الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مبرووووووووووووووك
الأربعاء أبريل 03, 2013 12:17 pm من طرف Admin

»  تعديلات قانون الشرطة لعام 2012
الجمعة يونيو 22, 2012 8:11 am من طرف Admin

» وداعا 2011 !!!!!!!!!!!
الجمعة يناير 20, 2012 8:26 am من طرف Admin

» اجتماع تاسيس ائتلاف القاهرة فى 19/12/2011
الأربعاء ديسمبر 21, 2011 6:35 pm من طرف Admin

» صور التحرير ونادى عابدين
الجمعة ديسمبر 16, 2011 7:08 pm من طرف Admin

» مرحبااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
الخميس ديسمبر 15, 2011 4:00 am من طرف sherif2010

» تهنئه الى جميع الاخوه
الخميس ديسمبر 15, 2011 3:56 am من طرف sherif2010

» اعتصام 24/10/2011
الخميس أكتوبر 27, 2011 3:34 pm من طرف Admin

» أكتــــــــــــــــــــب حتى يصبح لأحرفي صوتا تنطق به..
الجمعة أكتوبر 21, 2011 8:25 pm من طرف Admin

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
Admin
 
احمد حجاج
 
ابو فارس
 
منتصر
 
علاء حسينى
 
الجينرال
 
mesbah gaber
 
sherif2010
 
رشدي المصري
 
علاء الحسينى
 
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 250 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو جمال على محمد اليرعى فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 289 مساهمة في هذا المنتدى في 152 موضوع

شاطر | 
 

 باب المراقبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: باب المراقبة   الأحد مايو 01, 2011 2:57 pm


5- باب المراقبة

قال الله تعالي: (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء:218/219) وقال الله تعالي ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ )(الحديد: من الآية4) وقال تعاليSadإِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران:5) وفال تعالي : (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر:14وقال تعالي Sadيَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر:19) ، والآيات في الباب كثيرة معلومة.

الشرح

لما ذكر المؤلف- رحمه الله - باب الصدق، وذكر الآيات والأحاديث الواردة في ذلك أعقب هذا بباب المراقبة . المراقبة لها وجهان:
الوجه الأول: أن تراقب الله عز وجل.
والوجه الثاني: أن الله تعالي رقيب عليك كما قال تعالي: ) وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً)(الأحزاب: من الآية52).
أما مراقبتك لله فأن تعلم أن الله- تعالي- يعلم كل ما تقوم به من أقوال وأفعال واعتقادات ، كما قال الله تعالي: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (217) (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء:217/219) ، يراك حين تقوم، أي: في الليل حين يقوم الإنسان في مكان خال لا يطلع عليه أحد، فالله سبحانه وتعالي يراه. حتى ولو كان في أعظم ظلمة وأحلك ظلمة؛ فإن الله تعالي يراه.
وقوله: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (الشعراء:219) أي : وأنت تتقلب في الذين يسجدون في هذه الساعة ، يعني تقلبك فيهم، أي: معهم، فإن الله- سبحانه وتعالي- يري الإنسان حين قيامه وحين سجوده.
وذكر القيام والسجود؛ لأن القيام في الصلاة أشرف من السجود بذكره، والسجود أفضل من القيام بهيئته.
أما كون القيام أفضل من السجود بذكره؟ فلأن الذكر المشروع في القيام هو قراءة القرآن، والقرآن افضل الكلام .
أما السجود فهو أشرف من القيام بهيئته؛ لأن الإنسان الساجد أقرب ما يكون من ربه عز وجل ،كما ثبت ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)).
ولهذا أمرنا أن نكثر من الدعاء في السجود، كذلك من مراقبتك لله، أ تعلم أن الله يسمعك، فأي قول تقوله؛ فإن الله تعالي يسمعك ؛ كما قال الله: )أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف:80) ، بلي: يعني نسمع ذلك.
ومع هذا فإن الذي تتكلم به - خيرا كان أم سرا، معلناً أم ميسراً- فإنه يكتب لك أو عليك؛ كما قال الله تبارك وتعالي : )مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18) فراقب هذا الأمر ، وإياك أن تخرج من لسانك قولاً تحاسب عليه يوم القيامة، اجعل دائما لسانك يقول الحق أو يصمت، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيراً أو ليصمت))(1).
الثالث: أن تراقب الله في سرك وفي قلبك، انظر ماذا في قلبك من الشرك بالله والرياء، والانحرافات، والحقد على المؤمنين،وبغضاء، وكراهية،ومحبة للكافرين ، وما اشبه ذلك من الأشياء التي لا يرضاها الله عز وجل؟
راقب قلبك، تفقده دائماً؛ فإن الله يقول: )وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه)(قّ: من الآية16) ، قبل أن ينطق به.
فراقب الله في هذه المواضع الثلاثة، في فعلك ، وفي قولك، وفي سريرتك، وفي قلبك، حتى تتم لك المراقبة، ولهذا لما سئل النبي صلي الله عليه وسلم عن الإحسان قال: (( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
اعبد الله كانك تراه ، كأنك تشاهده رأي عين، فإن لم تكن تراه فانزل إلي المرتبة الثانية: (( فإنه يراك)).
فالأول: عبادة رغبة وطمع، أن تعبد الله كأنك تراه، والثاني: عبادة رهبة وخوف، ولهذا قال: (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
فلابد أن تراقب ربك، وأن تعلم أن الله رقيب عليك، أي شيء تقوله، أو تفعله، أو تضمره في سرك فالله تعالي عليم به، وقد ذكر المؤلف- رحمه الله- من الآيات ما يدل علي هذا، فبدأ بالآية التي ذكرناها؛ وهي قوله- تعالي- لنبيه محمد النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم : )وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (217)(الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) (218) (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) (219) (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الشعراء:217-220) .
الآية الثانية التي ساقها المؤلف- رحمه الله تعالي- في باب المراقبة: قوله تعالي: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)(الحديد: من الآية4) الضمير ( هو) يعود على الله، أي: الله سبحانه وتعالي مع عباده أينما كانوا: في بر أو بحر، أو جو، أو في ظلمة، أوفي ضياء. وفي أي حال هو معكم أينما كنتم. وهذا يدل على كمال إحاطته عز وجل بنا علما وقدرة وسلطانا وتدبيرا وغير ذلك. ولا نعني أنه سبحانه وتعالي معنا في نفس المكان الذي نحن فيه؛ لأن الله فوق كل سيء، كما قال الله تعالي: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (الطالب:ـه:5) ، وقال (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)(الأنعام: من الآية18) وقال تعالي: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)(الملك: من الآية16) وقال: ( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)(البقرة: من الآية255) وقال (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (الأعلى:1)، إلي غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أنه فوق كل شيء، لكنه عز وجل ليس كمثله شيء في جميع نعوته وصفاته، وهو على دنوه، قريب في علوه جل وعلا، كما قال الله تعالي: )وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)(البقرة: من الآية186) ، ولكن يجب أن نعلم أنه ليس في الأرض، لأننا لو توهمنا هذا، لكان فيه إبطال لعلو الله سبحانه وتعالي. وأيضاً فإن الله سبحانه لا يسعه شيء من مخلوقاته: ) وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)(البقرة: من الآية255).
الكرسي محيط بالسماوات والأرض كلها ، والكرسي هو موضع قدي الرحمن عز وجل، والعرش أعظم وأعظم وأعظم، كما جاء في الحديث: (( إن السموات السبع والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض)).
حلقة كحلقة المغفر صغيرة في فلاة من الأرض، أي مكان متسع، نسبة هذه الحلقة إلي الأرض ليست بشيء.
قال : (( زإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة))(1) ، فما بالك بالخالق جل وعلا! الخالق - سبحانه وتعالي- لا يمكن أن يكون في الأرض ، لأنه - سبحانه وتعالي- أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته ) وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم)(الحديد: من الآية4).
واعلم أن المعية التي أضافها الله إلي نفسه تنقسم بحسب السياق والقرائن.فتارة يكون مقتضاها الإحاطة بالخلق علما وقدرة وسلطانا وتدبيراً وغير ذلك، مثل هذه الآية : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم) ومثل قوله تعالي: ) مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ )(المجادلة: من الآية7).
وتارة يكون المراد بها التهديد والإنذار، كما في قوله تعالي: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) (النساء:108) ، فإن هذا تهديد وإنذار لهم أن يبينوا ما لا يرضي من القول يكتمونه عن الناس، يظنون أن الله لا يعلم، والله- سبحانه - عليم بكل شيء.
وتارة يراد بها النصر والتأييد والتثبيت وما أشبه ذلك، مثل قوله تعالي: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل:128) ، وكما في قوله تعالي: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (محمد:35) ، والآيات في هذا كثيرة.
وهذا القسم الثالث من أقسام المعية تارة يضاف إلي المخلوق بالوصف، وتارة يضاف إلي المخلوق بالعين.
فقوله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل:128) ، هذا مضاف إلي المخلوق بالوصف، فأي إنسان يكون كذلك فالله معه.
وتارة يكون مضافاً إلي المخلوق بعين الشخص، مثل قوله تعالي: (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)(التوبة: من الآية40)، فهذا مضاف إلي الشخص بعينه، وهي للرسول - عليه الصلاة والسلام- وأبي بكر - رضي الله عنه- وهما في الغار، لما قال أبو بكر للرسول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم : يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلي قدميه لأبصرنا، لأن قريشاً كانت تطلب الرسول النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم وابا بكر- رضي الله عنه- بكل جد! ما من جبل إلا صعدت عليه، وما من واد إلا هبطت فيه، وما من فلاة إلا بحثت، وجعلت لمن يأتي بالرسول- عليه الصلاة والسلام- وأبي بكر مائتي بعير، مائة للرسول، ومائة لأبي بكر، وتعب الناس وهم يطلبونها، ولكن الله معها. حتى وقفوا على الغار ،يقول ابو بكر: لو نظر أحدهم إلي قدميه لأبصرنا، فيقول له الرسول عليه الصلاة والسلام : (( لا تحزن إن الله معنا ، فما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ))
والله ظننا لا يغلبهما أحد ، ولا يقدر عليهما أحد . وفعلا هذا الذي حصل ؛ ما رأوهما عدم المانع ، فلم هناك عش كما يقولون ولا حمامة وقعت على الغار ، ولا شجرة نبتت على فم الغار ، وما كان إلا عناية الله عز وجل ؛ لأن الله معهما .
وكما في قوله ـ سبحانه ـ لموسى وهارون ، لما أمر الله موسى وأرسله إلى فرعون هو وهارون : (قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) (45) (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طـه 45،46) .
الله أكبر : ( إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) إذا كان الله معهما هل يمكن أن يضرهما فرعون وجنوده ؟ لا يمكن ، فهذه معية خاصة مقيدة بالعين : (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) .
المهم أنه يجب علينا أن نؤمن بأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ مع الخلق ، لكنه فوق عرشه ولا يساميه أحد في صفاته ، ولا يدانيه أحد في صفاته ، ولا يمكن أن تورد على ذهنك أو على غيرك كيف يكون الله معنا وهو في السماء ؟
نقول : الله ـ عز وجل ـ لا يقاس بخلقه ، مع أن العلو والمعية لا منافاة بينهما حتى في المخلوق . فلو سألنا سائل : اين موضع القمر ؟ لقلنا : في السماء ، كما قال الله : ( وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً )(نوح: 16) ، وإذا قال : أين موضع النجوم ؟ قلنا في السماء ، واللغة العربية يقول المتكلمون فيها : ما زلنا نسير والقمر معنا ، وما زلنا نسير القمر والنجم معنا ! مع ان القمر في السماء والنجم في السماء ، لكن هو معنا ، لأنه ما غاب عنا . فالله ـ تعالى ـ وهو على عرشه ـ سبحانه ـ فوق جميع الخلق .
وتقتضي هذه الآية بالنسبة للأمر المسلكي المنهجي بأنك إذا آمنت بأن الله معك ، فإنك تتقيه وتراقبه ؛ لأنه لا يخفى عليه ـ عز وجل ـ حالك مهما كنت ، لو كنت في بيت مظلم ليس فيه أحد ولا حولك أحد فإن الله تعالى معك ، لكن ليس في نفس المكان ، وإنما محيط بك ـ عز وجل ـ لا يخفى عليه شيء من أمرك . فتراقب الله ، وتخاف الله ، وتقوم بطاعته ، وتترك مناهيه . والله الموفق . )إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ... )
الآية الثالثة التي ساقها المؤلف رحمه الله تعالى ـ في باب المراقبة قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران:5) ، (شَيْءٌ ) نكرة في سياق النفي في قوله : (لا يَخْفَى ) فتعم كل شيء ، فكل شيء لا يخفي على الله في الأرض ولا في السماء ، وقد فصل الله هذا في قوله تبارك وتعالى : ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام:59) .
قال العلماء : إذا كانت الأوراق الساقطة يعلمها ؛ فكيف بالأوراق النامية التي ينبتها ويخلقها ؛ فهو بها أعلم عز وجل .
أما قوله : ( وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ ) . (حَبَّةٍ ) : نكرة في سياق النفي المؤكد بمن . إذا يشمل كل ورقة صغيرة كانت أو كبيرة .
ولنفرض أن حبة صغيرة منغمسة في طين البحر ، فهي في خمس ظلمات:
الظلمة الأولي: ظلمة الطين المنغمسة فيه.
الثانية: ظلمة الماء في البحر.
الثالثة: ظلمة الليل.
الرابعة: ظلمة السحاب المتراكم.
الخامسة: ظلمة المطر النازل.
خمس ظلمات فوق هذه الحبة الصغيرة؛ والله عز وجل يعلمها.
وقوله: )ا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) مكتوب ، مبين، بين ، ظاهر ، معلوم عند رب العالمين عز وجل.
إذا من كان هذا سعة علمه فعلي المؤمن أن يراقب الله سبحانه وتعالي، وأن يخشاه في السر كما يخشاه في العلانية، لأن خشية الله في السر أقوي في الإخلاص، لأنه ليس عندك أحد؛ لأن خشية الله في العلانية ربما يقع في قلبك الرياء ومراءاة الناس.
فاحرص- يا أخي المسلم- على مراقبة الله- عز وجل - وأن تقوم بطاعته امتثالاً لأمره واجتنابا لنهيه، ونسأل الله العون على ذلك؛ لأن الله إذا لم يعنا، فإننا مخذولون؛ كما قال تعالي: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5) فإذا وفق العبد للهداية والاستعانة في إطار الشريعة فهذا هو الذي أنعم الله عليه.
)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (5) (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:5/6) ، لابد أن تكون العبادة في نفس هذا الصراط المستقيم، وإلا كانت ضرراً على العبد . فهذه ثلاثة أمور ، هي منهج الذين أنعم الله عليهم، ولهذا قال )اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (:6) (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (الفاتحة:6/7).
