر بالأخدود على أفواه السكك فخدت، الأخدود يعني خفر عميق مثل السواقي على أفواه السكك، يعني على أطراف الأزقة والشوارع ، وقال لجنوه: من جاء ولم يرجع عن دينه فأقحموه فيها؛ لأنه اضرم فيها النيران_ والعياذ بالله- فكان الناس يأتون ولكنهم لا يرتدون عن دينهم وإيمانهم، فيقحموهم في النار، فكل من لم يرجع عن دينه الحقيقي- وهو الإيمان بالله- قذفوه في النار، ولكنهم إذا قذفوهم في النار واحترقوا بها فإنهم ينتقلون من دار الغرور والبوار إلي دار النعيم والاستقرار، لأن الملائكة تتوفاهم طيبين يقولون: ) سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(النحل: من الآية32) ، ولا أعظم من هذا الصبر، أن يري الإنسان النار تتأجح فيقحتم فيها خوفا على إيمان وصرا عليه. فجاءت امرأة ومعها صبي رضيع ، فلما رأت النيران كأنها تقاعست أن تقتحتم النار هي وطفلها، فقال لها الطفل : يا أماه اصبري فإنك على الحق، يقوله وهو صغير لا يتكلم ، لكن أنطقه الله الذي أنطق كل شيء، وهو كرامة لهذه الأم ، أن الله أنطق ابنها من أجل أن تقوي على أن تقتحم النار وتبقي علي إيمانها ، لأن تكلم هذا الصبي في المهد آية عظيمة ، وقد شهد هذا الصبي بأن أمه على الحق، فصبرت واقتحمت النار، وهذا من آيات الله ، وهو دليل على أن الله تعالي )وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الزمر:61) .
ومريم بنت عمران- رضي الله عنها- خرجت من أهلها وذهبت مكانا قصيا وهي حامل بابنها عيسي الذي خلقه الله تعالي بكلمة كن فكان )فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ )(مريم: من الآية23)، يعني الطلق، فوضعت تحت جذع النخلة، وجعل الله تحتها نهرا يمشي ، فقيل لها: )وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم:25) ، رطب يقع من فرع النخلة، جنيا لم يتاثر بسقوطه على الأرض، وهذا من آيات الله، لأن من المعروف أن الرطب لو سقطت من يد الإنسان- ولو كان واقفا فقط- تمزقت، لكن هذه الرطب لم تتمرق، مع أنها تسقط من فرع النخلة. ثم عن هذه المرأة امرأة ضعيفة ماخض، لم تلد إلا الآن، ومع ذلك تهز النخلة من جذعها فتهتز النخلة، فهذا أيضا من آيات الله، لأن العادة أن النخلة لا تهتز من الجذع إلا إذا هزها أحد قوي من فرعها، فقيل لها )فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنا)(مريم: من الآية26) ، ثم أتت به قومها تحمله، هذا الطفل ، فصاحوا بها )ا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً)(مريم: من الآية27)، يعني شيئا عظيماً، لأنهم أيقنوا بأنها زنت- والعياذ بالله- كيف يأتيها ولد من دون زوج؟ )يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً) (مريم:28) ، يعني أن أبك ليس امرأ سوء، وكذلك أمك ليست بغياً، ليست بزانية، فمن آبين جاءك هذا؟ وهذا تعريض لها بالقذف،فأشارت إليه؟ يعني: اسألوه قالوا: ) كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً)(مريم: من الآية29) فظنوا أنها تسخر بهم، فأنطق الله هذا الصبي )قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) - كلام صحيح- )قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً) (30) )وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) (31)(وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً) (32)وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) (مريم:30-33).
عشر جمل نتكلم بها هذا الصبي الذي في المهد بأبلغ ما يكون من الفصاحة فأنظر إلي قدرة الله عز وجل-، حيث ينطق هؤلاء الصبيان بكلام من أفصح الكلام، بكلام يصدر من ذي عقل، كل ذلك دلالة على قدرة الله، وفيه أيضاً إنقاذ لمريم- رضي الله عنها- من التهمة التي قد تلحقها بسبب هذا الحمل بدون زوج. وهكذا أيضاً هذا الطفل مع المرأة التي تقاعست أن تقتحم النار، أكرمها الله إنطاق هذا الطفل من أجل أن تقتحم النار وتبقي عاى إيمانها. وفي هذه القصص وأمثالها دليل على أن الله- سبحانه وتعالي- برحمته ينجي كل مؤمن في مفازته، وكل متق في مفازته، يعني في موطن يكون فيه هلاكه ولكن الله تعالي ينقذه لما سبق له من التقوي، وشاهد ذلك قوله صلي الله عليه وسلم (( تعرف إلي الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) والله الموفق.
31- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: مر النبي صلي الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: (( أتقي الله واصبري)) فقالت إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ‍ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلي الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلي الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: (( إنما الصبر عند الصدمة الأولي))(118) ( متفق عليه).
وفي رواية لمسلم: (( تبكي على صبي لها)).

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: رد: باب الصبر   الجمعة أبريل 29, 2011 2:19 pm

الشرح

قال المؤلف - رحمه الله تعالي- فيما نقله عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم مر بامرأة وهي عند قبر صبي لها قد مات، وكانت تحبه حباً شديداً، فلم تملك نفسها أن تخرج إلي قبره لتبكي عنده. فلما رآها النبي صلي الله عليه وسلم أمرها بتقوى الله والصبر.
قال لها: (( اتقي الله واصبري، فقالت له: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي)) إليك عني أي: ابعد عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي.
وهذا يدل على أن المصيبة قد بلغت منها مبلغاً عظيماً،فانصرف النبي صلي الله عليه وسلم عنها.
ثم قيل لها: إن هذا رسول الله صلي الله عليه وسلم فندمت وجاءت إلي رسول الله، إلي بابه، وليس على الباب بوابون أي: ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه. فأخبرته وقالت: إنني لم أعرفك ، فقال النبي صلي الله عليه وسلم : (( إنما الصبر عند الصدمة الأولي)).
الصبر الذي يثاب عليه الإنسان هو أن يصبر عند الصدمة الأولي أول ما تصيبه المصيبة، هذا هو الصبر.
أما الصبر فيما بعد ذلك، فإن هذا قد يكون تسليا كما تتسلي البهائم. فالصبر حقيقة أن افنسان إذا صدم أول ما يصدم يصبر ويحتسب ، ويحسن ان يقول: (( إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)).
ففي هذا الحديث عدة فوائد:
أولاً: حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام ودعوته إلي الحق وإلي الخير، فإنه لما رأي هذه المرأة تبكي عند القبر أمرها بتقوى الله والصبر.
ولما قالت: (( إليك عني)) لم ينتقم لنفسه، ولم يضربها ، ولم يقمها بالقوة، لأنه عرف أنه أصابها من الحزن ما لا تستطيع أن تملك نفسها، ولهذا خرجت من بيتها لتبكي عند هذا القبر.
فإن قال قائل : أليس زيارة القبور حراما على النساء؟ قلنا بلي هي حرام على النساء ، بل هي من كبائر الذنوب !! لأن النبي عليه الصلاة والسلام (( لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج))(119).
لكن هذه لم تخرج للزيارة ، وإنما خرجت لما في قبلها من لوعة فراق هذا الصبي والحزن الشديد، لم تملك نفسها أن تأتي ؛ ولهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام ولم يقمها بالقوة، ولم يجبرها على أن ترجع إلي بيتها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان يعذر بالجهل، سواء أكان جهلاً بالحكم الشرعي أم جهلاً بالحال، فإن هذه المرأة قالت للنبي صلي الله عليه وسلم : إليك عني، أي: ابعد عني، مع أنه يأمرها بالخير والتقوي والصبر. ولكنها لم تعرف أن رسول الله صلي الله عليه وسلم فلهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام.
ومنها: أنه لا ينبغي للإنسان المسؤول عن حوائج المسلمين أن يجعل على بيته بواباً يمنع الناس إذا كان الناس يحتاجون إليه. إلا إذا كان الإنسان يخشي من كثرة الناس وإرهاق الناس وإشغال الناس عن شيء يمكنهم أن يتداركوا شغلهم في وقت آخر، فهذا لا بأس به.
وما جعل الاستئذان إلا من أجل النظر، ومن أجل أن الإنسان يتصرف في بيته في إدخال من شاء ومنع من شاء.
ومن فوائده : أن الصبر الذي يحمده فاعله هو الصبر الذي يكون عند الصدمة الأولي ويصبر الإنسان ويحتسب، ويعلم أن الله ما أخذ وله ما أعطي، وأن كل شيء عنده بأجل مسمي.
ومن فوائد هذا الحديث: أن البكاء عند القبر ينافي الصبر؛ ولهذا قال لها الرسول صلي الله عليه وسلم : (( اتقي الله واصبري)).
ويوجد من الناس من يبتلي ، فإذا مات له ميت صار يتردد على قبره ويبكي عنده، وهذا ينافي الصبر، بل نقول: إذا شئت ان تنفع الميت فادع الله وأنت في بيتك ، ولا حاجة أن تترد على القبر، لأن التردد على القبر يجعل الإنسان يتخيل هذا الميت دائما في ذهنه ولا يغيب عنه، وحينئذ لا ينسي المصيبة أبدا، مع أن الأفضل للإنسان أن يتلهى وأن ينسي المصيبة بقدر ما يستطيع . والله الموفق.

* * *

32- وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( يقول الله تعالي: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة))(120) ( رواه البخاري).


الشرح

هذا الحديث يرويه النبي صلي الله عليه وسلم عن الله، ويسمي العلماء- رحمهم الله- هذا القسم من الحديث : الحديث القدسي ؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم رواه عن الله.
قوله: ( صفيه) : الصفي : من يصطفيه الإنسان ويختاره ويري أنه ذو صلة منه قوية، من ولد، أو أخ، أو عم، أو أب، أو أم ، أو صديق، إذا أخذه الله عز وجل ثم احتسبه الإنسان فليس له جزاء إلا الجنة.
ففي هذا دليل على فضيلة الصبر على قبض الصفي من الدنيا، وأن الله عز وجل يجازي الإنسان إذا احتسب، يجازيه الجنة.
وفيه: دليل على فضل الله سبحانه وتعالي وكرمه على عباده، فإن الملك ملكه، والأمر أمره، وأنت وصفيك كلاكما لله عز وجل، ومع ذلك فإذا قبض الله صفي الإنسان واحتسب ، فإن له هذا الجزاء العظيم.
وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: الإشارة إلي أفعال الله، من قوله: (( إذا قبضت صفيه)) ولا شك أن الله سبحانه وتعالي فعال لما يريد ، ولكن يجب علينا أن نعلم أن فعل الله تعالي كله خير، لا ينسب الشر إلي الله أبداً، والشر إذا وقع فإنما يقع في المفعولات ولا يقع في الفعل.
فمثلاً إذا قدر الله على الإنسان ما يكره، فلا شك أن ما يكرهه الإنسان بالنسبة إليه شر. لكن الشر في هذا المقدر لا في تقدير الله، لأن الله تعالي لا يقدره إلا لحكمة عظيمة، إما للمقدر عليه وإما لعامة الخلق.
أحياناً تكون الحكمة خاصة في المقدر عليه، وأحياناً في الخلق على سبيل العموم.
المقدر عليه إذا قدر الله عليه شرا وصبر واحتسب نال بذلك خيراً، وإذا قدر الله عليه شرا ورجع إلي ربه بسبب هذا الأمر، لأن الإنسان إذا كان في نعمة دائماً قد ينسي شكر المنعم عز وجل ولا يلتفت إلي الله، فإذا أصيب بالضراء تذكر ورجع إلي ربه سبحانه وتعالي، ويكون في ذلك فائدة عظيمة.
أما بالنسبة للآخرين ، فإن هذا المقدر على الشخص إذا ضره قد ينتفع به الآخرون.
ولنضرب لذلك مثلا برجل عنده بيت من الطين، أرسل الله مطراً غزيراً دائماً، فإن صاحب هذا البيت يتضرر، لكن المصلحة العامة للناس مصلحة ينتفعون بها، فصار هذا شراً على شخص وخيراً للآخرين، ومع ذلك فكونه شراً لهذا الشخص أمر نسبي، إذا إنه شر من وجه لكنه خير له من وجه آخر.فيتعظ به ويعلم أن الملجأ هو الله عز وجل، لا ملجأ إلا إليه، فيستفيد من هذا فائدة أكبر مما حصل له من المضرة.
المهم أن هذا الحديث ذكره المؤلف رحمه الله في باب الصبر، لأن فيه فائدة عظيمة فيما إذا صبر الإنسان على قبض صفيه، أنه ليس له جزاء إلا الجنة. والله الموفق.