الآية الرابعة التي ذكرها المؤلف- رحمه الله تعالي- في باب المراقبة: قوله تعالي: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر:14) ، وهذه الآية ختم الله بها ما ذكره من عقوبة عاد (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) (7) (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ) (Cool (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (9) (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) 10) (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ) (11) (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) (12)(فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ)( 13) (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)( الفجر: 7-14)، فبين، عز وجل- أنه بالمرصاد لكل طاغية ، وأن كل طاغية فإن الله تعالي يقصم ظهره ويبيده ولا يبقي له باقية.
فعاد إرم ذات العماد، ذات البيوت العظيمة المبنية على العمد القوية، أعطاهم الله شديدة النبي صلي الله عليه وسلم فاستكبروا في الأرض وقالوا: من اشد منا قوة؟ ! فقال الله عز وجل : )ð أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة)(فصلت: من الآية15)، فبين الله - عز وجل- أنه هو اشد منهم قوة، واستدل لذلك بدليل عقلي، وهو أن الله هو الذي خلقهم، ولهذا قال: ) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ)(فصلت: من الآية15) ؛ ولم يقل: (( أو لم يروا أن الله هو اشد منهم قوة)) قال ( الَّذِي خَلَقَهُمْ) ؛ لنه من المعلوم بالعقل علما ضروريا أن الخالق اقوي من المخلوق ، فالذي خلقهم هو اشد منهم قوة : ) وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ)(فصلت: من الآية15) ، فأصابهم الله - سبحانه وتعالي - بالقحط الشديد، وأمسكت السماء ماءها فجعلوا يستقون، أي: ينتظرون أن الله يغيثهم، فأرسل الله عليهم الريح العقيم في صباح يوم من الأيام ، أقبلت ريح عظيمة تحمل من الرمال والأتربة ما صار كأنه سحاب مركوم.
)فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا )(الاحقاف: من الآية24)، حكمة من الله عز وجل، لم تأتهم الريح هكذا، وإنما جاءتهم وهم يؤملون أنها غيث ليكون وقعها اشد، شيء أقبل فظنوه ريحا تسقيهم فإذا هو ريح تدمرهم، فكون العذاب يأتي في حال يـتأمل فيها الإنسان كشف الضرر يكون أعظم وأعظم.
مثل ما لو منيت شخصاً بدراهم ثم سحبتها منه صار اشد وأعظم: )فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا )(الاحقاف: من الآية24) ، لأنهم كانون يتحدون نبيهم النبي صلي الله عليه وسلم يقولون: إن كان عندك عذاب فأت به إن كنت صادقاً، فجاءتهم ) رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ)(24) )تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ) والعياذ باللههاجت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، لأنها بدأت من الصباح وانتهت بالغروب، فصارت سبع ليال وثمانية أيام حسوماً متتابعة قاطعة لدابرهم تحسمهم حسماً، حتى إنها تحمل الواحد منهم إلي عنان السماء، ثم ترمي به، فصاروا كأنهم أعجاز نخل خاوية، أي: مثل أصول النخل الخاوية ملتوين على ظهورهم- والعياذ بالله - كهيئة السجود؛ لأنهم يريدون أن يتخلصوا من هذه الريح بعد أن تحملهم وتضرب بهم الأرض، ولكن لم ينفعهم هذا.
قال الله تعالي: )فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ) (فصلت:16) والعياذ بالله .
أما )وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (الفجر:9) ، فهم أيضاً عندهم عتو وطغيان وتحد لنبيهم ، حتى قالوا له: ) كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا )(هود: من الآية62) ، أي كنا نرجوك ونظنك عاقلاً، أما الآن فأنت سفيه؛ لأنه ما من رسول أرسل إلا قال له قومه: ساحر أو مجنون ، كما قال الله: )كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (الذريات:52) .
فانظرهم ثلاثة أيام: ) فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ)(هود: من الآية65)، فلما تمت الثلاثة- والعياذ بالله- ارتجفت بهم الأرض، وصيح بهم؛ فاصبحوا كهشيم المحتظر، أي: مثل سعف النخل إذا طالت عليه المدة صار كأنه هشيم محترق من الشمس والهواء، صاروا كهشيم المحتظر وماتوا عن آخرهم.
أما فرعون - وما أدراك ما فرعون- فهو ذلك الرجل الجبار المتكبر، الذي طغي وأنكر الله- عز وجل - وقال لموسى : ما رب العالمين؟ وقال لقومه: ما لكم من إله غيرينعوذ بالله، وقال لهامان وزيره: ) ابْنِ لِي صَرْحاً )يعني: بناء عاليا ( لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ)(36) (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) يقوله تهكما-والعياذ بالله- ( وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً)(غافر: 36،37).
وكذب في قوله: وإني لأظنه كاذبا؛ لأنه يعلم أنه صادق، كما قال الله تعالي في مناظر مع موسي، قال له موسي: ) لَقَدْ عَلِمْت) يا فرعون ) مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً)(الاسراء: من الآية102)، ما أنكر ، مقال : علمتبل سكت ، والسكوت في مقام التحدي والمناظرة يدل على الانقطاع وعدم الجواب.
وقال الله تعالي عنه وعن قومه: )وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً )(النمل: من الآية14).
فهم- والعياذ بالله- فرعون وجنوده- يعلمون أن موسي صادق، لكنهم مستكبرون جاحدون. ماذا حصل لهم؟
حصل لهم- والعياذ بالله- هزائم، أعظمها الهزيمة التي حصلت للسحرة
جمع جميع السحرة في بلاده باتفاق مع موسى- عليه الصلاة والسلام- وموسى هو الذي عين الموعد أمام فرعون، مع ان موسى أمام فرعون يعتبر ضعيفاً لولا أن الله نصره وأيده.
قال لهم موسى: ) مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً)(طـه: من الآية59)، يوم الزينة يوم العيد، لأن الناس يتزينون فيه ويلبسون الزينة. وقوله: ) وَأَنْ يُحْشَرَ )يجمع ( النَّاسُ ضُحىً) لا في الليل في الخفاء .فجمع فرعون جميع من عنده من عظماء السحرة وكبرائهم،واجتمعوا بموسى- عليه الصلاة والسلام- وألقوا حبالهم وعصيهم. الحبال معروفة، والعصا معروفة، ألقوها في الأرض فصارت الأرض كلها ثعابين- حيات - تمشي، أرهبت الناس كلهم، حتى موسى أوجف في نفسه خيفةّفأيده الله وقال له: ) لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى)(68 (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ)(طـه: 68/69).
فالقي ما في يمينه وهي العصا، عصا واحدة فقط؛ فإذا هي تلقف ما يأفكون ، كل الحبال والعصي أكلتها هذه العصا، سبحان الله العظيموأنت تعجب: أين ذهبت العصا؟ ليست كبيرة حتى تأكل كل هذا، لكن الله عز وجل على كل شيء قدير، فالتهمت الحبال والعصي، وكأن السحرة أعلم الناس بالسحر بلا شك ، فعرفوا أن الذي حصل لموسى وعصاه ليس بسحر، وأنه آية من آيات الله عز وجل، فألقي السحرة ساجدين.
وانظر إلي كلمة ( ألقي) كأن هذه السجود جاء اندفاعاً بلا شعور، ما قال: سجدواألقوا ساجدين، كأنهم من شدة ما رأوا اندفعوا بدون شعور ولا اختبار؛ حتى سجدوا مؤمنين بالله ورسوله.
(قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (47) (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) فتوعدهم فرعون واتهمهم وهو الذي جاء بهم، فقال: ( إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ )(طـه: من الآية71)، سبحان الله ! علمهم السحر وأنت الذي أتيت بهم؟! سبحان الله! لكن المكابرة تجعل المرء يتكلم بلا عقل.
قال: )لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ) أقطع اليد اليمني والرجل اليسري. ) وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى)(طـه: من الآية71)، ما الذي قالوا له؟
)قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَات) ما يمكن أن نقدمك على ما رأينا من البينات! أنت كذاب لست برب، الرب رب موسى وهارون.
)قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ )(طـه: من الآية72) انظر إلي الإيمان إذا دخل القلوب! رخصت عليهم الدنيا كلها ( فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاض) أي: افعل ما تريد ) إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) إذا قضيت علينا أن نفارق الدنيا (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) لأنه قد أكرهمم لكي يأتوا ويقابلوا موسى ( وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)(طـه: من الآية73) ، فالإيمان إذا دخل القلب، واليقين إذا دخل القلب لا يفتنه شيء، وإلا فإن السحرة جنود فرعون، كانوا في أول النهار سحرة كفرة، وفي آخر النهار مؤمنين برره، يتحدون فرعون لما دخل في قلبهم من الإيمان، فهذه هزيمة نكراء لفرعون، لكن مع ذلك ما زال في طغيانه.
وفي النهاية جمع الناس على أنه سيقضي على موسى فحرج موسى في قومه هرباً منه متجهاً بأمر الله إلي البحر الأحمر ويسمي (( بحر القلزم)) متجهاً إليه مشرقاً، فتكون مصر خلفه غرباً، فلما وصل إلي البحر وإذا فرعون بجنوده العظيمة وجحافله القوية خلفهم والبحر أمامهم، )قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) البحر أمامنا وفرعون وجنوده خلفنا، اين نفر؟ (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء:62) ، اللهم صل وسلم عليه، هكذا يقين الرسل- عليهم الصلاة والسلام- في المقامات الحرجة الصعبة، تجد عندهم من اليقين ما يجعل الأمر العسير- بل الذي يظن أنه متعذر- أمرا يسيرا سهلا (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) فلما فوض الأمر إلي الله - سبحانه وتعالي- أوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر الأحمر. فضرب البحر بعصاة ضربة واحدة فانفلق البحر اثني عشر طريقاً؛ لأن بني إسرائيل كانوا اثنتي عشرة قبيلة، اثني عشر سبطاً، والسبط بمعني القبيلة عند العرب.
فضربهن وبلحظة يبس ) فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى)(طـه: من الآية77)، فعبر موسى بقومه في أمن وأمان؛ الماء بين هذه الطرق مثل الجبال كأنه جبل واقف، الماء جوهر سيال، لكنه بأمر الله صار واقفا كالجبال.
حتى إن بعض العلماء قال: إن الله- سبحانه وتعالي - جعل في كل طود من هذه المياه، جعل فيها فرجا حتى ينظر بنو إسرائيل بعضهم إلي بعض؛ لئلا يظنوا أن أصحابهم قد غرقوا وهلكوا، من أجل أن يطمئنوا.
فلما انتهي موسى وقومه خارجين دخل فرعون وقومه، فلما تكاملوا أمر الله البحر أن يعود على حاله فانطبق عليهم، وكان بنو إسرائيل من شدة خوفهم من فرعون وقع في نفوسهم أن فرعون لم يغرق، فأظهر الله جسد فرعون على سطح الماء، قال: )فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً )(يونس: من الآية92)، حتى يشاهدوه بأعينهم، واطمانوا أن الرجل قد هلك.
فتأمل هؤلاء الأمم الثلاث الذين هم في غاية الطغيان، كيف أخذهم الله- عز وجل- وكان لهم بالمرصاد، وكيف أهلكوا بمثل ما يفتخرون به.
فقوم عاد قالوا: من اشد منا قوة؛ فأهلكوا بالريح، وهي أصلاً لطيفة وسهلة.
وقوم صالح: أهلكوا بالرجفة والصيحة.
وفرعون أهلك بالماء والغرق، وكان يفتخر بالماء، يقول لقومه: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) (51)(أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) يعني موسى( وَلا يَكَادُ يُبِينُ)(52) (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) (الزخرف:51-53) ،فأغرقه الله تعالي بالماء.
فهذه جملة ما تشير إليه هذه الآية الكريمة: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر:14) .
الآية الخامسة: قوله عز وجل: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر:19)، يعلم يعني الله عز وجل (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ) وخائنة الأعين خيانتها. فالخائنة هنا مصدر كالعاقبة والعافية وما أشبهها.
ويجوز أن تكون اسم فاعل على أنها من خان يخون؛ فيكون من باب إضافة الصفة إلي موصوفها.
على كل حال هذه مسألة نحوية ما تهم هنا، المهم أن للأعين خيانة، وذلك أن الإنسان ينظر إلي الشيء ولا تظن أنه ينظر إليه نظراً محرماً، ولكن الله عز وجل يعلم أنه ينظر نظراً محرماً.
كذلك ينظر إلي الشخص نظر كراهية، والشخص المنظور لا يدري أن هذا نظر كراهية، ولكن الله تعالي يعلم أنه ينظر نظر كراهية، كذلك ينظر الشخص إلي شيء محرم ولا يدري الإنسان الذي يري هذا الناظر أنه ينظر إلي الشيء نظر إنكار رضا، ولكن الله سبحانه هو يعلم ذلك- فهو- سبحانه وتعالي_ يعلم خائنة الأعين.
ويعلم أيضاً ما تخفي الصدور أي: القلوب؛ لأن القلوب في الصدور، والقلوب هي التي يكون بها الفهم، ويكون بها التدبير، كما قال الله: )أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)(الحج: من الآية46) ( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)(الحج: من الآية46).
سبحان الله! كأن هذه الآية تنزل على حال الناس اليوم، بل حال الناس في القديم. يعني: هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟
هذه مسألة أشكلت على كثير من النظار الذين ينظرون إلي الأمور نظرة مادية لا يرجعون فيها إلي قول الله تعالي وقول رسوله صلي الله عليه وسلم .
وإلا فالحقيقة أن الأمر فيها واضح أن العقل في القلب، وأن القلب في الصدر )أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ) وقال( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)(الحج: من الآية46) ولم يقل القلوب التي في الأدمغة قال (الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ، فالأمر فيه واضح جداً أن العقل يكون في القلب، ويؤيد هذا قول النبي صلي الله عليه وسلم . : (( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب))(1).
فما بالك بأمر شهد به كتاب الله، والله تعالي هو الخالق العالم بكل شيء، وشهدت به سنة الرسول صلي الله عليه وسلم !
إن الواجب علينا إزاء ذلك أن نطرح كل قول يخالف كتاب الله تعالي وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وأن نجعله تحت أقدامنا ، وأن لا نرفع به رأساً.
إذا: القلب هو محل العقل ولاشك، ولكن الدماغ محل التصور ، ثم إذا تصورها وجهزها بعث بها إلي القلب ، ثم القلب يأمر أو ينهي النبي صلي الله عليه وسلم فكأن الدماغ(سكرتير) يجهز الأشياء ثم يدفعها إلي القلب، ثم القلب يوجه، يأمر أو ينهي ، وهذا ليس بغريب )وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذريات:21) ، وفي هذا الجسم أشياء غريبة تحار فيها العقول، فليس بغريب أن الله- سبحانه وتعالي- يجعل التصور في الرأس ، فيتصور الدماغ وينظم الأشياء ، حتى إذا لم يبق إلا الأوامر أرسلها إلي القلب، ثم القلب يحرك، يأمر أو ينهي.
لأن النبي- عليه الصلاة والسلام- قال: (0 إذا صلحت صلح الجسد)) فلولا أن الأمر للقلب ما كان إذا صلح صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد كله.
إذاً: فالقلوب هي محل العقل والتدبير للشخص، ولكن لا شك أن لها اتصالا بالدماغ، ولهذا إذا اختل الدماغ فسد التفكير وفسد العقل! فهذا مرتبط بهذا، لكن العقل المدبر في القلب، والقلب في الصدر ) وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)(الحج: من الآية46).