* * *


33- وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أنه كلن عذابا يبعثه الله تعالي على من يشاء، فجعله الله تعالي رحمة للمؤمنين ، فليس من عبد يقع في الطاعون، فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد))(121) ( رواه البخاري).

الشرح

نقل المؤلف رحمه الله تعالي فيما نقله من الأحاديث الواردة في الصبر حديث عائشة - رضي الله عنها- أنها سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أن الطاعون عذاب أرسله الله سبحانه وتعالي على من يشاء من عباده.
والطاعون : قيل : إنه وباء معين. وقيل: إنه كل وباء عام يحل بالأرض فيصيب اهلها ويموت الناس منه.
وسواء كان معيناً أم كل وباء عام مثل الكوليرا وغيرها؛ فإن هذه الطاعون عذاب ارسله الله عز وجل. ولكنه رحمة للمؤمنين إذا نزل بأرضه وبقي فيها صابراً محتسباً ، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، فإن الله تعالي يكتب له مثل أجر الشهيد، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه))(122).
إذا وقع الطاعون بأرض فإننا لا نقدم عليها، لأن الإقدام عليها إلقاء بالنفس إلي التهلكة، ولكنه إذا وقع في أرض فإننا لا نخرج منها فراراً منه، لأنك مهما فررت من قدر الله إذا نزل بالأرض فإن هذا الفرار لن يغني عنك من الله شيئاً، واذكر القصة التي قصها الله علينا في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. قال بعض العلماء في تفسير الآية: إنه نزل في الأرض وباء فخرجوا منها، فقال الله لهم موتوا ثم أحياهم ، ليبين لهم أنه لا مفر من قضاء الله إلا الله.
ففي حديث عائشة- رضي الله عنها- دليل على فضل الصبر والاحتساب ، وأن الإنسان إذا صبر نفسه في الأرض التي نزل فيها الطاعون ثم مات به، كتب الله له مثل أجر الشهيد.
وذلك أن الإنسان إذا نزل الطاعون في أرضه فإن الحياة غالية عند الإنسان، سوف يهرب، يخاف من الطاعون.فإذا صبر وبي واحتسب الأجر وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ثم مات به، فإنه يكتب له مثل أجر الشهيد. وهذا من نعمة الله عز وجل.

34- وعن أنس- رضي الله عنه- قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (( إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منها الجنة)9 يريد عينيه(123) ( رواه البخاري).
في هذا الحديث أخبر النبي صلي الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالي أنه قال: (( إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه)) يعني عينيه فيعمي، ثم صبر، إلا عوضه الله بهما الجنة. لأن العين محبوبة للإنسان ، فإذا أخذهما الله سبحانه وتعالي وصبر الإنسان واحتسب، فإن الله يعوضه بهما الجنة، والجنة تساوي كل الدنيا، بل قد قال النبي صلي الله عليه وسلم : (( لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها))(124) .أي مقدار متر في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ لأن ما في الآخرة باق لا يفني ولا يزول، والدنيا كلها فانية زائلة، فلهذا كانت هذه المساحة القليلة من الجنة خيراً من الدنيا وما فيها.
واعلم أن الله سبحانه وتعالي إذا قبض من الإنسان حاسه من حواسه، فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس الأخرى ما يخفف عليه ألم فقد هذه الحاسة الني فقدها.
فالأعمى يمن الله عليه بقوة الإحساس والإدراك، حتى إن بعض الناس إذا كان أعمي تجده في السوق يمشي وكأنه مبصر يحس بالمنعطفات في الأسواق، ويحس بالمنحدرات وبالمرتفعات، حتى أن بعضهم يتفق مع صاحب السيارة- سيارة الأجرة- يركب معه من أقصي البلد إلي بيته وهو يقول لصاحب السيارة: خذ ذات اليمين، وهكذا حتى يوقفه عند بابه، وصاحب السيارة لا يعرف البيت، لكن هذا يعرف البيت وهو راكب، سبحان الله! فالله عز وجل إذا اقتضت حكمته أن يفقد أحداً من عباده حاسه من الحواس، فالغالب أن الله تعالي يخلف عليه حاسة قوية وإدراكاً قويا يعوض بعض ما فاته مما أخذه الله منه. والله الموفق.


* * *

وعن عطاء بن أبى رباح قال: قال لي ابن عباس- رضي الله عنهما- ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلتك بلي، قال: هذه المرأة السوداء . أتت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فأدع الله تعالي لي قال: (( إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالي ان يعافيك)) فقالت: اصبر . فقالت: إني انكشف ، فادع الله أن لا اتكشف.فدعا لها (125) ( متفق عليه).
قوله: (( ألا أريك امرأة من أهل الجنة)) : يعرض عليه أن يريه امرأة من أهل الجنة. وذلك لأن أهل الجنة ينقسمون غلي قسمين: قسم نشهد لهم بالجنة بأوصافهم، وقسم نشهد لهم بالجنة بأعيانهم.
أما الذين نشهد لهم بالجنة بأوصافهم فكل مؤمن ، كل متق، فإننا نشهد بأنه من
أهل الجنة. كما قال الله سبحانه وتعالي في الجنة ) أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)(آل عمران: من الآية133) وقال: )إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) (7) (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (البينة:7/Cool فكل مؤمن متق يعمل الصالحات فإننا نشهد بأنه من أهل الجنة. ولكن لا نقول هو فلان وفلان، لأننا لا ندري ما يختم له، ولا ندري هل باطنه كظاهره، فلذلك لا نشهد له بعينه. فإذا مات رجل مشهود له بالخير قلنا: نرجو أن يكون من أهل الجنة، لكن لا نشهد أنه من أهل الجنة.
قسم آخر نشهد له بعينه، وهم الذين شهد لهم النبي صلي الله عليه وسلم بأنهم في
الجنة، مثل العشرة المبشرين بالجنة، وهم ابوبكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبوعبيدة عامر بن الجراح، والزبير بن العوام، رضي الله عنهم.
ومثل ثابت بن قيس بن شماس، ومثل سعد بن معاذ، ومثل عبد الله بن سلام، ومثل بلال بن رباح، وغيرهم، رضي الله عنهم، ممن عينهم الرسول عليه الصلاة والسلام، فهؤلاء نشهد لهم بأعيانهم، نقول: نشهد بأن أبا بكر في الجنة، ونشهد بأن عمر في الجنة، ونشهد بأن عثمان في الجنة، نشهد بأن عليا في الجنة، وهكذا.
ومن ذلك هذه المرأة التي قال ابن عباس لتلميذه عطاء بن أبي رباح: (( ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلي! قال: هذه المرأة السوداء)).
امرأة سوداء لا يؤبه لها في المجتمع، كانت تصرع وتنكشف، فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام وسألته أن يدعو اله لها، فقال لها (( إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، قالت : اصبر، وإن كانت تتألم وتتأذي من الصرع، لكنها صبرت من أجل أن تكون من أهل الجنة. ولكنها قالت: يا رسول الله إني أتكشف، فأدع الله أن لا أتكشف .فدعا الله أن لا تتكشف، فصارت تصرع ولا تتكشف.
والصرع- نعوذ بالله منه- نوعان:
صرع بسبب تشنج الأعصاب: وهذا مرض عضوي يمكن أن يعالج من قبل
الأطباء الماديين ، بإعطاء العقاقير التي تسكنه أو تزيله تماماً .
وقسم آخر بسبب الشياطين والجن، يتسلط الجني على الإنسي فيصرعه ويدخل
فيه، ويضرب به على الأرض ، ويغمي عليه من شدة الصرع، ولا يحس، ويتلبس الشيطان أو الجنى بنفس الإنسان ويبدأ يتكلم على لسانه، الذي يسمع الكلام يقول إن الذي يتكلم الإنسي، ولكنه الجني، ولهذا تجد في بعض كلامه الاختلاف، لا يكون ككلامه وهو مستيقظ ؛ لأنه يتغير بسبب نطق الجني.
هذا النوع من الصرع- نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه ومن غيره من الآفات - هذا النوع علاجه بالقراءة من أهل العلم والخير ، يقرأون على هذا المصروع.
فأحياناً يخاطبهم الجني ويتكلم معهم، ويبين السبب الذي جعله يصرع هذا الإنسي ، وأحياناً يتكلم.
وقد ثبت صرع الجنى للإنسي بالقرآن، والسنة ، والواقع.
ففي القرآن قال الله سبحانه: )الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ )(البقرة: من الآية275)، وهذا دليل على أن الشيطان يتخبط من المس وهو الصرع.
وفي السنة : روي الإمام أحمد في مسنده(( أن النبي صلي الله عليه وسلم كان في سفر من أسفاره، فمر بامرأة معها صبي يصرع، فأتت به إلي النبي عليه الصلاة والسلام، وخاطب الجنى وتكلم معه وخرج الجنى. فأعطت أم الصبي الرسول صلي الله عليه وسلم هدية علي ذلك))(126).
وكذلك أيضاً كان أهل العلم يخاطبون الجني في المصروع ويتكلمون معه، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله، ذكر ابن القيم(127) - وهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية - أنه جئ إلي شيخ الإسلام برجل مصروع، فجعل يقرأ عليه ويخاطبه ويقول لها : اتقي الله أخرجي- لأنها امرأة- فتقول له: أريد هذا الرجل وأحبه، فقال لها شيخ الإسلام: لكنه لا يحبك اخرجي، قالت إني أريد أن أحج به. قال هو لا يريد أن تحجي به اخرجي. فأبت ، فجعل يقرأ عليها ويضرب الرجل ضربا عظيماً، حتى إن يد شيخ الإسلام أوجعته من شدة الضرب.
فقالت الجنية: أنا أخرج كرامة للشيخ، قال: لا تخرجي كرامة لي، اخرجي طاعة لله ورسوله. فما زال بها حتى خرجت، ولما خرجت استيقظ الرجل فقال: ما الذي جاء بي إلي حضرة الشيخ؟ قالوا: سبحان الله ‍! أما أحسست بالضرب الذي كان يضربك اشد ما يكون؟ قال ما أحسست بالضرب ولا أحسست بشيء. والأمثلة علي هذا كثيرة.
هذا النوع من الصرع له علاج يدفعه ، وله علاج برفعه.
فهو نوعان:
أما دفعه: فبأن يحرص الإنسان على الأوراد الشرعية الصباحية والمسائية . وهي
معروفة في كتب أهل العلم، منها: آية الكرسي، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
ومنها سورة الإخلاص والفلق والناس، ومنها أحاديث وردت عن النبي عليه الصلاة
والسلام ، فليحرص الإنسان عليها صباحاً ومساء ، فإن ذلك من أسباب دفع أذية الجن.
وأما الرفع: فهو إذا وقع بالإنسان فإنه يقرأ عليه آيات من القرآن فيها تخويف وتحذير
وتذكير واستعاذة بالله عز وجل حتى يخرج.
الشاهد من هذا الحديث قول النبي صلي الله عليه وسلم لهذه المرأة: (( إن شئت
صبرت ولك الجنة، فقالت: اصبر)) ففي هذا دليل على فضيلة الصبر، وأنه سبب لدخول الجنة. واله الموفق.

* * *

36- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر غلي رسول الله صلي الله عليه وسلم يحكي نبينا من الأنبياء ، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فادموه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول: (( اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))(128) ( متفق عليه).