* * *

60- وأما الأحاديث: فالأول : عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلي الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر، لا يري عليه ار السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلي النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلي ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد ان لا إله الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال : صدقت .فعجبنا يسأله ويصدقه! قال: أخبرني عن الإيمان قال: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت : قال فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها باعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن تري الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطق فلبتث ملياً، ثم قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم))(1) ( رواه مسلم).
ومعني (( تلد الأمة ربتها)) أي: سيدتها ومعناه: أن تكثر السراري حتى تلد الأمة السرية بنتا لسيدها، وبنت السيد في معني السيد، وقيل غير ذلك. (( والعالة)) الفقراء وقوله: (( مليا)) أي: زمان طويلاً، وكان ذلك ثلاثا.


الشرح

ذكر المؤلف - رحمه الله- حديث عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - هذا الحديث العظيم، الذي قال فيه النبي صلي الله عليه وسلم لعمر في آخره: (( أتدري من السائل)) قال: الله ورسوله أعلم. قال: (( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) إذا ديننا في هذا الحديث؛ لأنه مشتمل على كل الدين، على الإسلام، والإيمان، والإحسان.
قوله: (( بينما)) هذه ظرف تدل عل المفاجأة ، ولهذا تأتي بعدها (( إذا)) المفيدة للمفأجاة، وكان الصحابة- رضي الله عنهم- يجلسون عند النبي صلي الله عليه وسلم كثيراً، لأن الرسول - عليه الصلاة والسلام- لا يغيب عن أصحابه أو أهله:
إما في البيت: في شؤون بيته- صلوات الله وسلامه عليه- يحلب الشاة ويرقع
الثوب ويخصف النعل.
وإما مع أصحابه في المسجد، وإما ذاهبا إلي عيادة مريض، أو زيارة قريب، أو
غير ذلك من الأمور التي لا يمضي منها لحظة إلا وهو في طاعة الله عليه الصلاة والسلام، قد حفظ الوقت، وليس مثلنا نضيع الأوقات. والغريب أن أغلي شيء عند الإنسان هو الوقت، وهو أرخص شيء عند الإنسان ، قال الله: )حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) (99) (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ )(المؤمنون: 99،100)، حتى لا يضيع على الوقت. ما يقول: لعلي أتمتع في المال، أو أتمتع بالزوجة، أو أتمتع في المركوب، أو أتمتع في القصور، بل يقول: لعلي اعمل صالحا فيما تركت.
مضي على الوقت وما استفدت منه، فالوقت هو أغلي شيء ، لكن هو أرخص شيء عندنا الآن، نمضي أوقاتنا كثيرة بغير فائدة، بل نمضي أوقاتنا كثرية فيما يضر، ولست أتحدث عن رجل واحد، بل عن عموم المسلمين. اليوم- مع الأسف الشديد- أنهم في سهو ولهو وغفلة، ليسوا جادين في أمور دينهم، أكثرهم في غفلة وفي ترف، ينظرون ما يترف به أبدانهم وإن أتلفوا أديانهم. فالرسول - عليه الصلاة والسلام- كان دائما في المصالح الخاصة أو العامة ، عليه الصلاة والسلام.
فبينما الصحابة عنده جلوس، إذا طلع عليهم رجل (( شديد بياض الثياب النبي صلي الله عليه وسلم شديد سواد الشعر، لا يري عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)) وهذا غريب! ليس مسافرا حتى نقول إنه غريب عن البلد ، ولا يعرف فنقول إنه من أهل البلد.
فتعجبوا منه، ثم هذا الرجل الذي جاء نظيفاً: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، أي: شاب لا يري عليه اثر السفر، لأن المسافر- لا سيما في ذلك الوقت- يكون أشعث أغبر؛ لأنهم يمشون على الإبل ، أو على الإقدام ،والأرض غير مسفلتة، كلها غبار، لكن هذا لا يري عليه اثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فهو فريب ليس بغريب!
حتى جاء وجلس إلي النبي- عليه الصلاة والسلام- وهذا الرجل هو جبريل- عليه الصلاة والسلام- أحد الملائكة العظام، بل هو أفضل الملائكة فيما نعلم؛ لشرف عمله؛ لأنه يقوم بحمل الوحي من الله إلي الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو ملك عظيم، رآه النبي صلي الله عليه وسلم على صورته التي خلق عليها مرتين: مرة في الأرض ، ومرة في السماء.
_ مرة في الأرض وهو في غار حراء، رآه وله ستمائة جناح، قد سد الأفق - كل الأفق _ أمام الرسول - عليه الصلاة والسلام- لا يري السماء من فوق، لأن هذا الملك قد سد الأفق؛ لأنه له ستمائة جناح.
سبحان الله!! لأن الله يقول في الملائكة : ) جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ)(فاطر: من الآية1)، لهم أجنحة يطيرون بها طيراناً سريعاً.
والمرة الثانية عند سدرة المنهي. قال الله تبارك وتعالي: )إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)
(لنجم:4) (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (5) (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى) (7) (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) (Cool (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (لنجم:4/9) .
هذا في الأرض، دنا جبريل من فوق فتدلي، أي: قرب إلي محمد صلي الله عليه وسلم فأوحي إلي عبده- الرسول عليه الصلاة والسلام- ما أوحاه من وحي الله الذي حمله إياه.
أما الثانية: فقال: )وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (13) (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) (لنجم:13/14) ،
فهذا جبريل . ولكن الله جعل للملائكة قدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم الأصلية، فها هو قد جاء في صورها هذا الرجل.
قوله: (( حتى جلس إلي النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلي ركبتيه)) أي
أسند ركبتي جبريل إلي ركبتي النبي صلي الله عليه : (( ووضع كفيه علي فخذيه)) قال العلماء: وضع كفيه على فخذي نفسه، لا علي فخذي النبي صلي الله عليه وسلم ، وذلك من كمال الأدب في جلسة المتعلم أمام المعلم، بأن يجلس بأدب واستعداد لما يسمع ، واستماع لما يقال من الحديث.
جلس هذه الجلسة ثم قال: (( يا محمد أخبرني عن الإسلام)) - ولم يقل: يا رسول الله أخبرني- كصنيع أهل البادية الأعراب ؛ لأن الأعراب إذا جاؤوا إلي النبي صلي الله عليه وسلم يقولون: يا محمد.
أما الذين سمعوا أدب الله عز وجل لهم فإنهم لا يقولون : يا محمد، وإنما يقولون: يا رسول الله، لأن الله تعالي قال في كتابه: )لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)(النور: من الآية63)، وهذا يشمل دعاءه عند النداء باسمه، ويشمل دعاءه إذا أمر أو نهي، فلا نجعل أمره كأمر الناس : إن شئنا امتثلنا وإن شئنا تركنا، ولا نجعل نهيه كنهي الناس: إن شئنا تركنا وإن شئنا فعلنا.
كذلك عندما ندعوه، لا ندعوه كدعاء بعضنا بعضا فنقول: يا فلان يا فلان، مثلما تنادي صاحبك، وإنما تقول : يا رسول الله، لكن الأعراب- لبعدهم عن العلم وجهل أكثرهم- إذا جاؤوا ينادونه باسمهن فيقولون : يا محمد.
قال: (( أخبرني عن الإسلام)) أي: ما هو الإسلام ؟ قال النبي صلي الله عليه وسلم : (( أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)).
هذا الركن الأول: تشهد بلسانك نطقاً، وبقلبك إقراراً: أن لا إله إلا الله، يعني: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالي.
وألوهية الله فرع عن ربوبيته؛ لأن من تاله لله أقر بالربوبية ، إذ إن المعبود لابد أن يكون رباً، ولابد أن يكون أيضاً كامل الصفات، ولهذا تجد الذين ينكرون صفات الله- عز وجل- عندهم نقص عظيم في العبودية، لنهم يعبدون من لا شيء.
فالرب لابد أن يكون كامل الصفات، حتى يعبد بمقتضي هذه الصفات ، ولهذا قال الله تعالي: )وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )(لأعراف: من الآية180) ،(( أدعوه)) أي: تعبدوا له وتوسلوا بأسمائه إلي مطلوبكم.فالدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.
المهم أنه قال: (( أن تشهد أن لا إله إلا الله))، فلا له من الخلق، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا شمس، ولا قمر ولا سجود ولا حجر، ولا بر ، ولا بحر، ولا ولي، ولا صديق، ولا شهيد، ، ولا إله إلا الله وحده.
وهذه الكلمة أرسل الله بها جميع الرسل، فقال الله تعالي: )وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء:25) وقال تعالي: )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )(النحل: من الآية36) أي: ابتعدوا عن الشرك.
فهذه الكلمة إذا حققها الإنسان وقالها من قلبه ملتزماً بما تقضيه من الإيمان والعمل الصالح، فإنه يدخل الجنة بها، قال النبي صلي الله عليه وسلم : (( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة))(1) ، جعلنا الله وإياكم منهم.
وقوله: (( وأن محمداً رسول الله)) أي: تشهد بأن محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي رسول الله، ولم يذكر من سواه من الرسل؛ لأنه نسخ جميع الأديان كل ما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم فإنه ناسخ لما قبله من الأديان.
فكل الأديان باطلة ببعثه الرسول عليه الصلاة والسلام، فدين اليهود باطل، ودين النصاري باطل غير مقبول عند الله ؛ لقول الله تعالي: )وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85) .
يتعبون في عبادتهم التي ابتدعوها تعبا عظيماً، وينصبون نصبا عظيماً، وكل هذا هباء لا ينفعهم بشيء، لن تقبل منهم.
وقوله: (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فلو ربحوا في الدنيا ما ربحوا في الآخرة؛ لأن أديانهم باطلة، فالذين يدعون الآن من النصارى أنهم ينتسبون إلي عيسي بن مريم - عليه الصلاة والسلام- هم كذابون ، والمسيح بريء منهم، ولو جاء المسيح لقاتلهم، وسنزل في آخر الزمان ولا يقبل إلا الإسلام. فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية فلا يقبلها من أحد ، لا يقبل إلا الإسلام.
وقوله: (( وأن محمداً رسول الله))أي: إلي الخلق كافة ، كما قال الله: )تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان:1)،للعالمين كلهم.
وقال الله تعالي: )قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (لأعراف:158) ، فهو رسول إلي جميع الخلق.
وقد أقسم صلي الله عليه وسلم : (( أنه لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار))(1).
ولذلك نحن نؤمن ونعتقد بأن جميع النصارى واليهود وغيرهم من الكفرة كلهم من أصحاب النار، لأن هذه شهادة النبي عليه الصلاة والسلام، والجنة حرام عليهم، لأنهم كفرة أعداء لله تعالي ولرسله عليهم الصلاة والسلام، أعداء لإبراهيم ، ولنوح، ولمحمد، ولموسى، ولعيسى، ولجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقوله: (( أن تشهد أن لا إله إلا الله)) مع قوله: (( وأن محمداً رسول الله)) هذان جمعا شرطي العبادة، وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلي الله عليه وسلم ؛ لأن من قال : لا إله إلا الله أخلص لله، ومن شهد أن محمداً رسول الله اتبع رسول الله ولم يتبع سواه.
ولهذا عد هذان ركنا واحدا من أركان الإسلام، لأنهما يعودان إلى شئ واحد، وهو تصحيح العبادات، لان العبادات لا تصح إلا بمقتضى هاتين الشهادتين: شهادة أن لا اله إلا الله التي يكون بها الإخلاص، وان محمد رسول الله التي يكون بها الاتباع.
وقوله: (( وان محمدا رسول الله)) يجب أن تشهد بلسانك، مقرا بقلبك، أن محمدا رسول اله، أرسله إلى العالمين جميعا رحمة بالعالمين، كما قال الله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) و أن تؤمن بان خاتم النبيين، كما قال الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)(الأحزاب: من الآية40) فلا نبي بعده، ومن ادعى النبوة بعده فهو كافر كاذب، ومن صدقه فهو كافر. و يلزم من هذه الشهادة أن تتبعه في شرعيته و سنته، و أن لا تبتدع في دينه ما ليس منهن و لهذا نقول: أن أصحاب البدع الذين يبتدعون في شريعة الرسول صلى الله عليه و سلم ما ليس منها انهم لم يحققوا شهادة: شهادة أن محمدا رسول الله ! حتى و أن قالوا أننا نحبه و نعظمه، فانهم لو أحبوه تمام المحبة و عظموه تمام التعظيم ما تقدموا بين يديه، و لا ادخلوا في شريعته ما ليس منها. فالبدعة مضمونها حقيقة القد لرسول الله صلى الله عليه و سلم كأنما يقول هذا المبتدع: أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يكمل الدين و لا الشريعة، لان هناك دينا و شريعة ما جاء بها ! ثم في البدعة محذور آخر، وهو عظيم جدا، وهو انه يتضمن تكذيب قول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )(المائدة: من الآية3) لان الله تعالى إذا كان اكمل الدين، فمعناه انه لا دين بعدما جاء به الرسول عليه الصلاة و السلام، و هؤلاء المبتدعون شرعوا في دين الله ما ليس منه، من تسبيحات و تهليلات و حركات و غير ذلك، فهم في الحقيقة مكذبون لمضمون قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)(المائدة: من الآية3) و كذلك قادحون برسول الله صلى الله عليه و سلم متهمون إياه بأنه لم يكمل الشريعة للبشر، و حاشاه من ذلك. ومن شهادة أن محمدا رسول الله أن تصدقه فيما اخبره به، فكل ما صح عنه وجب عليك أن تصدق به، و أن لا تعارض هذا بعقلك و تقديراتك و تصوراتك، لأنك لو لم تؤمن لا بما صدق به عقلك لم تكن مؤمنا حقيقة، بل متبعا لهواك و لا أخذا بهداك، الذي يؤمن بالرسول عليه الصلاة و السلام_ حقا يقول فيما صح عنه من الأخبار: سمعنا و أمنا و صدقنا.إما أن يقول: كيف كذا؟ كيف يكون كذا؟ و هذا غير مؤمنا حقيقة، و لذلك يخشى على أولئك القوم الذين يحكمون عقولهم فيما اخبر به الرسول عليه الصلاة و السلام، لانهم أن كانوا لا يقبلون إلا بما شهدت به عقولهم_ و عقولهم لا شك إنها قاصرة_ فانهم لم يؤمنوا حقا برسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يشهدوا انه رسول الله صلى الله عليه و سلم على وجه الحقيقة ، عندهم من ضعف هذه الشهادة بمقدار ما عندهم من التشكك فيما اخبر به. كذلك من تحقيق شهادة: (( أن محمدا رسول الله)) إلا تغلو فيه و تنزله بمنزلة اكبر من المنزلة التي أنزله الله إياها ، مثل أولئك الذين يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه و سلم يكشف الضر، حتى انهم عند قبره يسألون النبي صلي الله عليه وسلم مباشرة أن يكشف الضر عنهم، وان يجلب النفع لهم. هذا غلو في الرسول _ عليه الصلاة والسلام _ وشرك بالله عز وجل !! لا يقدر أحد علي ذلك إلا الله سبحانه وتعالي. والنبي صلي اله عليه وسلم بعده موته لا يملك لنفسه شيئا أبدا. حتى الصحابة لما أصابهم القحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه_واستسقوا في مسجد الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ ما جاءوا إلى القبر يسألون الرسول أو يقولون ادع لنا اله أو اشفع لنا عند الله حتى ينزل الغيث. قال عمر يدعو الله : (( اللهم أنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلي ال

_________________


عدل سابقا من قبل Admin في الأحد مايو 01, 2011 3:14 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: رد: باب المراقبة   الأحد مايو 01, 2011 3:22 pm

قال عمر يدعو الله : (( اللهم أنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلي الله عليه وسلم فتسقينا، وأنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقينا))[1] ثم أمر العباس أن يقوم ويدعوا الله تعالي بإنزال الغيث. لماذا؟ لان النبي صلي الله عليه وسلم ميت لا عمل له بعد موته، هو الذي قال: (( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله الآمن ثلاث: الآمن صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ))[2]. فالنبي صلي الله عليه وسلم بنفسه لا يملك شيئا، لا يملك أن يدعو لك وهو في قبره أبدا. فمن أنزله فوق منزلته التي أنزله الله فانه لم يحقق شهادة


(( أن محمدا رسول الله)) بل شهد أن محمدا رب مع الله نعوذ بالله، لان معني كونه رسولا انه عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، نحن في صلاتنا كل يوم نقول: (( اشهد أن لا اله إلا الله وان محمدا عبده ورسوله)).فهو عبد كغيره من العباد مبوب، والله هو المعبود عز وجل وهو الرب. إذا نقول لهؤلاء الذين نجدهم يغلون برسول الله صلي الله عليه وسلم وينزلونه فوق منزلته التي أنزله الله، نقول لهم: أنكم لم تحققوا لا شهادة أن لا اله إلا الله، ولا شهادة أن محمدا رسول الله. فالمهم أن هاتين الشهادتين عليهما مدار عظيم، كل الإسلام فهو عليهما. لذلك لو أراد الإنسان أن يتكلم علي ما يتعلق بهما منطوقا ومفهوما ومضمونا و إشارة لاستغرق أياما! ولكن نحن أشرنا إشارة إلى ما يتعلق بهما، و نسأل الله تعالي أن يجعلنا وإياكم ممن يحققهما عقيدة، وقولا، وفعلا،

الركن الثاني: أقام الصلاة: الصلاة سميت صلاة لأنها صلة بين العبد وبين الله، فان الإنسان إذا قام يصلي فانه يناجي ربه ويحاوره، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن أبي هريرة_ رضي الله عنه _ عن النبي صلي الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى قال: (( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سال، فإذا قال: (( الحمد لله رب العالمين ) قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ( الرحمن الرحيم ) قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال،( ملك يوم الدين ) قال مجدني عبدي، فإذا قال: ( إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سال، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم (6 ) صراط الذين أنعمت عليهم غير الغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سال))[3]. فتأمل محاورة ومناجاة بين الإنسان وبين ربه، ومع ذلك فالكثير منا في هذه المناجاة معرض بقلبه، تجده يتجول يمينا وشمالا، مع انه يناجي من يعلم ما في الصدور عز وجل. وهذا من جهلنا وغفلتنا. فالواجب علينا_ و نسأل الله أن يعيننا عليه_ أن تكون قلوبنا حاضرة في حال الصلاة حتى تبرا ذ متنا وحتى ننتفع بها،لان الفوائد المترتبة علي الصلاة إنما تكون علي صلاة كاملة، ولهذا كلنا يقرا قول الله عز وجل: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(العنكبوت: من الآية45 ومع ذلك يأتي الإنسان ويصلي فلا يجد في قلبه إنكارا لمنكر، أو عرفا لمعروف زائدا عما سبق حين دخوله في الصلاة.يعني لا يتحرك القلب ولا يستفيد، لان الصلاة ناقصة، هذه الصلاة هي اعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. وقد فرضها الله_ عز وجل_ علي نبيه محمد صلي الله عليه وسلم بدون واسطة من الله إلى الرسول، وفرضها عليه في اعلي مكان وصله بشر، وفرضها عليه في أشرف ليلة كانت لرسول الله صلي الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج، وفرضها عليه خمسين صلاة في اليوم، فهذه أربعة أمور:
أولا: لم يكن فرضها كفرض الزكاة والصيام والحج، بل هو من الله تعالى مباشرة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثانيا: من ناحية المكانة فهو في اعلي مكان وصل إليه البشر، تفرض علي النبي صلي الله عليه وسلم وهو في الأرض.
ثالثا: من ناحية الزمان في اشرف ليلة كانت لرسول الله صلي الله عليه وسلم وهي ليلة المعراج.
رابعا: في الكمية: لم تفرض صلاة واحدة، بل خمسون صلاة، مما يدل علي محبة الله لها، وانه يحب من عبده أن يكون مشغولا بها. ولكن الله جعل لكل شئ سببا، لما نزل الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ مسلما أتمر الله قانعا بفريضة الله، ومر بموسى_ عليه الصلاة والسلام_ وسأله موسى: ماذا فرض الله علي أمتك؟ قال: (( خمسين صلاة في اليوم والليلة))، قال: أن أمتك لا تطيق ذلك، إنني جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل اشد المعالجة اذهب إلى ربك و أساله أن يخفف علي أمتك!([4]) فذهب إلى الله، وجعل يتردد بين موسى_ عليه الصلاة والسلام_ وبين الله_ عز وجل_ حتى جعلها الله خمسا، لكن الله بمنه وكرمه _ وله الحمد والفضل _ قال: هي خمس بالفعل، وخمسون في الميزان، وليس هذا من باب قبيل الحسنة بعشر أمثالها، بل من باب قبيل الفعل الواحد يجزئ عن خمسين فعلا، فهذه خمس صلوات عن خمسين صلاة، فكأنما صلينا خمسين صلاة، كل صلاة الوحدة بعشر أمثالها لأنه لو كان هذا من باب مضاعفة الحسنات لم يكن هناك فرق بين الصلوات وغيرها، لكن هذه خاصة، صل خمس كأنما صليت خمسين صلاة، قال: هي حمس في الفعل وخمسون في الميزان، وهذا يدل علي عظم هذه الصلوات، ولهذا فرضها الله_ سبحانه وتعالى_ علي عباده في اليوم والليلة.خمس مرات لابد منها. لابد أن تكون مع الله خمس مرات تناجيه في اليوم والليلة. ولو أن أحدا من الناس حصل علي مقابلة بينه وبين الملك خمس مرات باليوم لعد ذلك من مناقبه ولفرح بذلك وقال: كل يوم أجالس الملك خمس مرات! فأنت تناجي ملك الملوك_ عز وجل_ في اليوم خمس مرات علي الأقل، فلماذا ل اتفرح بهذا؟ احمد الله علي هذه النعمة وأقم الصلاة. وقول النبي صلي الله عليه وسلم: (( وتقيم الصلاة)) يعني: تأتى بها قويمة تامة بشروطها وأركانها وواجباتها.