الشرح

هذا الحديث يحكي النبي صلي الله عليه وسلم فيه شيئا مما جري للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأنبياء كلفهم الله تعالي بالرسالة لأنهم اصل لها، كما قال الله تعالي: ) اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ )(الأنعام: من الآية124)، فهم أهل لها في التحمل والتبليغ والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر علي ذلك، وكان الرسل - عليهم الصلاة والسلام- يؤذنون بالقول وبالفعل، وربما بلغ الأمر إلي قتلهم ، وقد بين الله ذلك في كتابه حيث قال لنبيه صلي الله عليه وسلم : )وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (34) ( اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) أي: إن استطعت ذلك فافعل ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) ولكن لحكمة اقتضت أن يكذبوك ، حتى يتبن الحق من الباطل بعد المصارعة والمجادلة )ى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)(الأنعام: من الآية35) .
حكي نبينا صلي الله عليه وسلم عن نبي من الأنبياء أن قومه ضربوه، ولم يضربوه إلا حيث كذبوه حتى أدموا وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وهذا غاية ما يكون من الصبر، لأن الإنسان لو ضرب على شيء من الدنيا لاستشاط غضباً، وانتقم ممن ضربه، وهذا يدعو إلي الله، ولا يتخذ على دعوته أجراً، مع هذا يضربونه حتى يدموا وجهه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (( اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)).
وهذا الذي حدثنا به رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يحدثنا به عبثاً أو لأجل أن يقطع الوقت علينا بالحديث، وإنما حدثنا بذلك من أجل أن نتخذ منه عبرة نسير عليها، كما قال سبحانه وتعالي: )لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )(يوسف: من الآية111)، والعبرة من هذا أن نصبر على ما نؤذي به من قول أو فعل في سبيل الدعوة إلي الله، وأن نقول متمثلين:
هل أنت إلا إصبغ دميت وفي سبيل الله ما لقيت (129)

وأن نصبر على ما يصيبنا مما نسمعه أو ينقل إلينا مما يقا فينا بسبب الدعوة إلي الله، وأن نري أن هذا رفعة لدرجاتنا وتكفير لسيئاتنا ، فعسي أن يكون في دعوتنا خلل من نقص في الإخلاص أو من كيفية الدعوة وطريقها ، فيكون هذا الأذى الذي نسمع، يكون كفارة لما وقع منا، لأن الإنسان مهما عمل فهو ناقص لا يمكن أن يكمل عمله أبداً، إلا أن يشاء الله، فإذا أصيب وأوذي في سبيل الدعوة إلي الله فإن هذا من باب تكميل دعوته ورفعة درجته، فليصبر وليحتسب ولا ينكص علي عقبيه ، لا يقول لست بملزم، أنا اصابني الأذي، أنا تعبت، بل الواجب الصبر، والدنيا ليست طويلة! أيام ثم تزول، فاصبر حتى يأتي الله بأمره.
وفي قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( كأني انظر إلي النبي صلي الله عليه وسلم وهو يحكي لنا)) فيه دليل على أن المحدث أو المخبر يخبر بما يؤيد ضبطه للخبر والحديث. وهذا أمر شائع عند الناس، يقول: كأني أنظر إلي فلان وهو يقول لنا كذا وكذا، أي: كأني أنظر إليه الآن، وكأني اسمع كلامه الآن.
فإذا استعمل الإنسان مثل هذا الأسلوب لتثبيت ما يحدث به فله في ذلك أسوة من السلف الصالح رضي الله عنهم. والله الموفق.

* * *

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: رد: باب الصبر   الجمعة أبريل 29, 2011 2:21 pm

37- وعن أبي سعيد وابي هريرة- رضي الله عنهما- عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( ما يصيب المسلم من نصب ولا صب ، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه))(130) ( متفق عليه)، ((والوصب)) المرض
38- وعن أبي مسعود- رضي الله عنه- قال: دخلت على النبي صلي الله عليه وسلم وهو يوعك ، فقلت: يا رسول الله الله، إني توعك وعكا شديداً قال: (( أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)) قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: (( أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذي ؛ شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته، وخطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها)) (131)( متفق عليه).
و(( الوعك)) مغث الحمي، وقيل : الحمي.


الشرح

هذان الحديثان : حديث أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود - رضي الله عنهم- فيهما دليل علي أن الإنسان يكفر عنه بما يصيبه من الهم والنصب والغم وغير ذلك، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالي، يبتلي سبحانه وتعالي عبده بالمصائب وتكون تكفيراً لسيئاته وحطا لذنوبه.
والإنسان في هذه الدنيا لا يمكن أن يبقي مسروراً دائماً، بل هو يوماً يسر ويوماً يحزن، ويوماً يأتيه شيء ويوماً لا يأتيه ، فهو مصاب بمصائب في نفسه ومصائب في بدنه. ومصائب في مجتمعه ومصائب في أهله، ولا تحصي المصائب التي تصيب الإنسان، ولكن المؤمن أمره كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خير له.
فإذا أصبت بالمصيبة فلا تظن أن هذا الهم الذي يأتيك أو هذا الألم الذي يأتيك ولو كان شوكة، لا تظن أنه يذهب سدي، بل ستعوض عنه خيراً منه، ستحط عنك الذنوب كما تحط الشجرة ورقها، وهذا من نعمة الله.
وإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر والاحتساب، يعني: احتساب الأجر، كان له مع هذا أجر.
فالمصائب تكون على وجهين:
تارة إذا أصيب الإنسان تذكر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله، فيكون فيها
فائدتان: تكفير الذنوب؛ وزيادة الحسنات.
وتارة يغفل عن هذا فيضيق صدره، ويصيبه ضجر أو ما أشبه ذلك، ويغفل عن
نية احتساب الأجر والثواب على الله، فيكون في ذلك تكفير لسيئاته، إذا هو رابح على كل حال في هذه المصائب التي تأتيه.
فإما أن يربح تكفير السيئات وحط الذنوب بدون أن يحصل له أجر؛ لأنه لم ينو شيئا ولم يصبر ولم يحتسب الأجر. وإما أن يربح شيئين: تكفير السيئات، وحصول الثواب من الله عز وجل كما تقدم.
ولهذا ينبغي للإنسان إذا اصيب ولو بشوكة، فليتذكر احتساب الأجر من الله على هذه المصيبة، حتى يؤجر عليها، مع تكفيرها للذنوب.
وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالي وجوده وكرمه، حيث يبتلي المؤمن ثم يثيبه على هذه البلوى أو يكفر عنه سيئاته .
فالحمد لله رب العالمين.

* **
39-وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( من يرد الله به خيراً يصب منه))(132) ( رواه البخاري).


الشرح

قوله(( يصب)) قرئت بوجهين : بفتح الصاد( يصب) وكسرها( يصب) وكلاهما صحيح.
أما (( يصب منه)) فالمعني أن الله يقدر عليه المصائب حتى يبتليه بها: أيصبر أم يضجر . وأما (( يصب منه)) فهي أعم، أي: يصاب من الله ومن غيره.
ولكن هذا الحديث المطلق مقيد بالأحاديث الأخرى التي تدل على أن المراد: من يرد الله به خيراً فيصبر ويحتسب، فيصيب الله منه حتى يبلوه.
أما إذا لم يصبر فإنه قد يصاب الإنسان ببلايا كثيرة وليس فيه خير، ولم يرد الله به خيراً.
فالكفار يصابون بمصائب كثيرة، ومع هذا يبقون على كفرهم حتى يموتوا عليه، وهؤلاء بلا شك لم يرد بهم خيرا.
لكن المراد: من يرد الله به خيراً فيصيب منه فيصبر منه فيصبر علي هذه المصائب، فإن ذلك من الخير له، لأنه سبق أن المصائب يكفر الله بها الذنوب ويحط بها الخطايا، ومن المعلوم أن تكفير الذنوب والسيئات وحط الخطايا لا شك أنه خير للإنسان، لأن المصائب غاية ما فيها أنها مصائب دنيوية تزول بالأيام ، كما مضت الأيام خفت عليك المصيبة، لكن عذاب الآخرة باق- والعياذ بالله- فإذا كفر الله عنك بهذه المصائب صار ذلك خيراً لك.

* * *

40- وعن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي))(133) ( متفق عليه).
في هذا الحديث نهي النبي صلي الله عليه وسلم الإنسان أن يتمني الموت لضر نزل به. وذلك أن الإنسان ربما ينزل به ضر يعجز عن التحمل ويتعب؛ فيتمني الموت، يقول: يارب أمتني، سواء قال ذلك بلسانه أو بقبله. فنهي النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: (( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به)). فقد يكون هذا خيرا له.
ولكن إذا أصبت بضر فقل: اللهم أعني على الصبر عليه، حتى يعنيك الله فتصبر ، ويكون ذلك لك خيراً.
أما أن تتمنى الموت فأنت لا تدري ، ربما يكون الموت شراً عليك لا يحصل به راحة، كما قال الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء

الإنسان ربما يموت فيموت إلي عقوبة- والعياذ بالله- وإلي عذاب قبر، وإذا بقي قي الدنيا فربما يستعتب ويتوب ويرجع إلي الله فيكون خيراً له؛ فإذا نزل بك ضر فلا تتمن الموت، وإذا كان الرسول - عليه الصلاة والسلام- نهي أن يتمني الإنسان للضر الذي نزل به، فكيف بمن يقتل نفسه إذا نزل به الضر، كما يوجد من بعض الحمقي الذين إذا نزلت بهم المضائق خنقوا أنفسهم أو نحروها أو أكلوا سما أو ما اشبه ذلك، فإن هؤلاء ارتحلوا من عذاب إلي أشد منه،لم يستريحوا ، لكن- والعياذ بالله- انتقلوا من عذاب إلي أشد. لأن الذي يقتل نفسه يعذب بما قتل به نفسه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، كما جاء ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم (134) ، إن قتل نفسه بحديدة- خنجر أو سكين أو مسمار أو غير ذلك - فإنه يوم القيامة في جهنم يطعن نفسه بهذه الحديدة التي قتل بها نفسه.
وإن قتل نفسه بسم فإنه يتحساه في نار جهنم، وإن قتل نفسه بالتردي من جبل فإنه ينصب له جبل في جهنم يتردي من أبد الآبدين وهلم جرا!
فأقول : إذا كان النبي- عليه الصلاة والسلام- نهي أن يتمني الإنسان الموت للضر الذي نزل به، فإن أعظم من ذلك أن يقتل الإنسان نفسه ويبادر الله بنفسه، نسأل الله العافية.
ولكن الرسول- عليه الصلاة والسلام- لما نهي عن شيء ، كان من عادته إذا كان له بديل من المباح أن يذكر بديله من المباح كما هي طريقة القرآن، قال الله سبحانه: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ) (البقرة:104) ، فلما نهي الله عن كلمة(( راعنا)) بين لنا الكلمة المباحة، قال: (وَقُولُوا انْظُرْنَا ) .
ولما جيء للنبي- عليه الصلاة والسلام- بتمر جيد استنكره وقال: ما هذا؟(( أكل تمر خيبر هكذا؟)) قالوا: لا، والله ي رسول الله، إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( لا تفعل، لكن بع الجمع بالدراهم، ثم اتبع بالدراهم جنيباً))(135) يعني تمراً طيبا. فلما منعه بين له الوجه المباح.
هنا قال: (( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نول به، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي)).
فتح لك الباب لكنه باب سليم، لأن تمني الموت يدل على ضجر الإنسان وعدم صبره عل قضاء الله، لكن هذا الدعاء(( اللهم أحيني ما كنت الحياة خيراً وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي)) هذا الدعاء وكل الإنسان فيه أمره إلي الله، لأن الإنسان لا يعلم الغيب، فيكل الأمر إلي عالمه عز وجل (( أحيني ما علمت الحياة خير لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي)).
تمني الموت استعجال من الإنسان بأن يقطع الله حياته، وربما يحرمه من خير كثير، ربما يحرمه من التوبة وزيادة الأعمال الصالحة، ولهذا جاء في الحديث: (( ما من ميت يموت إلا ندم، فإن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون استعتب))(136) أي: استعتب من ذنبه وطلب العتبى ، وهي المعذرة.
فإن قال قائل: كيف يقول(( اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي؟)).
نقول: نعم؛ لأن الله سبحانه يعلم ما سيكون، أما الإنسان فلا يعلم، كما قال الله )قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ )(النمل: من الآية65) ) وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ )(لقمان: من الآية34) فأنت لا تدري قد تكون الحياة خيراً لك، وقد تكون الوفاة خيراً لك.
ولهذا ينبغي للإنسان إذا دعا لشخص بطول العمر أن يقيد هذا فيقول: أطال الله بقاءك على طاعته، حتى يكون في طول بقائه خير.
فإن قال قائل: إنه قد جاء تمني الموت من مريم ابنة عمران حيث قالت: ) يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً)(مريم: من الآية23) ، فكيف وقعت فيما فيه النهي؟
فالجواب عن ذلك أن نقول:
أولاً: يجب أن نعلم أن شرع من قبلنا إذا ورد شرعنا بخلافه فليس بحجة، لأن شرعنا نسخ كل ما سبقه من الأديان.
ثانياً: أن مريم لم تتمن الموت، لكنها تمنت الموت قبل هذه الفتنة ولو بقيت ألف سنة، المهم أن تموت بلا فتنة، ومثله قول يوسف عليه الصلاة والسلام (ِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)(يوسف: من الآية101) ليس معناه سؤال الله أن يتوفاه، بل هو يسأل أن يتوفاه الله علي الإسلام، وهذا لا باس به، كأن يقول: اللهم توفني على الإسلام وعلى الإيمان وعلى التوحيد والإخلاص، أو توفني وأنت راض عني وما أشبه ذلك.
فيجب معرفة الفرق بين شخص يتمني الموت من ضيق نزل به، وبين شخص يتمني الموت على صفة معينة يرضاها الله عز وجل!.
فالأول: هو الذي نهي عنه الرسول عليه الصلاة والسلام.
والثاني: جائز
وإنما نهي النبي - عليه الصلاة والسلام- عن تمني الموت لضر نزل به؛ لأن من تمني الموت لضر نزل به ليس عنده صبر، الواجب أن يصبر الإنسان علي الضر ، وأن يحتسب الأجر من الله عز وجل ، فإن الضرر الذي يصيبك من هم أو غم أو مرض أو أي شيء مكفر لسيئاتك ، فإن احتسبت الأجر كان رفعة لدرجاتك . وهذا الذي ينال الإنسان من الأذى والمرض وغيره لا يدوم ، لابد أن ينتهي ، فإذا انتهى وأنت تكسب حسنات باحتساب . الأجر على الله عز وجل ويكفر عنك من سيئاتك بسببه ؛ صار خيرا لك ، كما ثبت عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال : (( عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، وإن أصابته سراء شكر فكان خير له ))(137) ، فالمؤمن على كل حال هو خير ، في ضراء أو في سراء .

* * *
41 ـ وعن عبد الله خباب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ، فقلنا : ألا تستضر لنا ، ألا تدعو لنا ؟ فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، ما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ))(138)( رواه البخاري )
وفي رواية : (( وهو متوسد برده ، وقد لقينا من المشركين شدة ))

الشرح

حديث أبي عبد الله خباب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ يحكي ما وجده المسلمون من الأذية من كفار قريش في مكة ، فجاؤوا يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم : (( وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة )) صلوات الله وسلامه عليه . فبين النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن من كان قبلنا ابتلي في دينه أعظم مما ابتلي به هؤلاء ، يحفر له حفرة ثم يلقى فيها ، ثم يؤتي بالمنشار على مفرق رأسه ويشق ، يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه ، بأمشاط الحديد يمشط ، وهذا تعزير عظيم وأذية عظيمة .
ثم أقسم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن الله سبحانه سيتم هذا الأمر ، يعنى سيتم ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من دعوة الإسلام ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون . أي : فاصبروا وانتظروا الفرج من الله ، فإن الله سيتم هذا الأمر . وقد صار الأمر كما أقسم النبي عليه الصلاة والسلام .
ففي هذا الحديث آية من آيات الله ، حيث وقع الأمر مطابقا لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام .
وآية من آيات الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ حيث صدقه الله بما أخبر به ، وهذه شهادة له من الله بالرسالة ، كما قال الله )لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) (النساء:166) .
وفيه أيضا دليل على وجوب الصبر على أذية أعداء المسلمين . وإذا صبر الإنسان ظفر !!
فالواجب على الإنسان أن يقابل ما يحصل من أذية الكفار بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج ، ولا يظن أن الأمر ينتهي بسرعة وينتهي بسهولة ، قد يبتلي الله عز وجل المؤمنين بالكفار يؤذونهم وربما يقتلونهم ، كما قتل اليهود الأنبياء الذين هم أعظم من الدعاة وأعظم من المسلمين . فليصبر ولينتظر الفرج ولا يمل ولا يضجر ، بل يبقى راسيا كالصخرة ، والعاقبة للمتقين ، والله تعالى مع الصابرين .
فإذا صبر وثابر وسلك الطرق التي توصل إلى المقصود ولكن بدون فوضى وبدون استنفار وبدون إثارة ، ولكن بطريق منظمة ، لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على خطى ثابتة منظمة ويحصلون مقصودهم .
أما السطحيون الذين تأخذهم العواطف حتى يثوروا ويستنفروا ، فإنه قد يفوتهم شيء كثير ، وربما حصل منهم زلة تفسد كل ما بنوا ، إن كانوا قد بنوا شيئا .
لكن المؤمن يصبر ويتئد ، ويعمل بتودة ويوطن نفسه ، ويخطط تخطيطا منظما يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكفار ، ويفوت عليهم الفرص ؛ لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير ، يريدون أن يثيروهم ، حتى إن حصل من بعضهم ما يحصل حينئذ استعلوا عليهم وقالوا : هذا الذي نريد ، وحصل بذلك شر كبير .
فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال لأصحابه اصبروا ، فمن كان قبلكم ـ وأنتم أحق بالصبر منه ـ كان يعمل به هذا العمل ويصبر ، فأنتم يا أمة محمد أمة الصبر والإحسان ، اصبروا حتى يأتي الله بأمره ، والعاقبة للمتقين .
فأنت أيها الإنسان لا تسكت عن الشر ، ولكن أعمل بنظام وبتخطيط وبحسن تصرف وانتظر الفرج من الله ، ولا تمل ، فالدرب طويل ، لا سيما إذا كنت في أول الفتنة ، فإن القائمين بها سوف يحاولون ـ ما استطاعوا ـ أن يصلوا إلى قمة ما يريدون ، فاقطع عليهم السبيل ، وكن أطول منهم نفسا وأشد منهم مكرا ، فإن هؤلاء الأعداء يمكرون ، ويمكر الله ، والله خير الماكرين ، والله الموفق .
42 ـ وعن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : لما كان يوم حنين ، آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة ، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك ، وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يؤمئذ في القسمة . فقال رجل : والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله، فقلت : والله لأخبرن رسول الله النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم ، فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال : (( فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ثم قال : يرحم الله موسى ،فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً(139) (متفق عليه) .
وقوله : (( كالصرف)) هو بكسر الصاد المهملة : وهو صبغ أحمر.

الشرح

هذا الحديث الذي نقله المؤلف- رحمه الله- عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه (( لما كان غزوة حنين )) وهي غزوة الطائف التي كانت بعد فتح مكة، غزاهم الرسول صلي الله عليه وسلم وغنم منهم غنائم كثيرة جداً من إبل، وغنم، ودراهم ودنانير، ثم إن النبي صلي الله عليه وسلم نزل بالجعرانة، وهي محل عند منتهى الحرم من جهة الطائف، نزل بها
وصار صلي الله عليه وسلم يقسم الغنائم، وقسم في المؤلفة قلوبهم-أي ك في كبائر القبائل- يؤلفهم على الإسلام ، وأعطاهم عطاء كثيراًن حتى كان يعطي الواحد منهم مائة من الإبل.
فقال رجل من القوم : (( والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله)) نعوذ بالله- يقول هذا القول في قسمة قسمها رسول الله صلي الله عليه وسلم لكن حب الدنيا والشيطان يوقع الإنسان في الهلكة. نسأل الله العافية. هذه الكلمة كلمة كفر، أن ينسب الله ورسوله إلي عدم العدل، وإلي أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يرد بها وجه الله، ولا شك أن النبي صلي الله عليه وسلم أراد بهذه القسمة وجه الله ، أراد أن يؤلف كبار القبائل والعشائر من أجل أن يتقوى الإسلام ، لأن أسياد القوم إذا ألفوا الإسلام وقوي إيمانهم بذلك حصل منهم خير كثير ، وتبعهم على ذلك قبائل وعشائر ، واعتز الإسلام بهذا . ولكن الجهل ـ والعياذ بالله ـ يوقع صاحبه في الهلكة .
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما سمع هذه الكلمة تقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ورفعها إليه . أخبره بأن الرجل يقول كذا وكذا ، فتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى كان كالصرف ـ أي كالذهب ـ من صفرته وتغيره ، ثم قال : (( فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله )) وصدق النبي عليه الصلاة والسلام ! إذا كانت قسمة الله ليست عدلا ، وقسمة رسوله ليست عدلا ، فمن يعدل إذا ! ثم قال (( يرحم الله موسى ، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر )) .
والشاهد من الحديث هذه الكلمة ، وهي أن الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يؤذون ويصبرون ، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قيل له هذا الكلام بعد ثماني سنين من هجرته . يعنى ليس في أول ، بل بعد ما مكن الله له ، وبعدما عرف صدقه وبعدما أظهر الله آيات الرسول في الآفاق وفي أنفسهم ، ومع ذلك يقال : هذه القسمة لم يعدل فيها ولم يرد بها وجه الله .
فإذا كان هذا قول رجل في صحابة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ للنبي صلى الله عليه وسلم فلا تستغرب أن يقول الناس في عالم من العلماء : أن هذا العالم فيه كذا وفيه كذا ويصفونه بالعيوب ، لأن الشيطان هو الذي يؤز هؤلاء على أن يقدحوا العلماء ، لأنهم إذا قدحوا في العلماء سقطت أقوالهم عند الناس ما بقي للناس أحد يقودهم بكتاب الله . ومن يقودهم بكتاب الله إذا لم يثقوا بالعلماء وأقوالهم ؟ تقودهم الشياطين وحزب الشيطان ، ولذلك كانت غيبة العلماء أعظم بكثير من غيبة غير العلماء ، لأن غيبة غير العلماء غيبة شخصية ، إن ضرت فإنها لا تضر إلا الذي اغتاب والذي قيلت فيه الغيبة ، لكن غيبة العلماء تضر الإسلام كله ؛ لأن العلماء حملة لواء الإسلام ، فإذا سقطت الثقة بأقوالهم ؛ سقط لواء الإسلام ، وصار في هذا ضرر على الأمة الإسلامية .
فإذا كانت لحوم الناس بالغيبة لحوم ميتة ، فإن لحوم العلماء ميتة مسمومة ، لما فيها من الضرر العظيم ، فلا تستغرب إذا سمعت أحدا يسب العلماء ! وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل فيه ما قيل ، فاصبر ، واحتسب الأجر من الله عز وجل ، واعلم أن العاقبة للتقوى ، فمادام الإنسان في تقوى وعلى نور من الله عز وجل فإن العاقبة له .
وكذلك يوجد بعض الناس يكون له صديق أو قريب يخطئ مرة واحدة فيصفه بالعيب والسب والشتم ـ والعياذ بالله ـ في خطيئة واحدة .
وعلى هذا الذي وصف بالعيب أن يصبر ، وأن الأنبياء قد سبوا وأذوا وكذبوا ، وقيل إنهم مجانين ، وإنهم شعراء ، وإنهم كهنة ، وإنهم سحرة )فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا )(الأنعام: من الآية34) وهكذا يقول الله عز وجل .
ففي هذا الحديث : دليل على أن للإمام أن يعطى من يرى في عطيته المصلحة ولو أكثر من غيره ، إذا رأى في ذلك مصلحة للإسلام ، ليست مصلحة شخصية يحابي من يحب ويمنع من لا يحب ، ولكن إذا رأى في ذلك مصلحة للإسلام وزاد في العطاء ، فإن ذلك إليه وهو مسؤول أمام الله ، ولا يحل لأحد أن يعترض عليه ، فإن اعترض عليه فقد ظلم نفسه .
وفيه : أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعتبر بمن مضى من الرسل ، ولهذا قال : لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ، لأن الله تعالي يقول )لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب)(يوسف: من الآية111) ويقول (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه) ( الأنعام : 90 ) ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهدي الأنبياء قبله .
وهكذا ينبغي لنا نحن أن نقتدي بالأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ في الصبر على الأذى ، وأن نحتسب الأجر على الله ، وأن نعلم أن هذا زيادة في درجاتنا مع الاحتساب ، وتكفير لسيئاتنا . والله الموفق .
43 ـ وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة )) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء ،)ٍ وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي الله فله الرضى ، ومن سخط فله السخط ))(140)( رواه الترمذي وقال : حديث حسن .