فمن أهم شروطها: الوقت: لقول الله سبحانه: ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)(النساء: من الآية103)وإذا كانت الصلوات خمسا فأوقاتها خمسة لغير أهل الأعذار، وثلاثة لأهل الأعذار الذين يجوز لهم الجمع، فالظهر والعصر يكون وقتاهما وقتا واحدا إذا جاز الجمع. والغرب والعشاء يكون وقتاهما وقت واحد إذا جاز الجمع. هذان وقتان. والفجر وقت واحد، ولهذا فصلها الله عز وجل: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ)(الإسراء: من الآية78)، ولم يقل: لدلوك الشمس إلى طلوع الفجر! بل قال: ( إلى غسق الليل) وغسق الليل يكون عند منتصفه، لان اشد ما يكون ظلمة في الليل منتصف الليل، لان منتصف الليل هو ابعد ما تكون الشمس عن النقطة التي فيها هذا المنتصف، ولهذا كان القول الراجح أن الأوقات خمسة كما يلي:

1_ الفجر من طلوع الفجر الثاني_ وهو البياض المعترض في الأفق_ إلى أن تطلع الشمس.
وهنا انبه فأقول: أن تقويم أم القرى فيه تقديم خمس دقائق في آذان الفجر علي مدار السنة، فالذي يصلي أول ما يؤذن يعتبر انه صلي قبل الوقت، وهذا شئ اختبرناه في الحساب الفلكي، واختبرناه إضافي الرؤية.فلذلك لا يعتمد هذا بالنسبة لآذان الفجر، لأنه مقدم، وهذه مسالة خطيرة جدا، لو تكبر للإحرام فقط قبل أن يدخل الوقت ما صحت صلاتك وما صارت فريضة. وقد حدثني انس كثيرون ممن يعيشون في البر وليس حولهم أنوار، انهم لا يشاهدون الفجر ال بعد هذا التقويم بثلث ساعة، أي: عشرين دقيقة أو ربع ساعة أحيانا، لكن التقاويم الأخرى الفلكية التي بالحساب بينها وبين هذا التقويم خمس دقائق. علي كل حال: وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني_ وهو البياض المعترض_ إلى طلوع الشمس.
2_ الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شئ مثله، لكن بعد أن تخصم ظل الزوال، لان الشمس خصوصا في أيام الشتاء يكون لها ظل نحو الشمال، هذا ليس بعبرة، بل العبرة انك تنظر إلى الظل مادام ينقص فالشمس لم تزل، فإذا بدا يزيد ادني زيادة فان الشمس قد زالت، فاجعل علامة علي ابتداء زيادة الظل: فإذا صار ظل الشيء كطوله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.
3_ ووقت العصر إلى أن تصفر الشمس والضرورة إلى غروبها.
4_ ووقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو يختلف، أحيانا يكون بين الغروب وبين مغيب الشفق ساعة وربع، و احيانا يكون ساعة واثنتين وثلاثين دقيقة، و لذلك وقت العشاء عند الناس الآن لا باس به، واحدة ونصف (1,30 ) غروبي.
5_ وقت العشاء من خروج وقت المغرب إلى منتصف الليل. بمعني انك تقدر ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ثم تنصفه. فالنصف هو منتهى صلاة العشاء. ويترتب علي هذا فائدة عظيمة:لو طهرت المرأة من الحيض في الثلث الأخير من الليل فليس عليها صلاة العشاء ولا المغرب، لأنها طهرت بعد الوقت. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي_ عليه الصلاة والسلام_ قال: (( وقت العشاء إلى نصف الليل))[5]. وليس عن رسول الله صلي الله عليه وسلم حديث علي أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر أبدا. ولهذا فان القول الراجح إلى نصف الليل، والآية الكريمة تدل علي هذا، لأنه فصل الفجر عن الأوقات الأربعة ( أقم الصلاة لدلوك الشمس) أي: زوالها( إلى غسق الليل) جمع الله بينها لأنها ليس بينها فاصل، فمن ساعة خروج الظهر يدخل العصر، ومن ساعة خروج العصر يدخل المغرب، ومن ساعة خروج المغرب يدخل العشاء، إما الفجر فقال: ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً)(الإسراء: من الآية78) فالفجر لا تتصل بصلاة لا قبلها ولا بعدها، لان بينها وبين الظهر نصف النهار الأول، وبينهما وبين صلاة العشاء نصف الليل الآخر.واعلم أن الصلاة قبل دخول الوقت لا تقبل حتى ولو كبر المصلي تكبيرة الإحرام ثم دخل الوقت بعد التكبيرة مباشرة، فإنها لا تقبل علي إنها فريضة، لان الشي الموقت بوقت لا يصح قبل وقته، كما لو أراد الإنسان أن يصوم قبل رمضان ولو بيوم واحد فانه لا يجزئه عن رمضان، كذلك لو كبر تكبيرة الإحرام قبل دخول الوقت فان الصلاة لا تقبل منه علي إنها فريضة، لكن أن كان جاهلا لا يدري صارت نافلة ووجب عليه إعادتها فريضة. إما إذا صلاها بعد الوقت فلا يخلو من حالين:
ا_ إما أن يكون معذورا بجهل، أو نسيان، أو نوم، فهذا تقبل منه.
_ الجهل: مثل أن لا يعرف أن الوقت قد دخل وقد خرج، فهذا لا شئ عليه، فانه يصلي الصلاة متي علم وتقبل منه، لأنه معذور.
_ النسيان: مثل أن يكون الإنسان اشتغل بشغل عظيم اشغله وألهاه حتى خرج الوقت، فان هذا يصليها ولو بعد خروج الوقت، والنوم كذلك، فلو أن شخصا نام علي انه سيقوم عند الآذان، ولكن صار نومه ثقيلا فلم يسمع الآذان، ولم يسمع المنبه الذي وضعه عند رأسه حتى خرج الوقت، فانه يصلي إذا استيقظ، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك))[6]
ب_ فأما الحلة الثانية: فان يؤخر الصلاة عن وقتها عمدا بدون عذر، فاتفق العلماء علي انه آثم وعاص لله تعالى ورسوله صلي الله عليه وسلم.
وقال بعض العلماء: ا نه يكفر بذلك كفرا مخرجا عن الملة، نسأل الله العافية!، فالعلماء متفقون علي انه لو آخر الصلاة عن وقتها بلا عذر فانه آثم عاص، ولكن منهم من قال انه يكفر، ولكن الجمهور_ وهو الصحيح_ انه لا يكفر، ولكن اختلفوا فيما لو صلاها في هذه الحال، يعني: بعد أن أخرجها عب وقتها عمدا بلا عذر ثم صلي، فمنهم من قال: إنها تقبل_ أي صلاته_ لأنه عاد إلى رشده وصوابه و لانه إذا كان الناسي تقبل منه الصلاة بعد الوقت فالمتعمد كذلك. ولكن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة إنها لا تقبل منه إذا آخرها عن وقتها عمدا ولو صلي ألف مرة، وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد))[7]، يعني مردود غير مقبول عند الله، وإذا كان مردودا فلن يقبل، وهذا الذي اخرج الصلاة عمدا عن وقتها إذا صلاها فقد صلاها علي غير أمر الله ورسوله، فلا تقبل منه. و اما المعذور فهو معذور، ولهذا أمره الشارع أن يصليها إذا ذال عذره، إما من ليس بمعذور فانه لو بقي يصلي كل دهره فإنها ل اتقبل منه هذه الصلاة التي أخرجها عن وقتها بلا عذر، ولكن عليه أن يتوب إلى الله ويستقيم، ويكثر من العمل الصالح والاستغفار(( ومن تاب تاب الله عليه)).
الشرط الثاني من أقام الصلاة: الطهارة، فانه لا تقبل صلاة بغير طهور. قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( لا تقبل صلاة أحدكم إذا احدث حتى يتوضأ))[8]. فلابد أن يقوم الإنسان بالطهارة علي الوجه الذي أمر به، فان احدث حدثا اصغر مثل: البول والغائط والريح والنوم واكل لحم الإبل فانه يتوضأ.
وفروض الوضوء كما يلي: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، كما أمر الله بذلك في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(المائدة: من الآية6)
ومن الرأس: الأذان، ومن الوجه: المضمضة والاستنشاق في الفم والأنف، فلابد في الوضوء من تطهير هذه الأعضاء الأربعة، غسل في ثلاثة ومسح في واحد.
وأما الاستنجاء، أو الاستجمار: فهو اذالة النجاسة، ولا علاقة له بالوضوء، فلو أن الإنسان با ل أو تغوط واستنجي ثم ذهب لشغله، ثم دخل الوقت، فانه يتوضأ بتطهيره الأعضاء الأربعة، ولا حاجة لان يستنجي، لان الاستنجاء إزالة نجاسة، متي أزيلت فانه لا يعاد الغسل مرة ثانية، إلا إذا رجعت مرة ثانية.
والصحيح: انه لو نسي أن يستجمر استجمارا شرعيا ثم توضأ، فان وضوءه صحيح، لأنه هناك ليس علاقة بين الاستنجاء وبين الوضوء أما إذا كان محدثا حدثا اكبر مثل الجنابة فعليه أن يغتسل،فيعمم جميع بدنه بالماء لقوله تعالى: ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا )(المائدة: من الآية6) ومن ذلك: المضمضة والاستنشاق، لأنهما داخلان في الوجه، فيجب تطهيرهما كما يجب تطهير الجبهة والخد واللحية.والغسل الواجب الذي يكفي أن تعم جميع بدنك بالماء، سواء بدأت بالرأس أو بالصدر أو بالظهر أو بأسفل البدن، أو انغمست في بركة وخرجت منها بنية الغسل.والوضوء في الغسل سنة وليس بواجب، ويسن أن يتوضأ قبل أن يغتسل، وإذا اغتسل فلا حاجة إلى الوضوء مرة ثانية، لأنه لم يثبت عن النبي_ عليه الصلاة والسلام_ انه توضا بعد اغتساله فإذا لم يجد الماء، أو كان مريضا يخشي من استعمال الماء، أو كان برد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء، فانه يتيمم، لقوله تعالى: ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة:6) فبين الله حال السفر والمرض انه يتيمم فيهما إذا لم يجد الماء في السفر. إما خوف البرد فدليله قصة عمرو بن العاص رضي الله عنه: (( أن النبي صلي الله عليه وسلم أرسله في سرية فأجنب، فتيمم وصلي بأصحابه إماما. فلما رجعوا إلى النبي صلي الله عليه وسلم قال له: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: نعم يا رسول الله! ذكرت قول الله تعالى: ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)(النساء: من الآية29) فخفت البرد فتيممت صعيدا طيبا فصليت))([9]). فاقره النبي صلي الله علي وسلم علي ذلك ولم يأمره بالإعادة، لان من خاف الضرر كمن فيه الضرر، لكن بشرط أن يكون الخوف غالبا أو قاطعا، إما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء. واعلم أن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الماء، ولا تنتقص إلا بما تنتقص به طهارة الماء، أو بزوال العذر المبيح للتيمم، فمن تيمم لعدم وجود الماء ثم وجده فانه لابد أن يتطهر بالماء، لان الله تعالى إنما جعل التراب طهارة إذا عدم الماء. وفي الحديث الذي أخرجه أهل السنن عن أبي هريرة، عن النبي صلي الله علي وسلم انه قال: (( الصعيد الطيب وضوء المسلم_ أو قال طهور المسلم_ وان لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فان ذلك خير)).([10]) وفي صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، في قصة الرجل الذي اعتزل فلم يصل مع النبي صلي الله عليه وسلم فسأله فقال: (( ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد فانه يكفيك. ثم حضر الماء فأعطي النبي صلي الله عليه وسلم هذا الرجل ماء وقال: أفرغه علي نفسك)) أي: اغتسل به. فدل هذا علي انه إذا وجد الماء بطل التيمم، وهذه_ لله الحمد_ قاعدة حتى عند العامة، يقولون: (( إذا حضر الماء بطل التيمم)). إما إذا لم يحضر الماء ولم يذل العذر، فانه يقوم مقام طهارة الماء ولا يبطل بخروج الوقت، فلو تيمم الإنسان وهو مسافر وليس عنده ماء وتيمم لصلاة الظهر مثلا، وبقي لم يحدث إلى العشاء فانه لا يلزمه إعادة التيمم، لا ن التيمم ل ايبطل بخروج الوقت، لأنه طهارة شرعية، كما قال الله في القران الكريم: ( فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ْ )(المائدة: من الآية6) فبين الله أن طهارة التيمم طهارة. وقال الرسول صلي الله عليه وسلم: (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) ([11].) بفتح الطاء، أي أنها تطهر: (( فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)). وفي حديث آخر: (( فعنده مسجده و طهوره))([12]). يعني: فليتطهر وليصل هذا من الأشياء المهمة في إقامة الصلاة: المحافظة علي الطهارة. واعلم أن من المحافظة علي الطهارة: إزالة النجاسة من ثوبك وبدنك، ومصلاك الذي تصلي عليه. فلابد م الطهارة في هذه المواضع الثلاث: البدن، والثوب، والمصلي.
1 _ أما الثوب فدليله: أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر النساء اللاتي يصلين في ثيابهن وهن يحضن بهذه الثياب أن تزيل المرأة الدم الذي أصابها من الحيض من ثوبها، تحكه بظفرها ثم تقرصه بإصبعيها الإبهام والسبابة ثم تغسله،([13]) ولما صلي ذات يوم بأصحابه وعليه نعال خلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلم سلم سألهم لماذا خلعوا نعالهم! قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: (( أن جبريل أتاني فاخبرني أن فيهما قذرا))([14] )فدل هذا علي انه لابد من اجتناب النجاسة في الملبوس.
2_ أما المكان: فدليله أن أعرابيا جاء فبال في طائفة من المسجد، أي: في طرف من مسجد النبي صلي الله عليه وسلم لكنه أعرابي_ والأعراب الغالب عليهم الجهل_ فصاح به الناس وزجروه، ولكن الرسول صلي الله عليه وسلم بحكمته نهاهم وقال: اتركوه. فلما قضي بوله دعاه النبي صلي الله عليه وسلم وقال له: (( أن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القران))([15]) فقال الأعرابي: (( اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحد))، لان الصحابة زجروه، وأما النبي_ عليه الصلاة والسلام_ فكلمه بلطف، فظن أن الرحمة ضيقة لا تتسع للجميع، وقال: (( اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحد)) ويذكر أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال له: (( لقد حجرت واسعا يا أخا العرب))([16]،) و أمر النبي _ عليه الصلاة والسلام_ أن يصب علي البول ذنوب من ماء، مثل الدلو، لتطهر الأرض.
3_ وأما طهارة البدن: فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس_ رضي الله عنهما_ أن الرسول صلي الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: (( انهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وفي رواية: لا يستبري من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة))([17] )والعياذ بالله. فدل هذا: علي انه لابد التنزه من البول. وهكذا بقية النجاسات، ولكن لو فرض أن الإنسان في البر وتنجس ثوبه وليس معه ما يغسله به، فهل يتيمم من اجل صلاته في هذا الثوب؟ لا يتيمم، وكذلك لو اصب بدنه نجاسة رجلها ويده أو ساقه أو ذراعه وهو في البر وليس عنه ما يغسله، فانه لا يتيمم، لان التيمم إنما هو في طهارة الحدث فقط، أما النجاسة فلا يتيمم لها، لان النجاسة عين قذرة تطهيرها بإزالتها أن أمكن فذلك، وان لم يمكن تبقي حتى يمكن إزالتها. والله اعلم.

أحكام المسح علي الخفين والجبيرة:
سبق أن الطهارة تتعلق بأربعة أعضاء من البدن، وهي: الوجه، واليدان، الرأس، والرجلان، فأما الوجه فيغسل، وأما اليدان فتغسلان، وأما الرأي فيمسح، وأما الرجلان فتغسلان أو تمسحان. اثنان غسل،وواحد يمسح، وواحد يغسل أو يمسح!
أما الوجه فلا يمكن أن يمسح إلا إذا كان هناك جبيرة، أي: لزقة علي جرح أو ما شابه ذلك.فلو أن إنسانا غطي وجهه بشيء من سموم الشمس أو غيره فانه لا يمسح عليه، بل يزيل القطاء ويغسل الوجه. إلا إذا كان هناك ضرورة فانه يمسح ما غطي به وجهه علي سبيل البدل من الغسل. وأما اليدان فكذلك لا تمسحان، بل لا بد م غسلهما الا اذا كان هناك ضرورة، مثل أن يكون فيهما حساسية يضرها الماء وجعل عليها لفافة، أو لبس قفازين من اجل لا يأتيهما الماء، فلا باس أن يمسح مسح جبيرة للضرورة.وأما الرأس فيمسح، وطهارته أخف من غيره ولهذا لو كان علي راس المرأة حناء ملبد عليه، ألبد المحرم رأسه في حال إحرامه كما فعل النبي_ عليه الصلاة والسلام_ فانه يمسح هذا الملبد ولا حاجة لان يزيله. أما الرجلان فتغسلان وتمسحان، ولهذا جاء القران الكريم علي وجهين في قراءة قوله تعالى: ((وارجلكم)) بالفتح والكسر. ففي قراءة ( وارجلكم) وفي قراءة (وارجلكم).أما قراءة الكسر ( ارجلكم) فهي عطفا علي قوله: ( وامسحوا برؤوسكم ) أي: وامسحوا بأرجلكم.وأما النصب ( وارجلكم) فهي عطفا علي قوله تعالى: ( اغسلوا وجوهكم) يعني: واغسلوا أرجلكم.ولكن متي تمسح الرجل؟ تمسح الرجل إذا لبس عليها الإنسان جوارب أو خفين.
الجوارب: ما كان من القطن أو الصوف أو نحوه.
والخفان: ما كان من الجلد أو شبهه، يمسح عليهما، لكن بشروط أربعة.
الشرط الأول: الطهارة: أي طهارة الخفين أو الجوربين، فلو كانا من جلد نجس فانه لا يصح المسح عليهما، لان النجس خبيث لا يتطهر مهما مسحته وغسلته. أما إذا كانتا متنجستين، فمن المعلوم أن الإنسان لا يصلي فيهما، فلا يمسح عليهما.
الشرط الثاني: أن يلبسهما علي طهارة بالماء: فان لبسهما علي تيمم فانه لا يمسح عليهما. فلوان شخصا مسافرا لبس الجوارب علي طهارة تيمم ثم قدم البلد فانه لا يمسح عليهما، لأنه لبسهما علي طهارة تيمم، وطهارة التيمم إنما تتعلق بأوجه والكفين، ولا علاقة لها بالرجلين. وعلي هذا يكون الشرط مأخوذ من قول النبي صلي الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة: (( إني أدخلتهما طاهرتين)).([18] )
الشرط الثالث: أن يكونا في الحدث الأصغر: أي: في الوضوء، أما الغسل فلا تسمح فيه الخفان ولا الجوارب، بل لابد من خلعهما وغسل الرجلين، فلو كان علي الإنسان جنابة فانه لا يمكن أن يمسح علي خفيه.
الشرط الرابع: أن يكون في المدة المحددة شرعا: وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث، أما ما قبل المسح الأول فلا يحسب من المدة. فلو فرضان شخصا لبسها علي طهارة في صباح اليوم الثلاثاء، وبقي إلى صلي العشاء في طهارته، ثم نام في ليلة الأربعاء، ولما قام لصلاة الفجر مسح، فيوم الثلاثاء: لا يحسب عليه، لأنه قبل المسح، بل يحسب عليه من فجر يوم الأربعاء، لان حديث علي بن أبي طالب_ رضي الله عنه_ قاغل: (( جعل رسول الله صلي الله عليه وسلم ثلاث أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم)) ([19]).
وقال صفوان بن عسال: (( كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا إلا ننزع خناقنا ثلاث أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)) ([20]،) فالعبرة بالمسح لا باللبس، ولا بالحدث بعد اللبس.فيتم المقيم يوم وليلة، أي: أربعا وعشرين ساعة، ويتم المسافر ثلاثة أيام بلياليهن، أي: اثنتين وسبعين ساعة، فان مسح الإنسان وهو مقيم وسافر قبل أن تتم المدة، فانه يتمم مسح مسافر ثلاثة أيام.
مثلا: لو لبس اليوم لصلاة الفجر ومسح لصلاة الظهر، ثم سافر بعد الظهر، فانه يتمم ثلاثة أيام، يمسح ثلاثة أيام
ولو كان بالعكس: مسح وهو مسافر ثم أقام، فانه يتمم مسح مقيم، لان العبرة بالنهاية لا بالبداية، العبرة في السفر أو الإقامة بالنهاية لا بالبداية. وهذا هو الذي رجع إليه الإمام احمد_ رحمه الله_ وكان بالأول يقول: أن الإنسان إذا مسح مقيما ثم سافر أتم مسح مقيم، لكنه رجع عن هذه لرواية وقال: لنه يتمم مسح مسافر. ولا تستغرب أن العالم يرجع عن قوله، لان الحق يجب أن يتبع، فمتي تبين للإنسان الحق وجب عليه اتباعه، فالإمام احمد_ رحمه الله_ أحيانا يروي عنه في المسالة الواحدة اكثر من أربعة أقوال أو خمسة إلى سبعة أقوال في مسالة واحدة. وهو رجل واحد، أحيانا يصرح بأنه رجع وأحيانا لا يصرح، أن صرح بأنه رجع عن قوله الأول فانه لا يجوز أن ينسب إليه القول الذي رجع عنه، ولا يجوز أن ينسب له الا مقيدا، فيقال: قالبه أولا ثم رجع، أما إذا لم يصرح بالجوع فانه يجب أن تسحب الأقوال كلها عنه، فيقال: له قولان، أو له ثلاث أقوال، أو أربعة أقوال.والإمام احمد تكثر الرواية عنه، لأنه اثري يأخذ بالآثار، والذي يأخذ بالآثار ليس تأتيه الآثار دفعة واحدة حتى يحيط بها مرة واحدة ويستقر علي قوله منها، لكن الآثار تتجدد، ينقل له حديث اليوم، وينقل له حديث في اليوم الثاني، وهكذا. واعلم أن الإنسان إذا تمت المدة وهو علي طهارة فانه لا تنتقص طهارته، لكن أن انتقضت فلا بد من خلع الخفين وغل القدمين، لكن مجرد تمام المدة لا ينقص الوضوء. كذلك أيضا إذا خلعها بعد المسح وهو علي طهارة، فإنها لا تنتقص طهارته، بل يبقي علي طهارته، فإذا أراد أن يتوضأ فلابد من أن يغسل قدميه بعد أن نزع. والقاعدة في هذا حتى لا تشتبه: انه متي نزع الممسوح فانه ل ايعاد ليمسح، بل لابد من غسل الرجل ثم إعادته إذا اراد الوضوء.
الشرط الثالث: استقبال القبلة: فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، لان الله تعالى أمر به وكرر الأمر به. قال تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)(البقرة: من الآية150)، أي : جهته. وكان النبي_ عليه الصلاة والسلام_ أول ما قدم المدينة كان يصلي إلى بيت المقدس، فيجعل الكعبة خلف ظهره والشام قبل وجهه، ولكن بعد ذلك ترقب أن الله سبحانه وتعالى _ يشرع له خلاف ذلك، فجعل يقلب وجهه في السماء ينتظر متي ينزل عليه جبريل بالوحي في استقبال بيت الله الحرام، كما قال الله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ أيولينك قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)(البقرة: من الآية144)، فأمره الله_ عز وجل_ أن يستقبل المسجد الحرام، أي: جهته. إلا انه يستثني من ذلك ثلاث مسائل:
المسالة الأولى: إذا عاجزا كمريض وجهه إلى غير القبلة، ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة، فان استقبال القبلة يسقط عنه في هذه الحال، لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(التغابن: من الآية 16) وقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)(البقرة: من الآية286) وقول النبي صلي الله عليه مسلم: (( إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم))( [21].)
المسالة الثانية: إذا كان في شدة الخوف، كانسان هارب من عدو، أو هارب من سبع، أو هارب من نار، أو هارب من واد يغرقه! المهم انه في شدة خوف، فهنا يصلي حيث كان وجهه. ودليل ذلك قوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)(البقرة:239)، فان قوله: ( فان خفتم) عام يشمل أي خوف. وقوله: ( فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)(البقرة: من الآية239) علي أن أي ذكر تركه الإنسان من اجل الخوف فلا حرج عليه فيه، ومن ذلك الآيتين الكريمتين و الحديث النبوي في أن الوجوب معاق بالاستطاعة
المسالة الثالثة: في النافلة في السفر، سواء كان علي طائرة، أو علي سيارة، أو علي بعير، فانه يصلي حيث كان وجهه في صلاة النفل، مثل الوتر وصلاة الليل و الضحي ومل أشبه ذلك.والمسافر ينبغي له أن تنفل بجميع النوافل كالمقيم سواء إلا في الرواتب، كراتبه الظهر والمغرب والعشاء، فالسنة تركها، وماعدا ذلك من النوافل فانه باقي علي مشروعيته للمسافر، كما هو مشروع للمقيم. فإذا أراد ان يتنفل وهو مسافر علي طائرته، أو علي بعيره، أو علي حماره، فليتنفل حيث كان وجهه، لان ذلك هو الثابت في الصحيحين عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.([22] )
فهذه ثلاث مسائل لا يجب فيها استقبال القبلة! أما الجاهل فيجب عليه استقبال القبلة، لكن إذا اجتهد وتحري ثم تبين له الخطأ بعد الاجتهاد، فانه لا أعاده عليه، ولا نقول انه يسقط عنه الاستقبال، بل يجب عليه الاستقبال و يتحري بقدر استطاعته، فإذا تحري بقدر استطاعته ثم تبين له الخطأ، فانه لا يعد صلاته، ودليل ذلك أن الصحابة الذين لم يعلموا بتحويل القبلة إلى الكعبة، كانوا يصلون ذات يوم صلاة الفجر في مسجد قباء، فجاءهم رجل فقال: أن النبي صلي الله عليه وسلم انزل عليه قران و أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فاستداروا، بعد أن كانت الكعبة وراءهم جعلوها أمامهم، فاستداروا وبقوا في صلاتهم وهذا في عهد النبي صلي الله عليه وسلم ولم يكن إنكار له،فيكون ذلك مشروعا، فإذا أخطأ الإنسان في القبلة جاهلا فانه ليس عليه اعادة، ولكن اذا تبين ولو في أثناء الصلاة وجب عليه أن يستقيم إلى القبلة، فجاءه إنسان وقال له: القبلة عن يمينك أو يسارك، وجب عليه أن يستدير علي اليمين أو علي اليسار دون أن يستأنف الصلاة، لأنه في الأول كان عن اجتهاد وعن وجه شرعي فلا يبطل. فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، إلا في المواضع الثلاث التي ذكرناها، وإلا إذا أخطأ الإنسان بعد الاجتهاد والتحري.
وهنا مسالة: يجب علي من نزل علي شخص ضيفا و اراد أن يتنفل أن يسال صاحب البيت عن القبلة، فإذا اخبره اتجه إليها، لان بعض الناس تأخذه العزة بالإثم، ويمنعه الحياء_ وهو حياء في غير محله_ عن السؤال عن القبلة. فبعض الناس يستحي من السؤال حتى لا يقول الناس لا يعرف! لا يضر، فليقولوا ما يقولونه، بل أسال عن القبلة حتى يخبرك صاحب البيت. وأحيانا بعض الناس تأخذه العزة بالإثم أو الحياء، ويتجه بناء علي ظنه إلى جهة ما يتبين له إنها ليست القبلة، وفي هذه الحال وجب عليه أن يعيد الصلاة، لأنه استند إلي غير مستند شرعي. والمستند إلى غير مستند شرعي لا تقبل عبادته، لقول النبي صلي الله علي وسلم : ((من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد)).([23])
الشرط الرابع: فان الصلاة لا تصح إلا بنيه، لقول النبي صلي الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوي)) ([24] )الحديث.وقد دلت الآيات الكريمة علي اعتبار النية في العبادات، مثل قوله تعالى في وصف النبي صلي الله وسلم وأصحابه: ( تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً )(الفتح: من الآية29) والآيات في هذا كثيرة، وقال: ( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ )(النساء: من الآية100) فالنية شرط من شرط صحة الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، وهي_ في الحقيقة_ ليست بالأمر الصعب، كل إنسان عاقل مختار يفعل فعلا فانه قد نواه. فلا تحتاج إلى تعب ولا علي نطق محلها القلب: (( إنما الأعمال بالنيات )). ولان النبي صلي الله عليه وسلم لم ينطق بالنية ، ولا أمر أمته بالنطق بها، ولا فعلها أحد من أصحابه فأقراه علي ذلك، فالنطق بالنية بدعة، هذا هو القول الراجح، لأنك كأنما تشاهد الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ وأصحابه يصلون ليس فيهم أحد نطق قال: اللهم إني نويت أن اصلي. وما اظرف قصة ذكرها لي بعض الناس_ عليه رحمة الله_ قال لي: أن
شخصا في المسجد الحرام_ قديما_ أراد أن يصلي، فأقيمت الصلاة فقال: اللهم إني نويت أن اصلي الظهر ارع ركعات لله تعالى خلف إمام المجد الحرام. لما أراد أن يكبر قال له الرجل إلى جواره: اصبر بقي عليك! قال: ما الباقي؟ قال له: قل في اليوم الفلاني وفي التاريخ الفلاني من الشهر والسنة حتى لا تضيع، هذه وثيقة. فتعجب الرجل! والحقيقة انه محل التعجب، هل أنت تعلم الله_ عز وجل_ بما تريد؟ الله يعلم ما توسوس به نفسك. هل تعلم الله بعدد الركعات والأوقات؟ لا داعي له، الله يعلم هذا. فالنية محلها القلب.ولكن كما نعلم أن الصلوات تنقسم إلى أقسام: نفل مطل، ونفل معين، وفريضة.
الفرائض خمس: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.إذا جئت إلى المسجد في وقت الفجر، فماذا تريد أن تصلي؟ أتريد أن تصلي المغرب؟! لا، بل الفجر. جئت وكبرت وأنت ناوي الصلاة، لكن غاب عن ذهنك إنها الفجر.
وهناك مسالة: إذا جئت وكبرت، وغاب عن ذهنك أي صلاة هي، وهذا يقع كثيرا، لا سيما إذا جاء بسرعة يخشى أن تفوته الركعة، فمثلا جئت وحضرت وكبرت ولكنك لم تستحضر انك تريد الفجر. فهنا لا حاجة، ووقوع هذه الصلاة في وقتها دليل علي انه إنما أردت هذه الصلاة. ولهذا لو سالك أي واحد: هل أردت الظهر أو العصر او المغرب او العشاء؟ لقت: أبدا، ما أردت لا الفجر. إذا لا حاجة إلى أن انوي إنها الفجر، صحيح أن نويتها الفجر اكمل، لكن أحيانا يغيب عن الذهن التعيين، فنقول: يعينها الوقت. إذا الفرائض يكون تعيينها علي وجهين:
الوجه الأول: أن يعينها بعينها بقلبه انه نوي الظهر مثلا، وهذا واضح.
الوجه الثاني: الوقت، فما دمت تصلى الصلاة في هذا الوقت فهي هي الصلاة.
هذا الوجه الثاني إنما يكون في الصلاة المؤداة في وقتها، أما لو فرض أن علي إنسان صلوات مقضية، كما لو كان نام يوما كاملا عن الظهر والعصر والمغرب، فهنا إذا أراد أن يقضي لابد يعينها بعينها، لأنه لا وقت لها. النوافل المعنية، مثل الوتر وركعتي الضحى والرواتب للصلوات الخمس، فهذه لابد أن تعينها بالاسم، لكن بالقلب لا بالسان، فإذا أردت أن تصلي الوتر مثلا وكبرت ولكن ما نويت الوتر، وفي أثناء الصلاة نويتها الوتر، فهذا لا يصح، لان المتر نفل معين، والنوافل والمعينة لابد أن تعين بعينها. إذا أراد الإنسان أن ينتقل في أثناء الصلاة من نية إلى نية، هل هذا ممكن؟ ننظر، الانتقال من معين إلى معين، أو من مطلق إلى معين لا يصح.
مثال المطلق: إنسان قام يصلي صلاة نافلة مطلقة، وفي أثناء الصلاة ذكر انه لم راتبة الفجر، فنواها لرابة الفجر. نقول: لا تصح لراتبة الفجر، لأنه انتقال من مطلق إلى معين، والمعين لابد أن تنويه من أوله، فراتبة الفجر من التكبير إلى التسليم. ومثال معين إلى معين: رجل قام يصلي العصر، وفي أثناء صلاته ذظر انه لم يصل الظهر، أو انه صلاها بغير وضوء، فقال: الآن نويتها للظهر، فهل تصح للظهر أم لا؟ هنا لا تصح للظهر، لانه من معين إلى معين، ولا تصح أيضا صلاة العصر التي أبتدأ،لأنه قطعها بانتقا له إلى الظهر. اذ لا تصح ظهرا ولا عصرا، فهي لا تصح عصرا لأنه قطعها، ولا ظهرا لأنه لم يبتدئها ظهرا، وصلاة الظهر من تكبيرة الإحرام إلى السلام. أما الانتقال من معين إلى مطلق فانه يصح ولا باس، مثل إنسان شرع في صلاة الفريضة، ثم لما شرع ذكر انه علي ميعاد لا يمكنه أن يتأخر فيه، فنواها نفلا، فإنها تصح إذا كان الوقت متسعا ولم يفوت الجماعة.هذان شرطان: الشرط الأول: إذا كان ألقت متسعا، والثاني: إذا لم يفوت الجماعة. فمثلا إذا كان في صلاة جماعة فلا يمكن أن يحولها إلى نفل مطلق، لان هذا يستلزم أن يدع صلاة الجماعة. إذا كان الوقت ضيقا فلا يصح أن يحولها إلى نفل مطلق، لان صلاة الفريضة اذا ضاق وقتها لا يتحمل الوقت سواها، لكن الوقت في سعة والجماعة قد فاتته، نقول: لا باس أن تحولها إلى نفل مطلق وتسلم من ركعتين وتذهب إلى وعدك، ثم بعد ذلك تعود إلى فريضتك، فصار الانتقال ثلاثا:

1_ من مطلق إلى معين: لا يصح المعين ويبقي المطلق صحيحا.
2_ من معين إلى معين: يبطل الأول ولا ينعقد الثاني.
3_ من معين إلى مطلق: يصح ويبقي المعين عليه.
نية الإمامة والإتمام: الجماعة تحتاج إلى إمام ومأموم، واقلها اثنان: إمام ومأموم. وكلما كان اكثر فهو احب إلى الله، ولابد من نية المأموم والإتمام، وهذا شئ متفق عليه، يعني إذا دخلت في جماعة فلابد أن تنوي الإتمام بامامك الذي دخلت معه. ولكن_ كما قلنا_ النية لا تحتاج إلى كبير عمل، لان من أتى إلى المسجد فانه قد نوي أن يتم. أما الإمام فقد اختلف العلماء_ رحمهم الله_ هل يجب أن ينوي أن يكون أو لا يجب؟!فقال بعض أهل العلم: لابد أن ينوي انه الإمام، وعلي هذا لو جاء رجلان ووجدا رجل يصلي ونويا أن يكون الرجل إماما لهما، فصفا خلفه وهولا يدري بهما، لكن هم نويا انه إمام لهما وصارا يتابعانه، فمن قال انه لابد للإمام أن ينوي الإمامة قال: أن صلاة الرجلين لا تصح، وذلك لان الإمام لم ينوي الإمامة. ومن قال انه لا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة قال: أن صلاة هذين الرجلين صحيحة، لأنهما ائتما به.
فالأول: هو المشهور من مذهب الإمام احمد رحمه الله.
والثاني: هو مذهب الإمام مالك رحمه الله، واستدل بان النبي صلي الله عليه وسلم صلي ذات ليلة في رمضان وحده، فدخل أناس المسجد فصلوا خلفه، والنبي صلي الله عليه وسلم كان أول ما دخل الصلاة لم ينو أن يكون إماما. واستدلوا كذلك بان ابن العباس_ رضي الله عنهما_ بات عند النبي صلي الله عليه وسلم_ ذات ليلة، فلما قام النبي صلي الله عليه وسلم يصلي من الليل قام يصلي وحده، فقام ابن عباس فتوضأ و دخل معه في الصلاة.([25] )ولكن لا شك أن هذا الثاني ليس في دلالة، لان النبي صلي الله عليه وسلم نوي الإمامة، لكن نواها في أثناء الصلاة، ولا باس بان ينويها في أثناء الصلاة. وعلي كل حال الاحتياط في هذه المسالة أن نقول: انه إذا جاء رجلان إلى شخص يصلي فلينبهاه علي انه إمام لهما، فان سكت فقد اقرهما، وان رفض وأشار بيده أن لا تصليا خلفي فلا يصليا خلفه. هذا هو الاحوط والأولى.