الشرح

الأمور كلها بيد الله عز وجل وبإرادته ، لأن الله تعالى يقول عن نفسه)فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج:16) ، ويقول إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)(الحج: من الآية18) ، فكل الأمور بيد الله .
والإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب ؛ فإذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا : إما بماله ، أو بأهله ، أو بنفسه ، أو بأحد ممن يتصل به ؛ لأن العقوبة تكفر السيئات ، فإذا تعجلت العقوبة وكفر الله بها عن العبد ، فإنه يوافي الله وليس عليه ذنب ، قد طهرته المصائب والبلايا ، حتى إنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه ، حتى يخرج من الدنيا نقيا من الذنوب ، وهذه نعمة ؛ لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة .
لكن إذا أراد الله بعبده الشر أمهل له واستدرجه وأدر عليه النعم ودفع عنه النقم حتى يبطر ـ والعياذ بالله ـ ويفرح فرحا مذموما بما أنعم الله به عليه ، وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته فيعاقب بها في الآخرة ، نسأل الله العافية . فإذا رأيت شخصا يبارز الله بالعصيان وقد وقاه الله البلاء وأدر عليه النعم ، فاعلم إنما أراد به شرا ؛ لأن الله أخر عنه العقوبة حتى يوافى بها يوم القيامة .
ثم ذكر في هذا الحديث : (( إن عظم الجزاء من عظم البلاء )) يعنى أنه كلما عظم البلاء عظم الجزاء . فالبلاء السهل له أجر يسير ، والبلاء الشديد له أجر كبير ، لأن الله عز وجل ذو فضل على الناس ، إذا ابتلاهم بالشدائد أعطاهم عليها الأجر الكبير ، وإذا هانت المصائب هان الأجر .
(( وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضى ومن سخطا فله السخط )) .
وهذه ـ أيضا ـ بشرى للمؤمن ، إذا ابتلى بالمصيبة فلا يظن أن الله سبحانه يبغضه ، بل قد يكون هذا من علامة محبة الله للعبد ، يبتليه سبحانه بالمصائب ، فإذا رضي الإنسان وصبر واحتسب فله الرضى ، وإن سخط فله السخط .
وفي هذا حث على أن الإنسان يصبر على المصائب حتى يكتب له الرضى من الله عز وجل . والله الموفق .
44- وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : كان ابن لأبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ يشتكي ، فخرج أبو طلحة ، فقبض الصبي ، فلما رجع أبو طلحة قال : ما فعل ابني ؟ قالت أم سليم ـ وهي أم الصبي ـ : هو أسكن ما كان . فقربت إليه العشاء فتعشى ، ثم أصاب منها ، فلما فرغ قالت : واروا الصبي ، فلما أصبح أبو طلحة أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال (( أعرستم الليلة ؟ )) قال : نعم ، قال : (0 اللهم بارك لهما ؛ فولدت غلاما ، فقال : لي أبو طلحة : احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعث معه بتمرات ، (( أمعه شيء ؟ )) قال : نعم ، تمرات ، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها ، ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي ، ثم حنكه وسماه عبد الله(141) . ( متفق عليه ) .
وفي رواية للبخاري(142) : قال ابن عيينه : فقال رجل من الأنصار ، فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن ، يعني من أولاد عبد الله المولد .
وفي رواية لمسلم(143) : مات ابن لأبي طلحة من أم سليم ، فقالت لأهلها : لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه ، فجاء ، فقربت إليه عشاء فأكل وشرب ، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك ، فوقع بها ، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت : يا أباطلحة ، أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ، ألهم أن يمنعهم ؟ قال : لا ، فقالت : فاحتسب ابنك . قال: فغضب ، ثم قال : تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني ؟ ! فانطلق حتى أتي رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبره بما كان ، فقال رسول الله : (( بارك الله في ليلتكما )) قال : فحملت ، قال : وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم في سفر وهي معه ، وكان رسول الله ا صلي الله عليه وسلم إذا أتي المدينة من سفر لا يطرقها طروقا ، فدنوا من المدينة ، فضربها المخاض ، فاحتبس عليها أبو طلحة ، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : يقول أبو طلحة : إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج ، وأدخل معه إذا دخل ، وقد احتبست بما ترى . تقول أم سليم ؟ يا أبا طلحة ، ما أجد الذي كنت أجد ، انطلق ، فانطلقا ، وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما ، فقالت لي أمي : يا أنس ، لا يرضعه أحد حتى تغدو به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبح احتملته ، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر تمام الحديث .

الشرح

حديث انس بن مالك عن أبي طلحة أنه كان له ابن يشتكي ، يعني مريضا ، وأبو طلحة كان زوج أم أنس بن مالك رضي الله عنهم . وكان هذا الصبي يشتكي ، فخرج أبو طلحة لبعض حاجاته ، فقبض الصبي . يعني مات ، فلما رجع سأل أمه عنه فقال : كيف ابني ؟ قالت : (( هو أسكن ما يكون )) وصدقت في قولها ، هو أسكن ما يكون ؛ لأنه مات ، ولا سكون أعظم من الموت . وأبو طلحة ـ رضي الله عنه ـ فهم أنه اسكن ما يكون من المرض ، وأنه في عافية ، فقدمت له العشاء فتعشى على أن أبنه برئ وطيب . ثم أصاب منها ، يعني جامعها ، فلما انتهى قالت له : (( واروا الصبي )) أي : ادفنوا الصبي ؛ فإنه قد مات ، فلما أصبح أبو طلحة رضي الله عنه ووارى الصبي وعلم بذلك النبي صلي الله عليه وسلم ، وسأل : (( هل أعرستم الليلة )) فولدت غلاما سماه عبد الله ، وكان لهذا الولد تسعة من الولد كلهم يقرأون القرآن ببركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم .
ففي هذا الحديث : دليل على قوة صبر أم سليم ـ رضي الله عنها ـ وأن ابنها الذي مات بلغ بها الحال إلى أن تقول لزوجها هذا القول وتوري هذه التورية ، وقدمت له العشاء ، ونال منها ، ثم قالت : ادفنوا الولد .
وفي هذا دليل على جواز التورية ، يعني أن يتكلم الإنسان بكلام تخالف نيته ما في ظاهرة هذا الكلام . فله ظاهر هو المتبادر إلى ذهن المخاطب ، وله معنى آخر مرجوح ، لكن هو المراد في نية المتكلم ، فيظهر خلاف ما يريد .
وهذا جائز ، ولكنه لا ينبغي إلا للحاجة ، إذا احتاج الإنسان إليه لمصلحة أو دفع مضرة فليور ، وأما مع عدم الحاجة فلا ينبغي أن يوري ؛ لأنه إذا ورى وظهر الأمر على خلاف ما يظنه المخاطب نسب هذا الموري إلى الكذب وأساء الظن به ، لكن إذا دعت الحاجة فلا بأس .
ومن التورية المفيدة التي يحتاج إليها الإنسان : لو أن شخصا ظالما يأخذ أموال الناس بغير حق ، وأودع إنسان عندك مالا قال : هذا مالي عندك وديعة ، أخشى أن يطلع عليه هذا الظالم فيأخذه ، فجاء الظالم إليك وسألك : هل عندك مال لفلان ؟ فقلت والله ماله هندي شئ .
المخاطب يظن أن هذا نفي ، وأن المعني : ما عندي له شيء . لكن أنت تنوي ب (ما ) الذي ، أي : الذي عندي له شيء ، فيكون هذا الكلام مثبتا لا منفيا . هذا من التورية المباحة ، بل قد تكون مطلوبة إذا دعت الحاجة إليها ، وإلا ففيما عدا ذلك فلا .
وفي هذا الحديث : أن النبي صلي الله عليه وسلم لما جاء أنس بن مالك بأخيه من أمه ابن أبي طلحة جاء به إلى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ومعه تمرات ، فأخذه النبي صلي الله عليه وسلم ومضغ التمرات ، ثم جعلها في في الصبي ، يعني أدخلها فمه وحنكه ، أي : أدخل أصبعه وداره في حنكه ؛ وذلك تبركا بريق النبي عليه الصلاة والسلام ، ليكون أول ما يصل إلى بطن الصبي ريق الرسول عليه الصلاة والسلام . وكان الصحابة يفعلون هذا إذا ولد لهم أولاد ـ بنون أو بنات ـ جاءوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءوا بالتمرات معهم من أجل أن يحنكه .
وهذا التحنيك هل هو لبركة ريق النبي صلي الله عليه وسلم ؟ أو من أجل أن يصل طعم التمرات إلى معدة الصبي قبل كل شئ ؟
إن قلنا بالأول صار التحنيك من خصائص الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فلا يحنك أحد صبيا ؛ لأنه لا أحد يتبرك بريقه وعرقه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإن قلنا بالثاني : إنه من اجل التمرات ليكون هو أول ما يصل إلى معدة الصبي ؛ لأنه يكون لها بمنزلة الدباغ ، فإننا نقول : كل مولد يحنك .
وفي هذا الحديث : آية من آيات النبي صلي الله عليه وسلم حيث دعا لهذا الصبي فبارك الله فيه وفي عقبه ، وكان له كما ذكرنا تسعة من الولد ، كلهم يقرأون القرآن ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام .
وفيه : أنه يستحب تسمية بعبد الله ، فإن التسمية بهذا وبعبد الرحمن أفضل ما يكون ، قال النبي صلي الله عليه وسلم (( إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ))(144) .
وأما ما يروى أن (( خير الأسماء ما حمد وعبد ))(145) فلا أصل له ، وليس حديثا عن رسول الله صلى الله عليه سلم ، الحديث الصحيح : أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ، وأصدقها حارث وهمام ))(146) . وحارث وهمام أصدق الأسماء لأنها مطابقة للواقع ، فكل واحد من بني آدم فهو حارث يعمل ، وكل واحد من بني آدم فهو همام يهم وينوي ويقصد وله إرادة .
قال الله تعالى : )يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (الانشقاق:6) ، وكل إنسان يعمل ، فأصدق الأسماء حارث وهمام ؛ لأنه مطابق للواقع ، وأحبها إلى الله عبد الله ، وعبد الرحمن .
ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار لأبنائه وبناته أحسن الأسماء ؛ لينال بذلك الأجر ، وليكون محسنا إلى أبنائه وبناته .
أما أن تأتي بأسماء غريبة على المجتمع ، فإن هذا قد يوجب مضايقات نفسية للأبناء والبنات في المستقبل ، ويكون كل هم ينال الولد أو الابن أو البنت من هذا الاسم فعليك إثمه ووباله ؛ لأنك أنت المتسبب لمضايقته بهذا الاسم الغريب الذي يشار إليه ، ويقال ، انظر إلى هذا الاسم ، أنظر إلى هذا الاسم ‍‍‍‍‍‍!! .
ولهذا ينبغي للإنسان أن يختار أحسن الأسماء .
ويحرم أن يسمي الإنسان بأسماء من خصائص أسماء الكفار ، مثل جورج وما أشبه ذلك من الأسماء التي يتلقب بها الكفار ؛ لأن هذا من باب التشبه بهم وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم (( من تشبه بقوم فهو منهم ))(147).
ويجب علينا ـ نحن المسلمين ـ أن نكره الكفار كرها عظيما ، وأن نعاديهم ، وأن نعلم أنهم أعداء لنا مهما تزينوا لنا وتقربوا لنا ، فهم أعداؤنا حقا ، وأعداء الله عز وجل ، وأعداء الملائكة ، وأعداء الأنبياء ، وأعداء الصالحين ، فهم أعداء ولو تلبسوا بالصداقة أو زعموا أنهم أصدقاء ، فإنهم والله الأعداء ، فيجب أن نعاديهم ، ولا فرق بين الكفار الذين لهم شأن وقيمة في العالم أو الكفار الذين ليس لهم شأن ، حتى الخدم والخادمات ، يجب أن نكره أن يكون في بلدنا خادم أو خادمة من غير المسلمين ، ولا سيما وأن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم يقول (( أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب )) ويقول : (( لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما ))(148) ، ويقول في مرض موته ، في آخر حياته وهو يودع الأمة : (( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ))(149).
وبعض الناس الآن ـ نسأل الله العافية ـ يخير بين العامل مسلم وعامل كافر فيختار الكافر ! قلوب زائغة ضالة ، ليست إلى الحق مائلة ، يختارون الكفار !! يزين لهم الشيطان أعمالهم ، ويقولون كذبا وزورا وبهتانا : إن الكافر أخلص في عمله من المسلم ! أعوذ بالله ! .
يقولون : أن الكافر لا يصلى ، بل يستغل وقت الصلاة في العمل ، ولا يطلب الذهاب إلى العمرة أو الحج ، ولا يصوم ، وهو دائما في عمل .
ولا يهمهم هذا الشيء مع أن خالق الأرض والسموات يقول : ) وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ)(البقرة: من الآية221) ، فيجب عليكم أيها الإخوة أن تناصحوا إخوانكم الذين اغتروا وزين لهم الشيطان جلب الكفار إلى بلادنا خدما وعمالا وما أشبه ذلك ، يجب أن يعلموا أن في ذلك إعانة للكفار على المسلمين ؛ لأن هؤلاء الكفار يؤدون ضرائب لحكوماتهم لتقويتها على المسلمين .
والشواهد على هذا كثيرة ، فالواجب علينا أن نتجنب الكفار ، بقدر ما نستطيع ، فلا نتسمى بأسمائهم ، ولا نوادهم ، ولا نحترمهم ، ولا نبدأهم بالسلام ، ولا نفسح لهم الطريق ، لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول : (( لاتبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام ، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه ))(150) .
أين نحن من هذه التعليمات ! ؟ أين نحن من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ؟ لماذا لا نحذر إذا كثر فينا الخبث من الهلاك ؟ استيقظ النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذات ليلة محمرا وجهه فقال (( لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب )) إنذار وتحذير ، ويل للعرب حملة لواء الإسلام من شر قد اقترب (( فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها ، قالت زينب : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال نعم إذا كثر الخبث ))(151).
الخبث العملي والخبث البشري ، فإذا كثر الخبث في أعمالنا فنحن عرضة للهلاك ، وإذا كثر البشر النجس في بلادنا فنحن عرضة للهلاك ، والواقع شاهد بهذا ، نسأل الله أن يحمي بلادنا من أعدائنا الظاهرين والباطنين ، وأن يكبت المنافقين والكفار ، ويجعل كيدهم في نحورهم ، إنه جواد كريم .
قول أم سليم ـ رضي الله عنها ـ (( أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت ثم طلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم ؟ قال: لا ، فقالت فاحتسب ابنك )) يعني أن الأولاد عندنا عارية ، وهم ملك لله ـ عز وجل ـ متى شاء أخذهم ، فضربت له هذا المثل من أجل أن يقتنع ويحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى .
وهذا يدل على ذكائها ـ رضي الله عنها ـ وعلى أنها امرأة عاقلة صابرة محتسبة ، وإلا فإن الأم كالأب ينالها من الحزن على ولدها مثل ما ينال الأب ، وربما تكون أشد حزنا ؛ لضعفها وعدم صبرها .
وفي هذا الحديث بركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم حيث كان له تسعة من الولد كلهم يقرأون القرآن ، ببركة دعاء النبي صلي الله عليه وسلم .
وفيه ـ أيضا ـ كرامة لأبي طلحة رضي الله عنه ؛ لأن أبا طلحة كان قد خرج مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر وكانت معه أم سليم بعد ان حملت ، فلما رجع النبي صلي الله عليه وسلم من السفر أتاها المخاض ، أي : جاءها الطلق قبل أن يصلوا إلى المدينة ، وكان النبي صلي الله عليه وسلم : (( لا يحب أن يطرق أهله طروقا )) أي : لا يحب أن يدخل عليهم ليلا دون أن يخبرهم بالقدوم . فدعا أبو طلحة ـ رضي الله عنه ـ ربه وقال : اللهم إنك تعلم أنني أحب أن لا يخرج النبي صلي الله عليه وسلم مخرجا إلا وأنا معه ولا يرجع مرجعا إلا وأنا معه ، وقد أصابني ما ترى ـ يناجي ربه سبحانه وتعالى ـ تقول أم سليم : (( فما وجدت الذي كنت أجده من قبل )) يعني هان عليها الطلق ، ولا كأنها تطلق .
قالت أم سليم لزوجها أبي طلحة : انطلق ، فانطلق ، ودخل المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما وصلوا إلى المدينة وضعت . ففي هذا كرامة لأبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ حيث خفف الله الطلق على امرأته بدعائه ، ثم لما وضعت قالت أم سليم لابنها أنس بن مالك ـ وهو أخو هذا الحمل الذي ولد ، أخوه من أمه ـ قالت : احتمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم نمر ، فيأخذ النبي صلي الله عليه وسلم التمرة فيمضغها بفمه ثم يحنك بها الصبي ، لأن في ذلك فائدتين :
الفائدة الأولى : بركة ريق النبي صلي الله عليه وسلم وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يتبركون بريق النبي صلي الله عليه وسلم وبعرقه ، حتى كان من عادتهم أنه إذا كان في الصباح وصلى الفجر أتوا بآنية فيها ماء فغمس النبي صلي الله عليه وسلم يديه في الماء ، وعرك يديه في الماء ، فيأتي الصبيان بهذا الماء ثم ينطلقون به إلى أهليهم يتبركون بأثر النبي صلي الله عليه وسلم .
وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إذا توضأ النبي عليه الصلاة والسلام كادوا يقتتلون على وضوئه ، أي : فضل الماء ، يتبركون به ، وكذلك من عرقه وشعره .
حتى كان عند أم سلمة ـ إحدى زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام وإحدى أمهات المؤمنين ـ عندها جلجل من فضة ، أي مثل ( ( الطابوق ) فيه شعرات النبي صلي الله عليه وسلم يستشفون بها ، أي يأتون بشعرتين أو ثلاثة فيضعونه في الماء ثم يحركونها من أجل أن يتبركوا بهذا الماء(152) ، لكن هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام .
الفائدة الثانية من التمر الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحنكه الصبيان : أن التمر فيه خير وبركة ، وفيه فائدة للمعدة ، فإذا كان أول ما يصل إلى معدته من التمر كان ذلك خيرا للمعدة .
فحنكه الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ودعا له بالبركة .
والشاهد من هذا الحديث : أن أم سليم قالت لأبي طلحة : احتسب ابنك ، يعنى : أصبر على ما أصابك من فقده ، واحتسب الأجر على الله . والله الموفق .
45 ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ))(153) ( متفق عليه )
(( والصرعة )) بضم الصاد وفتح الراء ، وأصله عند العرب : من يصرع الناس كثيرا .
46 ـ وعن سليمان بن صرد ـ رضي الله عنه ـ قال : كنت جالسا مع النبي صلي الله عليه وسلم ، ورجلان يستبان ، وأحدهما قد أحمر وجهه ، وانتفخت أوداجه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد ، لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ذهب منه ما يجد )) فقالوا له : أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : (( تعوذ بالله من الشيطان الرجيم ))(154) ( متفق عليه ) .