ثانيا: هل يشترط أن تتساوى صلاة الإمام مع صلاة المأموم في جنس المشروعية؟ بمعني: هل يصلي الفريضة خلف من يصلي النافلة، أو أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة؟ ننظر في هذا: أما الإنسان الذي يصلي نافلة خلف من يصلي فريضة فلا باس بهذا، لان السنة قد دلت علي ذلك، فان الرسول صلي الله عليه وسلم انفتل من صلاة الفجر ذات يوم في مسجد الخيف بمني، فوجد رجلين لم يصليا، فقال: ما منعكما أن تصليا في القوم؟ قالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا_ يحتمل انهما صليا في رحالهما لظنهما انهما لا يدركان صلاة الجماعة، أو لغير ذلك من الأسباب_ فقال: (( إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة))[26]. ((فإنها)) أي: الثانية، لان الأولى حصلت بها الفريضة وانتهت وبرئت الذمة. إذا إذا كان المأموم هو الذي يصلي النافلة والأمام هو الذي يصلي الفريضة فلا باس بذلك، كما دلت عليه هذه السنة.
أما العكس: إذا كان الإمام يصلي النافلة والمأموم يصلي الفريضة، واقرب مثال لذلك في أيام رمضان، إذا دخل الإنسان وقد فاتته صلاة العشاء ووجد الناس يصلون صلاة التراويح، فهل يدخل معهم بنية العشاء أو يصلي الفريضة وحده ثم يصلي التراويح؟ هذا محل خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: لا يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة، لان الفريضة اعلي من صلاة الإمام. ومنهم من قال: بل يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة، لان السنة وردت بذلك، وهي أن معاذ بن جبل_ رضي الله عنه_ كان يصلي مع النبي_ صلي الله عليه وسلم_ صلاة العشاء،ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. فهي له نافلة ولهم فريضة، ولم ينكر عليه النبي صلي الله عليه وسلم. فان قال قائل: لعل النبي صلي الله عليه وسلم لم يعلم؟ فالجواب عن ذلك أن نقول: أن كان قد علم فقد تم الاستدلال، لان معاذ بن جبل_ رضي الله عنه_ قد شكي إلى الرسول_ عليه الصلة والسلام_ في كونه يطول صلاة العشاء، فالظاهر_ والله اعلم_ أن النبي صلي الله عليه وسلم_ اخبر بكل القضية وبكل القصة. وإذا قدر أن رسول الله _ صلي الله عليه وسلم_ لم يعلم أن معاذا معه، ثم يذهب إلى قومه ويصلي بهم، فان رب الرسول صلي الله عليه وسلم قد علم، وهو الله جلا وعلا، لا يخفي عليه شي في الأرض ولا في السماء، وإذا كان الله قد علم ولم ينزل علي نبيها نكارا لهذا العمل دل هذا علي جوازه، لان الله تعالى لا يقر عباده علي شئ غير مشروع لهم إطلاقا. فتم الاستدلال حئينذ علي كل تقدير. إذا فالصحيح انه يجوز أن يصلي الإنسان صلاة الفريضة خلف من يصلي صلاة النافلة، والقياس الذي ذكر استدلالا علي المنع قياس في مقابلة النص فيكون مطروحا فاسدا لا يعتبر. إذن إذا أتيت في أيام رمضان والناس يصلون صلاة التراويح ولم تصل العشاء فادخل معهم بنية صلاة العشاء، ثم أن كنت قد دخلت معهم في أول ركعة، فإذا سلم الإمام فصل ركعتين لتتم الأربع، وان كنت قد دخلت في الثانية فصل إذا سلم الإمام ثلاث ركعات. وهذا منصوص الإمام احمد_ رحمه الله تعالى_ مع أن مذهبه خلاف ذلك، لكن منصوصه الذي نص عليه وهو شخصيا أن هذا جائز.
إذن تلخص الآتي: من صلي فريضة خلف من يصلي فريضة جائز.
من صلى فريضة خلف من يصلي نافلة فيها خلاف.
من صلي نافلة خلف من يصلي فريضة جائز قولا واحدا.
المثالة الثالثة: في جنس الصلاة، هل يشترط أن تتفق صلاة الإمام والمأموم في نوع الصلاة؟ أي : ظهر مع ظهر، وعصر مع عصر، وهكذا، أم لا؟
ج_ في هذا أيضا خلاف، فمن العلماء من قال: يجب أن تتفق الصلاتان، فيصلي الظهر خلف من يصلي الظهر، ويصلي العصر خلف من يصلي العصر، ويصلي المغرب خلف من يصلي المغرب، ويصلي العشاء خلف من يصلي العشاء، ويصلي الفجر خلف من يصلي الفجر، وهكذا لان النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به قلا تختلفوا عليه))([27].) ومن العلماء من قال: لا يشترط، فيجوز أن تصلي العصر خلف من يصلي الظهر، أو الظهر خلف من يصلي العصر، أو العصر خلف من يصلي العشاء، لان الإتمام في هذه الحال لا يتأثر، وإذا جاز أن يصلي الفريضة خلف النافلة مع اختلاف الحكم، فكذلك اختلاف الاسم لا يضر، وهذا القول اصح. فإذا قال قائل: حضرت لصلاة العشاء بعد أن إذن، ولما أقيمت الصلاة تذكرت أنني صليت الظهر بغير وضوء، فكيف اصلي الظهر خلف من يصلي العشاء؟ نقول له: ادخل مع الإمام وصلي الظهر، أنت نيتك الظهر والإمام نيته العشاء ولا يضر، (( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي)) و أما قول النبي صلي الله عليه وسلم: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه))، فليس معناه فلا تختلفوا عليه في النية، لأنه فصل وبين فقال: (( فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا))([28] )أي: تابعوه ولا تسبقوه، وكلام النبي صلي الله عليه وسلم يفسر بعضه بعضا.وهذا البحث يفرع عليه بحث آخر: إذا اتفقت الصلاتان في العدد والهيئة فلا إشكال في هذا، مثل ظهر خلف عصر. العدد واحد والهيئة واحدة، هذا لا إشكال فيه.لكن إذا اختلفت الصلاتان، بان كانت صلاة المأموم ركعتين والإمام أربعا، أو بالعكس، أو المأموم ثلاثا والإمام أربعا، أو بالعكس. فنقول: أن كانت صلاة المأموم اكثر فلا إشكال، مثل رجل دخل المسجد يصلي المغرب، ولما أقيمت الصلاة ذكر انه صلي العصر بلا وضوء، فهنا صار عليه صلاة العصر. نقول: ادخل مع الإمام بنية صلاة العصر، وإذا سلم الإمام فانك تأتى بواحدة لتتم لك الأربع. وهذا لا إشكال فيه. أما إذا كانت صلاة الإمام اكثر من صلاة المأموم فهذا نقول: أن دخل المأموم في الركعة الثانية فما بعدها فلا إشكال، وان دخل في الركعة الأولى فحيئنذ يأتي الإشكال، ولنمثل: إذا جئت والإمام يصلي العشاء، وهذا يقع كثيرا في أيام الجمع. يأتي الإنسان من البيت والمسجد جامع للمطر أو ما أشبه ذلك، فإذا جاء وجدهم يصلون العشاء، لكن وجدهم يصلون في الركعتين الأخيرتين، نقول: ادخل معهم بنية المغرب، صل الركعتين، وإذا سلم الإمام تأتى بركعة ولا إشكال. وإذا جئت ووجدهم يصلون العشاء الآخرة لكنهم في الركعة الثانية، نقول: أدخل معهم بنية المغرب وسلم مع الإمام ولا يضر، ما ذدت ولا نقصت، هذا أيضا لا إشكال فيه، وعند بعض الناس فيه إشكال: يقول: إذا دخلت معه في الركعة الثانية ثم جلست في الركعة التي هي للإمام الثانية، وهي لك الأولى، فتكون جلست في الأولى للتشهد. نقول: هذا لا يضر، الست إذا دخلت مع الإمام في صلاة الظهر في الركعة الثانية فالإمام سوف يجلس للتشهد وهي لك الأولى؟ هذا نفسه ولا إشكال، وإنما الإشكال إذا جئت إلى المسجد ووجدهم يصلون العشاء وهم في الركعة الأولى ودخلت معهم في الركعة الأولى، حيئنذ ستصلي ثلاثا مع الإمام والإمام سيقوم للرابعة، فماذا تصنع؟ أن قمت معه زدت ركعة، صليت أربعا والمغرب ثلاثا لا أربع، وان جلست تخلفت عن الإمام، فماذا تصنع؟ نقول: اجلس، وإذا كنت تريد أن تجمع فانو مفارقة الإمام و أقرا التحيات وسلم، ثم ادخل مع الإمام

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: رد: باب المراقبة   الأحد مايو 01, 2011 3:31 pm