الشرح

هذان الحديثان اللذان ذكرهما المؤلف في الغضب ، والغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم ، فيستشيط غضبا ، ويحتمي جسده ، وتنتفح أوداجه ، ويحمر وجهه ، ويتكلم بكلام لا يعقله أحيانا ، ويتصرف تصرفا لا يعقله أيضا .
ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أوصني قال : (( لا تغضب )) (2 ) .
وبين النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في حديث أبي هريرة هذا الذي ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الشديد ليس بالصرعة فقال : (( ليس الشديد بالصرعة )) أي : ليس القوي في الصرعة الذي يكثر صرع الناس فيطرحهم ويغلبهم في المصارعة ، هذا يقال عنه عند الناس إنه شديد وقوي ، لكن النبي صلي الله عليه وسلم يقول : ليس هذا الشديد حقيقة ، (( إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب )) أي : القوي حقيقة هو الذي يصرع نفسه إذا صارعته وغضب ملكها وتحكم فيها ، لأن هذه هي القوة الحقيقة ، قوة داخلية معنوية يتغلب بها الإنسان على الشيطان ، لأن الشيطان هو الذي يلقي الجمرة في قلبك من أجل أن تغضب .
ففي هذا الحديث الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب ، وأن لا يسترسل فيه ، لأنه يندم بعده ، كثيرا ما يغضب الإنسان فيطلق امرأته ، وربما تكون هذه الطلقة آخر تطليقة !
كثيرا ما يغضب الإنسان فيتلف ماله ، إما بالحرق أو بالتكسير . كثيرا ما يغضب على ابنه حتى يضربه ، وربما مات بضربه . وكذلك يغضب على زوجته مثلا فيضربها ضربا مبرحا ، وما أشبه ذلك من الأشياء الكثيرة التي تحدث للإنسان عند الغضب ؛ ولهذا نهي النبي صلي الله عليه وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان(155) لأن الغضب يمنع القاضي من تصور المسألة ، ثم من تطبيق الحكم الشرعي عليها ، فيهلك ويحكم بين الناس بغير الحق .
وكذلك ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ حديث سليمان ـ رضي الله عنه ـ في رجلين أسبا عند الرسول صلى الله عليه وسلم ، فغضب أحدهما حتى انتفخت أوداجه واحمر وجهه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد ، لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )) أعوذ بالله أي : أعتصم به .
من الشيطان الرجيم : لأن ما أصابه من الشيطان ، وعلى هذا فيقول : المشروع للإنسان إذا غضب أن يحبس نفسه وأن يصبر ، وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وأن يتوضأ ، فإن الوضوء يطفئ الغضب ، وإن كان قائما فليقعد ، وغن كان قاعدا فليضطجع ، وإن خاف خرج من المكان الذي هو فيه ، حتى لا ينفذ غضبه فيندم بعد ذلك . والله الموفق .
47 ـ وعن معاذ بن انس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كظم غيظا ، وهو قادر على أن ينفذه ، دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء ))(156) رواه أبو داود ، والترميذي وقال : حديث حسن .
48 ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني ، قال : (( لا تغضب )) فردد مرارا ، قال (( لا تغضب ))157) ( رواه البخاري ) .
49 ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة ))(158)( رواه الترميذي وقال : حديث حسن صحيح ) .

الشرح

هذه الأحاديث في باب الصبر تدل على فضيلة الصبر .
أما الحديث الأول : حديث معاذ بن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة ))
الغيظ : هو الغضب الشديد ، والإنسان الغاضب هو الذي يتصور نفسه أنه قادر على أن ينفذ ؛ لأن من لا يستطيع لا يغضب ، ولكنه يحزن ، ولهذا يوصف الله بالغضب ولا يوصف بالحزن ؛ لأن الحزن نقص ، والغضب في محله كمال ؛ فإذا اغتاظ الإنسان من شخص وهو قادر على أن يفتك به ، ولكنه ترك ذلك ابتغاء وجه الله ، وصبر على ما حصل له من أسباب الغيظ ؛ فله هذا الثواب العظيم أنه يدعى على رؤوس الخلائق يوم القيامة ويخير من أي الحور شاء .
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال : يا رسول الله ، أوصني . قال : (( لا تغضب )) فردد مررا فقال : (( لا تغضب )) فقد سبق الكلام عليه .
والحديث الثالث فهو أيضا دليل على أن الإنسان إذا صبر واحتسب الأجر عند الله كفر الله عنه سيئاته ، وإذا أصيب الإنسان ببلاء في نفسه أو ولده أو ماله ، ثم صبر على ذلك ، فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يزال يبتليه بهذا حتى لا يكون عليه خطيئة . ففيه دليل على أن المصائب في النفس والولد والمال تكون كفارة للإنسان ، حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة ، ولكن هذا إذا صبر .
أما إذا تسخط فإن من تسخط فله السخط . والله الموفق .
50 ـ وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس ، وكان من النفر الذين يدينهم عمر رضي الله عنه ، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ـ رضي الله عنه ـ ومشاورته ، كهولا كانوا أو شبابا ، فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي ، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه ، فاستأذن ، فأذن له عمر . فلما دخل قال : هيه يا ابن الخطاب ، فو الله ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم فينا بالعدل ، فغضب عمر ـ رضي الله عنه ـ حتى هم أن يوقع به ، فقال له الحر : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم )خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف:199) ، وإن هذا من الجاهلين ، والله ما جاوزها عمر حين تلاها ، وكان وقافا عند كتاب الله تعالى ))(159)( رواه البخاري ) .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: رد: باب الصبر   الجمعة أبريل 29, 2011 2:22 pm