نقول: اجلس، وإذا كنت تريد أن تجمع فانو مفارقة الإمام و أقرا التحيات وسلم، ثم ادخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، لأنك يمكن أن تدركه. أما إذا كنت لا تنوي الجمع، أو ممن لا يحق له الجمع، فانك في هذه الحال مخير، أنشئت فاجلس للتشهد وانتظر الإمام حتى يكمل الركعة ويتشهد وتسلم معه، وان شئت فانو الانفراد وتشهد وسلم. هذا الذي ذكرناه هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_. ونية الانفراد هنا للضرورة، لان الإنسان لا يمكن أن يزيد في المغرب علي ثلاث، فالجلوس لضرورة شرعية، ولا باس بهذا. ومما يدخل في قوله: (( وتقيم الصلاة)) أركان الصلاة، والأركان هي الأعمال القولية والفعلية التي لا تصح الصلاة إلا بها، ولا تقوم إلا بها. فمن ذلك: تكبيرة الإحرام: أن يقول الإنسان عند الدخول في الصلاة: (( الله اكبر)) لا يمكن أن تنعقد الصلاة فلو نسي الإنسان تكبيرة الإحرام، جاء ووقف في الصف ثم نسي وشرع في القراءة وصلي فصلاته غير صحيحة وغير منعقدة إطلاقا، لان تكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة إلا بها، قال النبي صلي الله عليه وسلم لرجل علمه كيف يصلي، قال: (( إذا قمت إلى الصلاة فاسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر))([29] ) فلابد من التكبير، وكان النبي صلي الله عليه وسلم مداوما علي ذلك.ومن ذلك أيضا: قراءة الفاتحة: فان قراءة الفاتحة ركن لا تصح الصلاة إلا به، لقوله تعالى: ( فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)(المزمل: من الآية20)، وهذا أمر. وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم هذا المبهم في قوله : ( ما تيسر) وان هذا هو الفاتحة، فقال صلي الله عليه وسلم: (( لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب))([30].) وقال: (( من صلي صلاة لم يقرا فيها بأم القران فهي خداج))([31] ) أي: فاسدة غير صحيحة. فقراءة الفاتحة ركن علي كل مصل: الإمام، والمأموم، والمنفرد، لان النصوص الواردة في ذلك عامة لم تستثن شيئا، وإذا لم يستثني الله تعالى ورسوله شيئا فان الواجب الحكم بالعموم، لأنه لو كان هناك مستثني لبينه الله ورسوله، كما قال الله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ )(النحل: من الآية89) ولم يرد عن النبي صلي الله عليه وسلم حديث صحيح صريح في سقوط الفاتحة عن المأموم، لا في السرية والجهرية، لكن الفرق بين السرية والجهرية، أن الجهرية لا تقرا فيها إلا الفاتحة، وتسكت وتسمع لقراءة إمامك.أما السرية فتقرا الفاتحة وغيرها حتى يركع الإمام، لكن دلت السنة علي انه يستثني من ذلك ما إذا جاء الإنسان والإمام راكع، فانه إذا جاء والإمام راكع تسقط عنه قراءة الفاتحة، ودليل ذلك ما أخرجه البخاري عن آبي بكرة_ رضي الله عنه_ انه دخل والنبي صلي الله عليه وسلم راكع في المسجد، فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، قلما سلم النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( أبكم الذي ركع دون الصف ثم مشي إلى الصف؟!)) قال أبو بكرة: أنا يا رسول الله! قال: (( زادك الله حرصا ولا تعد))([32]،) لان النبي صلي الله عليه وسلم علم أن الذي دفع أبا بكرة لسرعته والركوع قبل بان يصل إلى الصف هو الحرص علي إدراك الركعة، فقال له: (( زادك الله حرصا ولا تعد)) أي: لا تعد لمثل هذا العمل فتركع قبل الدخول في الصف وتسرع، قال النبي صلي الله عليه وسلم: (( إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)).([33] )
ولم يأمره النبي صلي الله عليه وسلم بقضاء الركعة التي أسرع لإدراكها، ولو كان لم يدركها لأمره النبي صلي الله عليه وسلم بقضائها، لان النبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة، لأنه مبلغ، والبلغ يبلغ متي احتيج الي التبليغ، فإذا كان الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ لم يقل له انك لم تدرك الركعة علم انه قد أدركها، وفي هذه الحال تسقط عنه الفاتحة. وهناك تعليل أيضا مع الدليل، وهو أن الفاتحة إنما تجب مع القيام،والقيام في هذه الحال قد سقط من اجل متابعة الإمام، فإذا سقط القيام سقط الذكر الواجب فيه. فصار الدليل والتعليل يدلان علي أن من جاء والإمام راكع فانه يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم ولا يقرا، بل يركع، لكن أن كبر للركوع مرة ثانية فهو افضل، وان لم يكبر فلا حرج، وتكفيه التكبيرة الأولى. ويجب أن يقرا الإنسان الفاتحة وهو قائم، وأما ما يفعله بعض الناس إذا قام الإمام للركعة الثانية مثلا، تجده يجلس ولا يقوم مع الإمام وهو يقرا الفاتحة، فتجده يجلس إلى أن يصل نصف الفاتحة، ثم يقوم وهو قادر علي القيام: نقول لهذا الرجل: أن قراتك للفاتحة غير صحيحة، لان الفاتحة يجب أن تقرا في حال القيام، وأنت قادر علي القيام وقد قرأت بعضها وأنت قاعد، فلا تصح هذه القراءة. أما ما زاد عن الفاتحة فهو سنة في الركعة الأولى والثانية، وأما في الركعة الثالثة في المغرب، أو في الثالثة والرابعة في الظهر والعصر والعشاء فليس بسنة، فالسنة الاقتصار فيما بعد الركعتين علي الفاتحة،وان قرا احانا في العصر والظهر شيئا زائدا عن الفاتحة فلا باس به، لكن الأصل الاقتصار علي الفاتحة في الركعتين اللتين بعد التشهد الأول أن كانت رباعية، أو الركعة الثالثة أن كانت ثلاثية. ومن أركان الصلاة: الركوع، وهو الانحناء تعظيما لله عز وجل، لأنك تستحضر انك واقف بين يدي الله، فتنحني تعظيما له عز وجل، ولها قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( أما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل))([34]،) أي: قولوا سبحان ربي العظيم، لان الركوع تعظيم بالفعل، وقول: (( سبحان ربي العظيم)) تعظيم بالقول، فيجتمع التعظيمان بالإضافة إلى التعظيم الأصلي وهو تعظيم القلب لله، لأنك لا تنحني هكذا إلا لله تعظيما له، فيجتمع في الركوع ثلاثة تعظيمات:
1_ تعظيم القلب.
2_ تعظيم الجوارح.
3_ تعظيم اللسان.
فالقلب: تستشعر انك ركعت لله، واللسان: تقول سبحان ربي العظيم، والجوارح: تحني ظهرك. والواجب في الركوع الانحناء بحيث يتمكن الإنسان من مس ركبتيه بيديه. فالانحناء اليسير لا ينفع، فلابد من أن تعصر ظهرك حتى تتمكن من مس ركبتيه بيديه. وقال بعض العلماء: أن الواجب أن يكون إلى الركوع التام اقرب منه إلى القيام التام والمؤدي متقارب. المهم انه لابد من هصر الظهر. ومما ينبغي في الركوع أن يكون الإنسان مستوي الظهر لا محدودبا، وان يكون رأسه محاذيا لظهره، ولن يضع يديه علي ركبتيه مفرجتي الأصابع، وان يجافي عضديه عن جنبيه، ويقول سبحان ربي العظيم، يكررها ويقول: (( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي ))([35]) ويقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح))([36]). ومن أركان الصلاة: السجود، قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ )(الحج: من الآية77) وقال النبي صلي الله عليه وسلم (( أمرت أن نسجد علي سبعة اعظم: علي الجبهة_ و أشار بيده إلى انفه_ واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين))([37])، فالسجود لابد منه، لأنه ركن لا تتم الصلاة إلا به. ويقول في سجوده (( سبحان ربي الأعلى)). وتأمل الحكمة انك في الركوع انك تقول: (( سبحان ربي العظيم)) لان الهيئة هيئة تعظيم، وفي السجود تقول: (( سبحان ربي الأعلى)) لان الهيئة هيئة نزول. فالإنسان نزل اعلي أفي جسده_ وهو الوجه _ إلى اسفل ما في جسده_ وهو القدمين_ فتري في السجود أن الجبهة والقدمين في مكان واحد، وهذا غاية ما يكون في التنزيه، ولهذا تقول: (( سبحان ربي الأعلى)) أي أنزه ربي الأعلى الذي هو فوق كل شئ عن كل سفل ونزول. أما أنا فمنزل رأسي واشرف أعضائي إلى محل القدمين ومداسها، فتقول: (( سبحان ربي العلي)) تكررها ما شاء الله، ثلاثا أو اكثر حسب الحال، وتقول: (( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ))([38]،) وتقول (( سبوح قدوس رب الملائكة والروح ))([39]) وتكثر من الدعاء بما شئت من أمور الدين ومن أمور الدنيا، لان النبي صلي الله عليه مسلم يقول: (( وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم))([40]،) وقال عليه الصلاة والسلام: (( اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد))([41]،) فاكثر من الدعاء بما شئت، من سؤال الجنة، والتعوذ من النار، وسؤال علم نافع، وعمل صالح، وإيمان راسخ، وهكذا. وسؤال بيت جميل،وامرأة صالحة، وولد صالح، وسيارة، وما شئت من خير الدين والدنيا، لان الدعاء عبادة ولو في أمور الدنيا، قال الله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)(غافر: من الآية60)، قال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ )(البقرة: من الآية186) وفي هذه الآية العصيبة([42] ) ينبغي أن نطيل السجود، وان نكثر من الدعاء بان يأخذ الله علي أيدي الظالمين المعتدين، ونلح ولا نستبطئ الإجابة، لان الله حكيم قد لا يستجيب الدعوة بأول مرة أو ثانية أو ثالثة، من اجل أن يعرف الناس شدة افتقارهم إلى الله فيزدادوا دعاء، والله_ سبحانه وتعالى_ احكم الحاكمين_ حكمته بالغة لا نستطيع أن نصل إلى معرفتها، ولكن علينا أن نفعل ما امرنا به من كثرة الدعاء.ويسجد الإنسان بعد الرفع من الركوع، ويسجد علي ركبتيه أولا ثم كفيه، ثم جبهته وانفه، ولا يسجد علي اليدين أولا، لان النبي صلي الله عليه وسلم نهي عن ذلك فقال : ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك البعير))([43]،) وبروك البعير يكون علي اليدين أولا كما هو مشاهد، كل من شاهد البعير إذا بركت يجد إنها تقدم يديها، فلا تقدم اليدين، والرسول_ عليه الصلاة والسلام_ نهي عن ذلك، لان تشبه بني آدم بالحيوان _ ولا سيما في الصلاة_ أمر غير مرغوب فيه.
ولم يذكر الله تعالى تشبيه بني آدم بالحيوان إلا في مقام الذم. استمع إلى قول الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ)(لأعراف: من الآية175الي176)، وقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ)(الجمعة: من الآية5)، وقال النبي صلي الله عليه وسلم: (( العائد في هبته كالبيقئ ثم يعود في قيئه))([44]،) وقال صلي الله عليه وسلم: (( الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا))([45]). فأنت تري تشبيه بني آدم بالحيوان لم يكن إلا في مقام الذم، ولهذا نهي المصلي أن يبرك كما يبرك البعير فيقدم يديه! بل قدم الركبتين إلا إذا كان هناك عذر، كرجل كبير يشق عليه أن ينزل الركبتين أولا، فلا حرج أو إنسان مريض،أو إنسان في ركبتيه أذى، وما أشبه ذلك. ولا بد أن يكون السجود علي الأعضاء السبعة: الجبهة، والأنف تبع لها، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين. فهذه سبة امرنا أن نسجد عليهما كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، والذي امرنا ربنا_ عز وجل_ فنقول: سمعا وطاعة، ونسجد علي الأعضاء السبعة في جميع السجود، فما دمنا ساجد ينفلا يجوز أن نرفع شيئا من هذه الأعضاء، بل لابد أن تبقي هذه الأعضاء ما دمنا ساجدين. وفي حال السجود ينبغي للإنسان أن يضم قدميه بعضها إلى بعض ولا يفرج. أما الركبتان فلم يرد فيهما شئ، فتبقي علي ما هي عليه علي الطبيعة. وأما اليدان فتكونان علي حذو المنكبين، أي: الكتفين، أو تقدمهما قليلا حتى تسجد بينهما، فلها صفتان: الصفة الأولى أن تردها حتى تكون علي حذاء الكتف، والصفة الثانية: أن تقدمها قليلا حتى تكون علي حذاء الجبهة، كلتاهما وردتا عن الرسول عليه الصلاة والسلام. وينبغي أن تجافي عضديك عن جنبيك، وان ترفع ظهرك . ألا إذا كنت في الصف وخفت أن يتأذى جارك من مجافاة العضدين فلا تؤذي جارك، لأنه لا ينبغي أن تفعل سنة يتأذى بها أخوك المسلم وتشوش عليه. وقد رأيت بعض الاخوة الذين يحبون أن يطبقوا السنة ويمتدون في حال السجود امتدادا طويلا، حتى تكاد تقول انهم منبطحون، وهذا لا شك انه خلاف السنة، وهو بدعة. بل السنة أن ترفع ظهرك وان تعلو فيه. وهذه الصفة التي أشرت إليها من بعض الاخوة كما إنها خلاف السنة ففيها إرهاق عظيم للبدن، لان التحمل في هذه الحال يكون علي الجبهة والأنف، وتجد الإنسان يضجر من أطال السجود.ففيها مخالفة السنة وتعذيب البدن، فلهذا ينبغي إذا رأيتم أحدا يسجد علي هذه الكيفية أن ترشدوه إلى الحق، وتقولوا له: هذا ليس بسنة. وينبغي في حال السجود أيضا أن يكون الإنسان خاشعا لله _ عز وجل_ مستحضرا علو الله سبحانه وتعالى، لأنك سوف تقول: سبحان ربي الأعلى، أي تنزيها له بعلوه_ عز وجل_ عن كل سفل ونزول، ونحن نعتقد بان الله عال بذاته فوق جميع مخلوقاته، كما قال الله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)(الأعلى:1)، واثبات علو الله في القران والسنة اكثر من أن يحضر. والإنسان إذا دعا يرفع يديه إلى السماء إلى الله عز وجل، وفي السماء فوق كل شئ، وقد ذكر الله أن استوي علي عرشه في سبع آيات من القران، والعرش اعلي المخلوقات، والله فوق العرش جلا وعلا. ومن أركان الصلاة : الطمأنينة، أي: الاستقرار والسكون في أركان الصلاة، فيطمئن في القيام، وفي الركوع، وفي القيام بعد الركوع، وفي السجود، وفي الجلوس بين السجدتين، وفي بقية أركان الصلاة، وذلك لما أخرج الشيطان_ البخاري ومسلم_ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه([46]) أن رجلا جاء فدخل المسجد فصلي، ثم سلم علي النبي صلي الله عليه وسلم فرد عليه السلام وقال: (( ارجع فصل فانك لم تصل)) يعني: لم تصلي صلاة تجزئك. فرجع الرجل فصلي، ثم جاء فسلم علي النبي صلي الله عليه وسلم فرد عليه وقال: (( ارجع فصل فانك لم تصل)) فرجع وصلي ولكن كصلاته الأولى، ثم جاء إلى النبي صلي الله وسلم عليه، فرد عليه وقال: (( ارجع فصل فانك لم تصل)) فقال: والذي بعثك بالحق لا احسن غير هذا فعلمني. وهذه هي الفائدة من كون النبي صلي الله عليه وسلم لم يعلمه لأول مرة، برده حتى صلي ثلاث مرات، من اجل أن يكون متشوفا للعلم، مشتاقا إليه، حتى يأتيه العلم ويكون كالمطر النازل علي ارض يابسة تقبل الماء، ولهذا اقسم بأنه لا يحسن غير هذا، وطلب من النبي صلي الله عليه وسلم أن يعلمه. ومن المعلوم أن النبي صلي الله عليه وسلم سوف يعلمه، لكن فرق بين المطلوب والمجلوب، إذا كان هو الذي طلب أن يعلم صار اشد تمسكا وحفظا لما يلقي إليه.وتأمل قسمة بالذي بعث النبي صلي الله عليه وسلم بالحق. فقال: (( والذي بعثك بالحق)) وما قال(( والله!) لاجل أن يكون معترفا غاية الاعتراف بان ما يقوله النبي صلي الله عليه وسلم حق. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (( إذا قمت للصلاة فاسبغ الوضوء)) أي: توضا وضوءا كاملا، (( ثم استقبل القبلة فكبر)) أي: قل: الله اكبر، وهذه تكبيرة الإحرام. (( ثم أقرا ما تيسر معك من القران))وقد بينت السنة انه لابد من قراءة الفاتحة. (( ثم اركع حتى تطمئن راكعا)) أي: لا تسرع، بل اطمئن واستقر. (( ثم ارفع حتى تطمئن قائما)) أي: إذا رفعت من الركوع اطمئن كما كنت في الركوع، ولهذا من السنة أن يكون الركوع، ولهذا من السنة أن يكون الركوع والقيام بعد الركوع متساويين أو متقاربين. (( ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا)) أي: تطمئن وتستقر. (( ثم ارفع حتى تطمئن جالسا))وهذه الجلسة بين السجدتين.(( ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا)) هذا هو السجود الثاني. قال: (( ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) أي: افعل هذه الأركان: القيام، والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والسجدة الثانية، في جميع الصلاة. الشاهد من هذا قوله: (( حتى تطمئن)) وقوله فيما قبل: (( انك لم تصل)) فدل هذا علي انه من لا يطمئن في صلاته في صلاة له. ولا فرق في هذا بين الركوع والقيام بعد الركوع، والسجود والجلوس بين السجدتين ، كلها لابد أن يطمئن الإنسان فيها. قال بعض العلماء والطمئنية أن يستقر بقدر ما يقول الذكر الواجب في الركن، ففي الركوع بقدر ما تقول : (( سبحان ربي الأعلى ))، وفي الجلوس بين السجدتين بقدر ما تقول: (( رب اغفر لي )) ، في القيام بعد الركوع بقدر ما تقول: (( ربنا ولك الحمد )) ، فهكذا. ولكن الذي يظهر من السنة أن الطمأنينة أمر فوق ذلك، لأن كون الطمأنينة بمقدار أن تقول (( سبحان ربي العظيم)) في الركوع لا يظهر لها أثر، لان الإنسان إذا قال: الله اكبر، سبحان ربي العظيم، ثم يرفع، أين الطمأنينة؟ فالظاهر انه لابد من استقرار بحيث يقال: هذا الرجل مطمئن. وعجبا لابن آدم كيف يلعب به الشيطان!! هو واقف بين يدي الله _ عز وجل_ يناجي الله ويتقرب إليه بكلامه وبإثناء عليه وبالدعاء، ثم كأنه ملحوق في صلاته، كان عدوا لاحق له، فتراه يهرب من الصلاة، لماذا؟ أنت لو وقفت بين يدي ملك من ملوك الدنيا يناجيك ويخاطبك،لو بقت معه ساعتين تكلمه لوجدت ذلك سهلا، تقف علي قدميك، ولا تنتقل من ركوع إلى سجود، والي جلوس، وتفرح أن هذا الملك يكلمك ولو جلس معك مدة طويلة، فكيف وأنت تناجي ربك الذي خلقك، ورزقك، و أمدك، واعدك، تناجيه وتهرب هذا الهروب؟! لكن الشيطان عدو للإنسان، والعاقل الحازم المؤمن هو الذي يتخذ الشيطان عدوا، كما قال الله تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)(فاطر:6). فالواجب علي الإنسان أن يطمئن في صلاته طمأنينة تظهر عليه في جميع أفعال الصلاة، وكذلك أقوالها. مسالة: ما حكم من لم يقم الصلاة؟ الجواب عن ذلك أن نقول: أما من لم يقمها علي وجه الكمال، يعني انه أخل ببعض الأشياء المكملة للصلاة، فان هذا محروم من الأجر الذي يحصل له بإكمال، لكنه ليس بإثم، فمثلا: لو اقتصر علي (( سبحان ربي العظيم)) في الركوع مع الطمأنينة لكان كافيا، لكنه محروم من زيادة الأجر في التسبيح. وأما من لم يقمها أصلا، يعني انه تركها بالكلية، فهذا كافر مرتد عن الإسلام كفرا مخرجا عن الملة، يخرج من عداد المسلمين في الدنيا، ويكن في عداد الكافرين في الآخرة، اخبر النبي صلي الله عليه وسلم انه يحشر مع فرعون وهامان، وقارون، وأبي خلف، وهؤلاء رؤوس الكفرة يحشر معهم. والعياذ بالله أما في الدنيا فانه كافر مرتد يجب علي ولي الأمر أن يدعوه للصلاة، فان صلي فذاك، وان لم يصل قتله قتل ردة والعياذ بالله، وإذا قتل قتل ردة حمل في سيارة بعيدا عن البلد، وحفر له حفرة ورمس فيها حتى لا يتأذى الناس برائحته ولا يتأذى أهله وأصحابه بمشاهدته، فلا حرمة له لو ابقي علي وجه الأرض هكذا، ولهذا لا نغسله، ولا نكفنه، ولا نصلي عليه، ولا ندنيه من مساجد المسلمين للصلاة عليه، لأنه كافر مرتد. فإذا قال قائل: ما هذا الكلام؟ أهذا جزاف أم تحامل أم عاطفة؟ قلنا: ليس جزافا، ولا تحاملا، ولا عاطفة، ولكننا نقول بمقتضى دلالة كلام الله تعالى وكلام رسوله صلي الله عليه وسلم وكلام أصحاب رسوله رضي الله عنهم. أما كلام الله: فقد قال الله تعالى في سورة التوبة عن المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)(التوبة: من الآية11) وان لم يكن؟ فليس أخوانا لنا في الدين، وإذا لم يكونوا أخوانا لنا في الدين فهم كفرة، لان كل مؤمن ولو كان عاصيا اكبر معصية لكنها لا تخرج من الإسلام فهو أخ لنا، إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فمن المعلوم أن قتال المسلم كفر، لكن لا يخرج من الملة، لان النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))([47]،) ومع ذلك افن هذا المقاتل لأخيه أخ لنا، ولا يخرج من دائرة ، لقول الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(الحجرات: من الآية9) إذا الطائفتان المقتتلتان اخوة لنا مع إنها معصية عظيمة. فإذا قال الله في المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ )(التوبة: من الآية11)، إذا إذا لم يقوموا بهذه الأعمال فلسوا باخوة لنا، هذا من القران أما من السنة: فاستمع إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر ابن عبد الله_ رضي الله عنهما_ أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: (( بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة))([48]،) والبينية تقتضي التمييز والتفريق، وان كل واحد غير الآخر، (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) فإذا تركها صار غير مسلم، صار مشركا أو كافرا. وما رواه أهل السنن عن بريدة بن الحصيب_ رضي الله عنه_ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر))([49])، العهد الذي بيننا وبين الكفار أي: الشيء الفاصل الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر، صار منهم وليس منا.
وهذا نص في الموضوع! أما ما قاله الصحابة رضي الله عنهم: فاستمع إلى ما قاله عبد الله بن شقيق_ وهو من التابعين المشهورين_ قال رحمه الله: (( كان أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة))([50]). وقد نقل إجماع الصحابة علي كفر تارك الصلاة إسحاق بن راهويه الإمام المشهور رحمه الله، وبعض أهل العلم. وإذا قدر أن فيهم من خالف فان جمهورهم_ أهل الفتوى منهم_ يقولون انه كافر. هذه أدلة من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلي الله عليه وسلم وكلام الصحابة رضي الله عنهم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وناهيك به: (( لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة)) ولا نافية للجنس، تنفي الكثير والقليل، والذي لاحظ له لا قليل ولا كثير في الإسلام ما هو إلا كفر، إذن فمن ترك الصلاة فهو كافر. ويترب علي ترك الصلاة أمور دنيوية وأمور أخروية: الأمور الدنيوية: أولا: انه يدعي إلى الصلاة، فان صلي وإلا قتل، وهذا واجب علي ولاة الأمور وجوبا، وهم إذا فرطوا في هذا فسوف يسألهم الله تعالى إذا وقفوا بين يديه، لان كل مسلم ارتد عن الإسلام فانه يدعي إليه، فان رجع وإلا قتل. قال الرسول صلي الله عليه وسلم: (( من بدل دينه فاقتلوه))([51]) ثانيا: لا يزوج إذا خطب، وان زوج فالعقد باطل، والمرأة لا تحل له أن يطأها، وهو يطأ أجنبية والعياذ بالله، لان العقد غير صحيح، لقوله تعالى: (ó فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)(الممتحنة: من الآية10) ثالثا: انه لا ولاية له علي أولاده، ولا علي أخواته، ولا علي أحد من الناس، لان الكافر لا يمكن أن يكون وليا علي مسلم أبدا، حتى بنته لا يزوجها. ولو فرضنا واحدا بعدما تزوج، وكبر وصار له بنات، لا يصلي والعياذ بالله، فانه لا يمكن أن يزوج بنته. ولكن إذا قال قائل: هذا مشكل، يوجد أناس عندهم بنات وهم لا يصلون، كيف نعمل؟ نقول: في مثل هذا الحال إذا كان لا يمكن التخلص من أن يعقد النكاح للبنات فان الزوج يجعل أخاها أو عمها مثلا أو أحدا من عصابتها الأقرب فالأقرب، حسب ترتيب الولاية، يعقد له بالسر عن أبيها حتى يتزوج امرأة بعقد صحيح، أما عقد أبيها لها وهو مرتد كافر فلا يصح، ولو يعقد ألف مرة فليس بشيء. رابعا: لو ترك الصلاة في أثناء زواجه انفسخ نكاحه، ومثاله: رجل تزوج أمراه وهي تصلي وهو يصلي، وبعد ذلك ترك الصلاة، فإننا نقول: يجب التفريق بينه وبين المرأة وجوبا حتى يصلي، فإذا فرقنا بينهما واعتدت فانه لا يمكن أن يرجع إليها، أما قبل انتهاء العدة، فانه إذا اسلم ورجع إلى الإسلام وصلي فهي زوجته، أما إذا انتهت العدة فقد انفصلت منه، ولا تحل له إلا بعقد جديد علي قول جمهور أهل العلم، وبعضهم يقول: إنها إذا انتهت من العدة ملكت نفسها، ولكن لو اسلم أرادت أن ترجع إليه فلا باس بدون عقد، وهذا القول هو الراجح، دلالة السنة عليه، لكن فائدة العدة هو إنها قبل العدة إذا اسلم لا خيار لها، وأما بعد العدة فلها الخيار إذا اسلم، أن شاءت رجعت إليه، وان شاءت لم ترجع. خامسا: ومن ذلك أيضا انه لا ولاية له علي أحد ممن يتولاه لو كان مسلما، لان من شروط الولاية العدالة، والكافر ليس بعدل، فلا يكون تارك الصلاة وليا علي أحد من عباد الله المسلمين أبدا، حتى لو كانت ابنته فانه لا يزوجها، لأنه ليس له ولاية عليها. سادسا: ومن ذلك أيضا انه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلي عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وإنما يخرج به إلى البر ويحفر له حفرة يرمس فيها رمسا لا قبرا، لأنه ليس له رحمة. ولا يحل لاحد يموت عنده شخص وهو يعرف انه لا يصلي أن يغسله أو يكفنه أو يقدمه للمسلمين يصلون عليه، لأنه يكون بذلك غاشا للمسلمين، فان الله تعالى قال لنبيه_ عليه الصلاة والسلام_ في حق المنافقين، وهم كفار لكن يظهرون الإسلام، قال: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ )(التوبة: من الآية84) فدل هذا علي أن الكفر مانع من الصلاة، ومن القيام علي القبر بعد الدفن. وقال الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)(التوبة:113) ويسال بعض الناس عن الرجل المتهم بترك الصلاة يقدم للصلاة عليه بعد موته وأنت شاك هل هو يصلي أولا؟ فنقول: إذا كان هذا الشك مبنيا علي اصل فانك إذا أردت أن تدعوا له تقول: اللهم أن كان مؤمنا فاغفر له وارحمه)) فتقيده، وبهذا تسلم من شره. وأما الأمور الأخروية المترتبة علي ترك الصلاة فمنها:

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: رد: باب المراقبة   الأحد مايو 01, 2011 3:33 pm

(1) العذاب الذي في قبره، كما يعذب الكافر واشد.
(2) انه يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف.
(3) انه يدخل النار فيخلد فيها ابد الآبدين.
وذهب بعض العلماء إلى انه لا يكفر كفرا خارجا عن الملة، واستدلوا ببعض النصوص، ولكن هذه النصوص لا تخرجه عن أحوال خمسة. (1) أما انه ليس فيها دلالة أصلا علي هذه المسالة، مثل قول بعضهم: أن هذا يعارضه قول الله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)(النساء: من الآية48) ومن جملته تارك الصلاة. فنقول: أن تارك الصلاة في ظاهر حديث جابر الذي رواه مسلم انه مشرك وان كان لا يسجد للصنم، لكنه أتبع لهواه، وقد قال الله: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ )(الجاثـية: من الآية23) ثم علي فرض أن مفهوم الآية أن ما دون الشرك تحت المشئية، فان هذا المفهوم خص بالأحاديث الدالة علي أن تارك الصلاة كافر، وإذا كان المنطوق_ وهو اقوي دلالة من المفهوم_ يخصص عمومه بما دل علي التخصيص، فما بالك بالمفهوم؟ (1) أو استدلوا بأحاديث مقيدة بما لا يمكن لمن اتصف به أن يدع الصلاة. مثل قول النبي صلي الله عليه وسلم: (( أن الله قد حرم علي النار من قال لا الاه إلا الله يبتغي بذلك وجه الله))([52]،) فان قوله: (( يبتغي بذلك وجه الله))، تمنع منعا باتا أن يدع الإنسان الصلاة، لان من قال لا اله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، فلابد أن يعمل عملا لما يبتغيه وهو وجه الله. واعظم عمل يحصل به رضا الله_ عز وجل_ هو الصلاة. فهذا الحديث ليس فيه دليل علي أن تارك الصلاة لا يفكر. لأنه مقيد بقيد يمتنع معه غاية الامتناع أن يدع الإنسان الصلاة.

3_ أو مقيد بحال يعذر فيها من ترك الصلاة، مثل حديث حذيفة الذي أخرجه بعض أهل السنن في قوم لا يعرفون من الإسلام إلا قول لا الاه إلا الله، وهذا في وقت اندراس الإسلام([53])، وصار لا يعلم عن شئ منه إلا قول لا الاه إلا الله فإنها تنجيهم من النار، لانهم مذودون بعدم العلم بفرائض الإسلام، ونحن نقول بهذا، لو أن قوما في بادية بعيدون عن المدن، وبعيدون عن العلم، لا يفهمون من الإسلام إلا (( لا الاه إلا الله)) وماتوا علي ذلك فليسوا كفارا.
4_ واستدلوا بأحاديث عامة، وهذه الأحاديث من قواعد أصول الفقه أن العام يخصص بالخاص، فالأحاديث العامة الدالة علي أن من قال لا اله إلا الله فهو في الجنة، وما أشبه ذلك، نقول: هذه مقيدة أو مخصوصة بأحاديث كفر تارك الصلاة.
5_ واستدلوا بأحاديث ضعيفة لا تقاوم الأحاديث الصحيحة الدالة علي كفر تارك الصلاة، فضلا عن أن تعارضها، فهي لا تعارض ولا تقاوم الأحاديث الدالة علي كفر تارك الصلاة. ثم أن بعضهم لم يتيسر له إقامة الدليل علي أن تارك الصلاة لا يكفر قال: انه يحمل قوله صلي الله عليه وسلم: (( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة))([54])، علي الكفر الأصغر والشرك الأصغر، فيكون بمعني قول ابن عباس رضي الله عنهما: (( كفر دون كفر)) فيقال: ما الذي يوجب لنا أن نحمل الحديث علي ذلك، لان الكفر إذا أطلق ولم يوجد له معارض فهو الكفر الحقيقي الأكبر. كيف وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (( بين الرجل وبين الكفر والشرك))، فجعل هنا حدا فاصلا ((بين)) والبينية تقتضي المتباينين منفصلان بعضهما عن بعض، وان المراد بالكفر الكفر الأكبر.وحيئذ تكون أدلة القول بكفر تارك الصلاة موجبة لا معارض لها ولا مقاوم لها، والواجب علي العبد المؤمن إذا دل كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم علي حكم من الأحكام أن يقول به، لأننا نحن ليس بمشرعين، بل المشرع الله، ما قاله تعالى وما قاله رسوله صلي الله عليه وسلم فهو الشرع، نأخذ به ونحكم بمقتضاه، ونؤمن به سواء وافق أهواءنا أم خالفها، فلا بد أن نأخذ بما دل عليه الشرع.
واعلم أن كل خلاف يقع بين الأمة إذا كان الحامل عليه حسن القصد مع بذل الجهد في التحري، لا يلام عليه ولا يضلل، لأنه مجتهد، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (( إذا حكم الحاكم فاجتهد فاخطا، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله اجر))([55]). وليس من حق الإنسان أن يقدح في أخيه إذا خالفه في الرأي بمقتضي الدليل عنده. أما من عاند و اصر بعد قيام الحجة عليه فهذا هو الذي يلام. وبهذا التقرير نعرف انه يجب الحذر التام من التهاون بالصلاة، وانه يجب علي من رأي شخصا متهاونا فيها أن ينصحه بعزيمة وجد، لعل الله أن يهديه علي يده فينال بذلك خيرا كثيرا. وقوله: (( إيتاء الزكاة)): إيتاء بمعني إعطاء، و إتيان بمعني مجيء، وأتى بمعني جاء، وأتى بمعني أعطى، فإيتاء الزكاة يعني إعطائها لمن عين الله سبحانه أن يعطوا إياها، والزكاة مأخوذة من الزكاة، وهو الطهارة والنماء، لان الذكي يطهر نفسه من البخل، وينمي ماله بالزكاة قال الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا )(التوبة: من الآية103) والزكاة تعريفها: نصيب مقدرا شرعا من المال مخصوص لطائفة مخصوصة. (( نصيب من المال)) وليس كل المال، بل أموال معينه بينها الرسول عليه الصلاة والسلام، وبعضها مبين في القران. وليس كل هذه الأجناس من المال تجب فيه الزكاة، بل لابد من شروط. والزكاة جزء بسيط يؤدي بها الإنسان ركنا من أركان الإسلام، يطهر بها نفسه من البخل والرذيلة ، ويطهر بها صفحات كتابه من الخطايا، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: (( الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار))([56])، وافضل الصدقات الزكاة، فدرهم تخرجه في زكاتك افضل من درهم تخرجه طوعا، لان الله تعالى قال في الحديث القدسي: (( وما تقرب إلى عبدي بشي احب إلى مما افترضته عليه))([57])، وركعة من صلاة مفروضة افضل من ركعة من صلاة تطوع، فالفرائض افضل من التطوع. ففي الصلاة تكفير الخطايا، وفيها الإحسان إلى الخلق، لان المزكي يحسن إلى المدفوع إليه الزكاة فيدخل في عداد المحسنين الذين يدخلون في محبة الله، كما قال الله تعالى: (ö وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(البقرة: من الآية195) وفي الزكاة أيضا: تأليف بين الناس، لان الفقراء إذا أعطاهم الأغنياء من الزكاة، ذهب ما في نفوسهم من الحقد علي الأغنياء، أما إذا منعهم الأغنياء ولم يتفضلوا علهم بشيء صار في نفوسهم أحقاد علي الأغنياء. وفي الزكاة أيضا إغناء للفقراء عن التسلط، لان الفقير إذا قدر أن الغني لا يعطيه شيئا فانه يخشى منه أن يتسلط وان يكسر الأبواب وينهب الأموال، لأنه لابد أن يعيش، لابد أن يأكل ويشرب، فإذا كان لا يعطي شيئا فان الجوع والعطش والعري يدفعه علي أن يتسلط علي الناس بالسرقة والنهب وغير ذلك. وفي الزكاة أيضا: جلب للخيرات من السماء، فانه قد ورد في الحديث: (( ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء))([58]). فإذا أدى الناس زكاة أموالهم انزل الله لهم بركات من السماء والأرض، وحصل في هذا نزول المطر ونبات الأرض وشبع المواشئ وسقي الناس بهذا الماء الذي ينزل من السماء، وغير ذلك من المصالح الكثيرة.
وفي الزكاة أيضا: أعانه للمجاهدين في سبيل الله، لان من أصناف الزكاة الجهاد في سبيل الله، كما قال الله: ( وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ)(التوبة: من الآية60) وفي الزكاة تحرير الرقيق من الرق، فان الإنسان يجوز له أن يشتري عبدا مملوكا من الزكاة فيعتقه، لان الله قال: (ú وَفِي الرِّقَابِ)(التوبة: من الآية60) وفي الزكاة أيضا: فك اذمم من الديون. كم من إنسان ابتلي بتراكم الديون عليه فتؤدي عنه من الزكاة، فيحصل في هذا خير كثير، فكاك لذمته ورد حق لمن له الحق. وفي الزكاة أيضا: إعانة المسافرين الذين تنقطع بهم السبل، فيضيع ماله الذي أتى به معه ولا يجد ما يوصله إلى بلده، فهذا يعطي من الزكاة مل يوصله إلى بلده ولو كان غنيا في بلده. المهم أن الزكاة فيها مصالح كثيرة، ولهذا صارت ركنا من أركان الإسلام. واختلف العلماء فيما لو تهاون الإنسان بها: هل يكفر كما يكفر بالتهاون بالصلاة أو لا؟ والصحيح انه لا يكفر، ودليل ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحي له صفائح من نار فاحمي عليها في نار جهنم، فيكوي بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد فيري سبيله: أما إلى الجنة وأما إلى النار))([59])، فان هذا الحديث يدل علي انه لا يكفر، لأنه لو كان كافرا بترك الزكاة لم يكن له سبيل إلى الجنة، والحديث يقول: ثم يري سبيله: أما إلى الجنة وأما إلى النار)) وعن الإمام احمد_ رحمه الله_ رواية انه يكفر إذا بخل بالزكاة، قال: لأنها ركن من أركان الإسلام، وإذا فات ركن من أركان البيت سقط البيت. ولكن الصحيح انه: لا يكفر، إلا انه علي خطر عظيم_ والعياذ بالله_ وفيه هذا الوعيد الشديد. مسالة في الأموال الزكوية: لان الأموال ليست كلها فيها زكاة، بل منها ما فيه الزكاة ومنها ما لا زكاة فيه، فالزكاة واجبة في أمور: أولا: الذهب والفضة: فتجب الزكاة فيهما علي أي حال كانا، سواء كانت نقودا كالدراهم والدنانير، أو تبرا كالقطع من الذهب والفضة، أو حليا يلبس أو يستعار، أو غير ذلك. فهذا المعدن_ وهو الذهب والفضة_ فيه الزكاة علي كل حال، لكن بشرط أن يبلغ النصاب لمدة سنة كاملة. والنصاب من الذهب: خمسة وثمانون جراما، والنصاب من الفضة ستة وخمسون ريالا سعوديا، وهي خمس مائة وخمسة وتسعون جراما(595). فمن عنده من الذهب أو الفضة هذا المقدار ملك النصاب، فإذا استمر ذلك إلى تمام السنة ففيه الزكاة، وان نقص فلا زكاة فيه. لو كان عنده ثمانون جراما فلا زكاة عليه، او كان عنده خمس مائة وتسعون جراما(590) من الفضة فلا زكاة عليه. واختلف العلماء: هل يكمل نصاب الذهب بالفضة أو لا؟ يعني لو ملك نصف نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضة، فهل يكمل بعضها ببعض ونقول انه ملك نصابا فتجب عليها الزكاة أو لا؟ الصحيح تنه لا يكمل الذهب من الفضة ولا الفضة من الذهب، فكل واحد مستقل بنفسه، كما انه لا يكمل البر من الشعير، أو الشعير من البر، فكذلك لا يكمل الذهب بالفضة، ولا الفضة بالذهب، فلو كان عند الإنسان نصف نصاب من الذهب، ونصف نصاب من الفضة، فلا زكاة عليه.ويلحق بالذهب والفضة ما جري مجري الذهب والفضة، وهي العملة النقدية، من ورق أو نحاس أو غيره، فان هذه فيها الزكاة إذا بلغت نصابا بأحد النقدين، بالذهب أو بالفضة، فان لم تبلغ فلا زكاة. فمثلا: إذا كان عند الإنسان ثلاثمائة من الريالات الورقية، لكنها لا تبلغ نصابا من الفضة، فلا زكاة عليه، لان هذه مربوطة بالفضة. وأما الجواهر الثمينة من غير الذهب والفضة، مثل اللؤلؤ والمرجان والمعادن الأخرى، كالألماس وشبهه، فهذه ليس فيها زكاة ولو كثر ما عند الإنسان منها، إلا ما اعد للتجارة ففيه الزكاة من أي صنف كان، أما ما لا يعد للتجارة فلا زكاة فيه، إلا الذهب والفضة. الصنف الثاني مما تجب فيه الزكاة: بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، ففيها الزكاة، لكن بشرط أن تبلغ نصابا، واقل نصاب في الإبل خمس، واقل نصاب في البقر ثلاثون، واقل نصاب في الغنم أربعون. والبهيمة ليست كغيرها من الأموال إذا بلغت النصاب، فما ذاد فبحسبانه، لا بل هي مرتبة. ففي أربعين من الغنم شاة أيضا حتى تبلغ مائة واحدي وعشرين(121) فيكون فيها شاتان. فالوقص ما بين النصابين ليس فيه زكاة، فمن أربعين إلى مائة وعشرين كلها ليس فيها إلا شاة واحدة. ومن مائة و و احدي وعشرين إلى مائتين فيه شاتان. وفي مائتين وواحدة(201) ثلاث شياه، وفي ثلاثمائة وتسع وتسعين ثلاث شياه، وفي أربعمائة: أربع شياه. وكذلك الإبل: من أربع وعشرين فاقل زكاتها من الغنم علي كل خمس شاة، ومن الخمس وعشرين فما فوق زكاتها من الإبل، لكنها باسنان مختلفة. وبهيمة الأنعام يشترط لوجوب الزكاة فيها أن تبلغ النصاب، وان تكون سائمة، والسائمة الراعية التي ترعي في البر ولا تعلف، أما السنة كلها وأما اكثر السنة. فإذا كان عند الإنسان أربعون شاة تسرح وترعي كل السنة ففيها زكاة، وإذا كانت تسرح وترعي ثمانية اشهر ففيها الزكاة، ومثلها سبع اشهر، وإذا كانت ستة اشهر ترعي وستة اشهر تعلف فليس فيها زكاة، وإذا كانت تعلف كل السنة فليس فيها زكاة، لأنه يشترط أن تكون سائمة، أما السنة كلها أو أكثرها. ولكن إذا كان الإنسان متاجرا في الغنم مثلا وليس يبقيها للتنمية والنسل، وإنما يشتري البهيمة اليوم ويبيعها غدا يطلب الربح، فهذا عليه الزكاة، ولم لم يكن عنده إلا واحدة إذا بلغت نصابا في الفضة، لان عروض التجارة فيها الزكاة بكل حال، ونصابها مقدر بنصاب الذهب أو الفضة، والغالب أن الاحظ للفقراء هو الفضة في زماننا، لان الذهب غال. الثالث من الأموال الزكوية: الخارج من الأرض من حبوب وثمار، مثل التمر، والبر، والأرز، والشعير، وما أشبهها. وهذا لابد فيه من بلوغ النصاب وهو ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلي الله عليه وسلم. ويعرفه الذين يأخذون الزكاة من الفلاحين. فإذا كان عند الإنسان نخل يثمر، وبلغت ثماره نصابا وجب عليه الزكاة، ويجب عليه أن يخرج من متوسط الثمر، لا من الطيب فيظلم، ولا من الردئ فيظلم، وإنما يكون من الوسط. وإذا باع الإنسان ثمره فانه يزكي من الثمن، ومقدار الزكاة في الخارج من الأرض العشر، أن كان يشرب سيحا بدون مكائن أو مواتير فان فيه العشر كاملا، واحد