الشرح

ما زال المؤلف ـ رحمه الله ـ يأتي بالأحاديث الدالة على الصبر وكظم الغيظ ، فذكر هذا الحديث عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أمير المؤمنين ، وثالث رجل في هذه الأمة الإسلامية ، بعد نبيها صلى الله عليه وسلم وبعد الخليفة الأول ، فعمر هو الخليفة الثاني .
وكان قد اشتهر بالعدل بين الرعية ، وبالتواضع للحق ، حتى أن المرأة ربما تذكره بالآية في كتاب الله فيقف عندها ولا يتجاوزها ، فقد قدم عليه عيينة بن حصن ـ وكان من كبار قومه ـ فقال له : هيه يا ابن الخطاب . هذه كلمة استنكار وتلوم. وقال له : إنك لا تعطينا الجزل ، ولا تحكم فينا بالعدل .
انظر إلى هذا الرجل يتكلم عن هذا الخليفة المشهور بالعدل بهذا الكلام ، مع أن عمر كما قال ابن عباس رضي الله عنه (0 كان جلساؤه القراء )) القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم جلساؤه ، سواء كانوا شيوخا أو كهولا أو شبابا ، يشاورهم ويدينهم ، وهكذا ينبغي لكل أمير أو خليفة أن يكون جلساؤه الصالحين ؛ لأنه أن قيض له جلساء غير صالحين ؛ هلك وأهلك الأمة ، وإن يسر الله له جلساء صالحين نفع الله به الأمة . فالواجب على ولي الأمر أن يختار من الجلساء أهل العلم والإيمان . وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ القراء منهم هم أهل العلم ، لأنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل .
لما قال الرجل هذا الكلام لعمر : إنك لا تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل ، غضب ـ رضي الله عنه ـ غضبا حتى كاد يوقع به ، أي : يضر به أو يبطش به .
ولكن ابن أخي عيينة الحر بن قيس قال له : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم )خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف:199) ، وإن هذا من الجاهلين .
فوقف عمر ولم يتجاوزها ؛ لأنه كان وقافا عند كتاب الله ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ فوقف ، وما ضرب الرجل وما بطش به ؛ لأجل الآية التي تليت عليه .
وانظر إلى أدب الصحابة ـ رضي الله عنهم عند كتاب الله ؛ لا يتجاوزونه ، إذا قيل لهم هذا قول الله وقفوا ، مهما كان .
فقوله تعالى ( خذ العفو ) أي : خذ ما عفا من الناس وما تيسر ، ولا تطلب حقك كله ؛ لأنه لا يحصل لك ، فخذ منهم ما عفا وسهل .
وقوله : ( وأمر بالعرف ) أي : اأمر بما عرفه الشرع وعرفه الناس ، ولا تأمر بمنكر ، ولا بغير العرف ، لأن الأمور ثلاثة أقسام :
1 ـ منكر يجب النهي عنه .
2 ـ وعرف يؤمر به .
3 ـ وما ليس بهذا ولا بهذا فإنه يسكت عنه .
ولكن على سبيل النصيحة ينبغي للإنسان ألا يقول إلا قولا فيه خير ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (0 من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خير أو ليصمت ))(160) .
وأما لقوله : ( وأعرض عن الجاهلين ) فالمعني : أن من جهل عليك وتطاول عليك فأعرض عنه لاسيما إذا كان إعراضك ليس ذلا وخنوعا .
مثل عمر بن الخطاب إعراضه ليس ذلا ولا خنوعا ، فهو قادر على أن يبطش بالرجل الذي تكلم ، لكن امتثل هذا الأمر واعرض عن الجاهلين .
والجهل له معنيان :
أحدهما: عدم العلم بالشيء .
والثاني : السفه والتطاول ، ومنه قول الشاعر الجاهلي :
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين

أي لا يسفه علينا أحد ويتطاول علينا فنكون أشد منه ، لكن هذا شعر جاهلي !! أما الأدب الإسلامي فإن الله تعالي يقول : )وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت:34) ، سبحان الله !! إنسان بينك وبينه عداوة أساء إليك ، ادفع بالتي هي أحسن ، فإذا دفعت بالتي هي أحسن ففورا يأتيك الثواب والجزاء : أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، وقوله ( ولى حميم ) أي قريب صديق في غاية ما يكون من الصداقة والقرب ، والذي يقول هو الله عز وجل مقلب القلوب ، ما من قلب من قلوب بني آدم إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يصرفه كيف يشاء
فهذا الذي كان عدوا لك ودافعته بالتي هي أحسن ، فإنه ينقلب بدل العداوة صداقة ( وكأنه ولي حميم ) .
فالحاصل أن هذه الآية الكريمة )خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف:199) ، لما تليت على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ وقف ولم يبطش بالرجل ، ولم يأخذه على جهله .
فينبغي لنا إذا حصلت مثل هذه الأمور ، كالغضب والغيظ ، أن نتذكر كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن نسير على هديهما ، حتى لا نضل ، فإن من تمسك بهدي الله فإن الله يقول : ) فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)(طـه: من الآية123) ، والله الموفق.
51 ـ وعن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها ‍قالوا : يا رسول الله ، فما تأمرنا ‍قال : تودون الحق الذي عليكم ، وتسألون الله الذي لكم ))(161) ( متفق عليه ) .
(( والأثرة )) الانفراد بالشيء عمن له فيه حق .
52 ـ وعن أبي يحي أسيد بن خضير ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا من الأنصار قال : يا رسول الله ، ألا تستعملني كما استعملت فلانا ؟ فقال (( إنكم ستلقون بعدي أثرة ، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ))(162) ( متفق عليه ) .
(( وأسيد )) بضم الهمزة . (( وحضير )) بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة ، والله أعلم .

الشرح

هذان الحديثان : حديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وحديث أسيد بن حضير ـ رضي الله عنه ـ ذكرهما المؤلف في باب الصبر لأنهما يدلان على ذلك .
أما حديث عبد الله بن مسعود فأخبر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : (( إنها ستكون بعدي أثرة ) والأثرة يعني : الاستئثار بالشيء عمن له فيه حق .
يريد بذلك صلى الله عليه وسلم أنه سيستولي على المسلمين ولاة يستأثرون بأموال المسلمين يصرفونها كما شاؤوا ويمنعون المسلمين حقهم فيها .
وهذه أثرة وظلم الولاة ، أن يستأثروا بالأموال التي للمسلمين فيها الحق ، ويستأثروا بها لأنفسهم عن المسلمين . ولكن قالوا : ما تأمرنا ؟
قال : (( تودون الحق الذي عليكم )) يعني : لا يمنعكم استئثارهم بالمال عليكم أن تمنعوا ما يجب عليكم نحوهم من السمع والطاعة وعدم الإثارة وعدم التشويش عليهم ، بل اصبروا واسمعوا وأطيعوا ولا تنازعوا الأمر الذي أعطاهم الله (( وتسألون الله الذي لكم )) أي : اسألوا الحق الذي لكم من الله ، أي : اسألوا الله أن يهديهم حتى يؤدوكم الحق الذي عليهم لكم ، وهذا من حكمة النبي صلي الله عليه وسلم ؛ فإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ علم أن النفوس شحيحة ، وأنها لن تصبر على من يستأثر عليهم بحقوقهم ، ولكنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أرشد إلى أمر قد يكون فيه الخير ، وذلك بأن نؤدي ما علينا نحوهم من السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر وغير ذلك ، ونسأل الله الذي لنا ، وذلك إذا قلنا : اللهم اهدهم حتى يعطونا حقنا ، كان في هذا خير من جهتين .
وفيه دليل على نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه أخبر بأمر وقع ، فإن الخلفاء والأمراء منذ عهد بعيد كانوا يستأثرون المال ، فنجدهم يأكلون إسرافا ، ويشربون إسرافا ، ويلبسون إسرافا ، ويسكنون ويركبون إسرافا ، وقد استأثروا بمال الناس لمصالح أنفسهم الخاصة ، ولكن هذا لا يعني أن ننزع يدا من طاعة ، أو أن ننابذهم ، بل نسأل الله الذي لنا ، ونقوم بالحق الذي علينا .
وفيه ـ أيضا ـ استعمال الحكمة في الأمور التي قد تقتضي الإثارة ، فإنه لا شك أن استئثار الولاة بالمال دون الرعية يوجب أن تثور الرعية وتطالب بحقها ، ولكن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمر بالصبر على هذا ، وأن نقوم بما يجب علينا ، ونسأل الله الذي لنا .
أما حديث أسيد بن حضير ـ رضي الله عنه ـ فهو كحديث عبد الله بن مسعود أخبر النبي صلي الله عليه وسلم (( إنها ستكون أثرة )) ولكنه قال : (( اصبروا حتى تلقوني على الحوض )) .
يعني : اصبروا ولا تنابذوا الولاة أمرهم حتى تلقوني على الحوض ، يعني أنكم إذا صبرتم فإن من جزاء الله لكم على صبركم أن يسقيكم من حوضه ، حوض النبي صلي الله عليه وسلم ، اللهم اجعلنا جميعا ممن يرده ويشرب منه .
هذا الحوض الذي يكون في يوم القيامة في مكان وزمان أحوج ما يكون الناس إليه ؛ لأنه في ذلك المكان وفي ذلك الزمان ، في يوم الآخرة ، يحصل على الناس من الهم والغم والكرب والعرق والحر ما يجعلهم في أشد الضرورة إلى الماء ، فيردون حوض النبي صلي الله عليه وسلم ، حوض عظيم طوله شهر وعرضه شهر ، يصب عليه ميزابان من الكوثر ، وهو نهر في الجنة أعطية النبي صلي الله عليه وسلم ، يصبان عليه ماء ، أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، وأطيب من رائحة المسك ، وفيه أوان كنجوم السماء في اللمعان والحسن والكثرة ، من شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبدا . اللهم اجعلنا ممن يشرب منه .
فأرشده النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى أن يصبروا ولو وجدوا الأثرة ، فإن صبرهم على ظلم الولاة من أسباب الورد على الحوض والشرب منه .
وفي هذين الحديثين : حث على الصبر على استئثار ولاة الأمور في حقوق الرعية ، ولكن يجب أن نعلم أن الناس كما يكونون يولى عليهم ، إذا أساؤوا فيما بينهم وبين الله فإن الله يسلط عليهم ولاتهم ، كما قال تعالى : ( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام:129) ، فإذا صلحت الرعية يسر الله لهم ولاة صالحين ، وإذا كانوا بالعكس كان الأمر بالعكس .
ـ ويذكر أن رجلا من الخوارج جاء إلى على بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وقال له : يا على ، ما بال الناس انتقضوا عليك ولم ينتقضوا على أبي بكر وعمر ؟
فقال له : إن رجال أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ أنا وأمثالي ، أما أنا فكان رجالي أنت وأمثالك ، أي : ممن لا خير فيه ؛ فصار سببا في تسلط الناس وتفرقهم على على بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وخروجهم عليه ، حتى قتلوه رضي الله عنه .
ـ ويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع مقالة الناس فيه ، فجمع أشراف الناس ووجهاءهم وكلمهم ـ وأظنه عبد الملك بن مروان ـ وقال لهم : أيها الناس ، أتريدون أن نكون لكم مثل أبي بكر وعمر ؟
وقالوا : نعم ! فال إذا كنتم تريدون ذلك فكونوا لنا مثل رجال أبي بكر وعمر !! فالله سبحانه وتعالى حكيم ، يولي على الناس من يكون بحسب أعمالهم ، إن أساؤوا فإنه يساء إليهم ، وإن أحسنوا أحسن إليهم .
ولكن مع ذلك لاشك أن صلاح الراعي هو الأصل ، وأنه إذا صلح الراعي صلحت ، لأن الراعي له سلطة يستطيع أن يعدل من مال ، وأن يؤدب من عال وجار . والله الموفق .
53 ـ وعن أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ، انتظر حتى مالت الشمس ، ثم قام فيهم فقال : (( يا أيها الناس ، لا تتمنوا لقاء العدو ، واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف )) .
ثم قام النبي صلي الله عليه وسلم : (( اللهم منزل الكتاب ، ومجري السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم ))(163) ( متفق عليه ) .

الشرح

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن أبي أوفى ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلي الله عليه وسلم كان في بعض غزواته ، فانتظر حتى مالت الشمس ، أي : زالت الشمس ، وذلك من أجل تقبل البرودة ويكثر الظل وينشط الناس ، فانتظر حتى مالت الشمس قام فيهم خطيبا .
وكان صلى الله عليه وسلم يخطب الناس خطبا دائمة ثابتة كخطبة يوم الجمعة النبي صلي الله عليه وسلم وخطبا عارضة إذا دعت الحاجة إليها قام فخطب ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهذه كثيرة جدا ، فقال في جملة ما قال : (( لا تتمنوا لقاء العدو )) .
أي : لا ينبغي للإنسان أن يتمنى لقاء العدو ويقول : اللهم ألقني عدوي ‍!
(( واسألوا الله العافية )) قل : اللهم عافنا .
(( فإذا لقيتموهم )) وابتليتم بذلك (( فاصبروا )) ، هذا هو الشاهد من الحديث ، أي : اصبروا على مقاتلتهم واستعينوا بالله عز وجل ، وقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا .
(( واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف )) نسأل الله من فضله !
فالجنة تحت ظلال السيوف التي يحملها المجاهد في سبيل الله ؛ لأن المجاهد في سبيل الله إذا قتل صار من أهل الجنة النبي صلي الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون( 169 ) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 169 ـ171)
والشهيد إذا قتل في سبيل الله فإنه لا يحس بالطعنة أو بالضربة ، كأنها ليست بشيء ، ما يحس إلا أن روحه تخرج من الدنيا إلى نعيم دائم أبدا ، نسألك اللهم من فضلك .
ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف )) .
وكان من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنس بن النصير ، قال : (( أني لأجد ريح الجنة دون أحد ))(164).
انظر كيف فتح الله مشامة حتى شم ريح الجنة حقيقة دون أحد ، ثم قاتل حتى قتل ـ رضي الله عنه ـ فوجد فيه بضع وثمانون ضربة ما بين سيف ، ورمح ، وسهم ، وغير ذلك ؛ فقتل شهيدا رضي الله عنه ؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : (( واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف )) .
ثم قال عليه الصلاة والسلام : (( اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، أهزمهم وانصرنا عليهم)) وهذا دعاء ينبغي للمجاهد أن يدعو به إذا لقي العدو.
فهنا توسل النبي- عليه الصلاة والسلام- بالآيات الشرعية والآيات الكونية .
توسل بإنزال الكتاب وهو القرآن الكريم، ـو يشمل كل كتاب، ويكون المراد به الجنس، أي: منزل الكتب على محمد وعلى غيره.
((ومجري السحاب )) : هذه آية كونية، فالسحاب المسخر بين السماء والأرض لا يجريه إلا الله عز وجل، لو اجتمعت الأمم كلها بجميع السماء والأرض لا يجريه إلا الله عز وجل، لو اجتمعت الأمم كلها بجميع آلاتها ومعداتها على أن تجري هذا السحاب أو أن تصرف وجهه ما استطاعت إلي ذلك سبيلاً، وإنما تجري هذا السحاب أو أن تصرف وجهه ما استطاعت إلي ذلك سبيلاً، وإنما يجزيه من إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.
((وهازم الأحزاب )): فإن الله عز وجل وحده هو الذي يهزم الأحزاب.
ومن ذلك: أن الله هزم الأحزاب في غزوة الأحزاب ،والتي قد تجمع فيها أكثر من عشرة آلاف مقاتل حول المدينة ليقاتلوا الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الله تعالي: )وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً )(الأحزاب: من الآية25) ، فأرسل عليهم ريحا وجنوداً زلزلت بهم وكفأت قدروهم وأسقطت خيامهم، وصار لا يستقر لهم قرار، ريح شديدة باردة شرقية حتى ما بقوا وانصرفوا.
قال الله عز وجل: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ )(الأحزاب: من الآية25) فالله عز وجل هو هازم الأحزاب، ليست قوة الإنسان هي التي تهزم، بل القوة سبب قد تنفع وقد لا تنفع، لكننا مأمورون بفعل السبب المباح، لكن الهازم حقيقة هو الله عز وجل.
ففي هذا الحديث عدة فوائد:
منها : أن لا يتمني الإنسان لفاء العدو، وهذا غير تمني الشهادة! تمني الشهادة جائز وليس منهيا عنه، بل قد يكون مأموراً به، أما تمني لقاء العدو، فلا تتمناه ؛ لأن الرسول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم قال: (( لا تتمنوا لقاء العدو)).
ومنها: أن يسأل الإنسان الله العافية، لأن العافية والسلامة لا يعدلها شيء، فلا تتمن الحروب ولا المقاتلة، واسأل الله العافية والنصر لدينه، ولكن إذا لقيت العدو ، فاصبر .
ومنها: أن الإنسان إذا لقي العدو فإن الواجب عليه أن يصبر، قال الله تعالي: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (45) (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (لأنفال:45/46) .
ومنها: أنه ينبغي لأمير الجيش أو السرية أن يرفق بهم، وأن لا يبدأ القتال إلا في الوقت المناسب، سواء كان مناسباً من الناحية اليومية أو من الناحية الفصلية. فمثلاً في أيام الصيف لا ينبغي أن يتحرى القتال فيه؛ لأن فيه مشقة. وفي أيام البرد الشديد لا يتحر ذلك أيضاً؛ لأن في ذلك مشقة، لكن إذا أمكن أن يكون بين بين، بأن يكون في الربيع أو في الخريف، فهذا أحسن ما يكون.
ومنها - أيضاً- أنه ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء : (( اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم ولنصرنا عليهم)) .
ومنها: الدعاء على الأعداء بالهزيمة ؛ لأنهم أعداؤك وأعداء الله، فإن الكافر ليس عدواً لك وحدك، بل هو عدو لك ولربك ولأنبيائه ولملائكته ولرسله ولكل مؤمن. فالكافر عدو لكل مؤمن. وعدو لكل رسول،وعدو لكل نبي، وعدو لكل ملك، فهو عدو ، فينبغي لك أن تسأل الله دائماً أن يخذل الأعداء من الكفار، وأن يهزمهم ، وأن ينصرنا عليهم والله الموفق.

* *

(100) أخرجه ابن ماجه، كتاب الأدب، باب فضل الحامدين، رقم (3803)، وصححه الألباني في صحيح الجامع(4727).
(101) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، رقم (251).
(102) رواه أحمد(1/293).
(103) أخرجه الطبري في تفسيره رقم (849) عند تفسير قوله تعالي: )وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) وأخرجه أبو داود ، كتاب التطوع، باب وقت قيام النبي صلي الله عليه وسلم من الليل ، رقم (1319)، واحمد في المسند(5/388) بلفظ: (( كان إذا حو به أمر صلي)) وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم (4703).
(104) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلي الله عليه وسلم (( يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه))، رقم (1284)، ومسلم ، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، رقم (923).
(105) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء ، رقم (223).
(106) تقدم تخريجه (174-175)
(107) أخرجه أحمد في المسند(2/169) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/297) : رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط . ورجال أحمد ثقات.
(108) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة ، باب الاستعفاف عن المسألة رقم (1469)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، رقم (1053).
(109) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خيرن رقم (2999).
(110) أخرجه البخاري، كتاب المغزي، باب مرض النبي صلي الله عليه وسلم ووفاته، رقم (4462).
(111) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب آخر ما تكلم به النبي صلي الله عليه وسلم رقم (4463)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عائشة رضي الله عنها رقم ( 2444).
(112) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، رقم (401) ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة، رقم (572).
(113) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا ، باب هل يدخل النساء والولد في الأوقات ، رقم ( 2753)، ومسلم، كتاب افيمان، باب في قوله تعالي: )وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) . رقم (204).
(114) أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند (2/463) والحديث في الصحيحين بلفظ: (( لا نورث، ما تركنا صدقة)) أخرجه البخاري، كتاب الفرائض، باب قول النبي صلي الله عليه وسلم : (( لا نورث، ما تركنا صدقة)) رقم (6727) ومسلم ، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي صلي الله عليه وسلم : (( لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)) رقم (1759).
(115) تقدم تخريجه (185).
(116) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق ، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام ، رقم (3005).
(117) وهو قوله صلي الله عليه وسلم (( … ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب شرب السم والدواء به، رقم ( 5778) ، مسلم، كتاب الإيمان ، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، رقم (109).
(118) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، رقم (1283) ، ومسلم، كتاب الجنائز، باب في الصبر على المصيبة عند أول الصدمة، رقم (926).
(119) أخرجه الترمذي ، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجداً، رقم (320)، والنسائي، كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخذا السرج على القبور رقم( 2043) ، وابو داود ، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، رقم (3236) وهذا الحديث حسنه الترمذي ، وحسنه أيضاً لشواهده العلامة أحمد شاكر في حاشيته على الترمذي (2/137)النبي صلي الله عليه وسلم وحسنه أيضاً لشواهده الشيخ الألباني إلا قوله: (( والسرج)) انظر الإرواء (3/313).
(120) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق ، باب العمل الذي يبتغي به وجه الله تعالي، رقم ( 6424).
(121) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب أجر الصابر في الطاعون ، رقم (5734).
(122) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، رقم (5730)
(123) أخرجه البخاري ، كتاب المرضي، باب فضل من ذهب بصره، رقم (5653).
(124) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله، رقم ( 2892).
(125) أخرجه البخاري، كتاب المرضي، باب فضل من يصرع من الريح رقم ( 5652).ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض..)) رقم (2576)
(126) أخرجه الإمام أحمد في المسند ، ( 4/170،171،172). وصحح الألباني إسناده في تعليقه على أحاديث المشكاة رقم (5922).
(127) زاد المعاد (4/68،69).
(128) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب رقم(54) رقم (3477)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير باب غزوة أحد، رقم (1792).
(129) قال ذلك النبي صلي الله عليه وسلم وقد دميت أصبعه في بعض المشاهد، أخرجه البخاري ، كتاب الجهاد، باب من ينكب أو يطعن في سبيل الله، رقم (2802) ومسلم ، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي صلي الله عليه وسلم من أذي المشركين والمنافقين، رقم (1796).
(130) أخرجه البخاري، كتاب المرضي، باب ما جاء في كفارة المرض، رقم (5641)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصبه من مرض..، رقم (2573).
(131) أخرجه البخاري، كتاب المرضي، باب أشد الناس بلاء الأنبياء، رقم (5648)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض.. رقم (2571).
(132) أخرجه البخاري، كتاب المرضي، باب ما جاء في كفارة المرض، رقم (5645)
(133) أخرجه البخاري، كتاب المرضي، باب تمني المريض الموت ، رقم ( 5671)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، رقم (2680)
(134) تقدم تخريجه(222)
(135) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، رقم (2201،2202)، ومسلم، كتاب المسافاة، باب بيع الطعام مثلاً بمثل، رقم ( 1593(95).
(136) أخرجه الترمذي ، كتاب الزهد، بال (59) رقم (2403)، والغوي في شرح السنة رقم ( 4309) قال الأرناؤوط: فيه يحيي بن عبيد الله وهو ابن عبد الله بن موهب المدني: متروك ، والحديث في ضعيف الجامع رقم (5448)
(137) اقدم تخريجه (197)
(138) أخرجه البخاري، كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ، رقم (3612).
(139) أخرجه البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي صلي الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، رقم (3150) ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام ، رقم (1062).
(140) أخرجه الترمذي ، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، رقم (2396)، وقال: حسن غريب. وهو في صحيح الجامع رقم (308)
(141) أخرجه البخاري، كتاب العقيقة، باب تسمية المولد غداه يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه، رقم (5470)، ومسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته..، رقم (2144).
(142) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة، رقم (1301)،
(143) أخرجه ميلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي طلحة رضي الله تعالي عنه، رقم (2144م).
(144) أخرجه مسلم، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم ، وبيان ما يستحب من السماء ، رقم (2132).
(145) قال محمد بن أحمد الصعدي في (( النوافح العطرة)) رقم (708) : لا يعرف.
(146) أخرجه أبو داود ، كتاب الأدب باب في تغير الأسماء ، رقم (4950)، والنسائي، كتاب الخيل، باب ما يستحب من شية الخيل، رقم (3565) والإمام أحمد في المسند ( 3/345).
(147) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، رقم (4031) والإمام أحمد في المسند (2/50) وهو في صحيح الجامع رقم ( 6025).
(148) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب إجلاء اليهود من الحجاز، رقم (1767).
(149) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب هل يستشفع إلي أهل الذمة ومعاملتهم، رقم (3053)، ومسلم ، كتاب الوصيى، باب من ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، رقم (1637).
(150) أخرج مسلم ، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، رقم (2167).
(151) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، رقم (3346)، ومسلم، كتاب الفتن، باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج، ومأجوج، رقم (2880).
(152) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب ما يذكر في الشب، رقم (5896)
(153) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، رقم (6114)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، رقم (2609).
(154) أخرجه البخاري، كتاب الأدب ، باب الحذر من الغضب، رقم (6115)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، رقم (6116).
(155) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، رقم (7158)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، رقم (1717).
(156) أخرجه أبو داود ، كتاب الأدب، باب من كظم غيظاً، رقم (4777) والترمذي ، كتاب البر والصلة، باب في كظم الغيظ، رقم (2021)، وقال: حسن غريب، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب في العلم، رقم (4186)، والإمام أحمد في المسند(3/440) وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم (6518).
157) تقدم تخريجه(271)
(158) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، رقم (2399)، والإمام أحمد (2/287-450) وقال الترمذي : حسن صحيح.
(159) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب )خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) رقم (4642).
(160) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، رقم (6108)، ومسلم، كتاب الإيمان ، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير، رقم (47).
(161) أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلي الله عليه وسلم : (( سترون بعدي أموراً تنكروها)) رقم (7052)النبي صلي الله عليه وسلم ومسلم ، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعه الخلفاء الأول فالأول، رقم (1843).
(162) أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلي الله عليه وسلم : (( سترون بعدي أموراً تنكرونها)) رقم (7057)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم ، رقم (1845).
(163) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير ، باب كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، رقم (2965،2966)، ومسلم، كتاب الجهاد والير، باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء، رقم (1742).
(164) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم (4048)، ومسلم ، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة لشهيد، رقم (1903).

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
 
باب الصبر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
امناء وأفراد الشرطة :: إسلامى :: دروس وخطب-
انتقل الى: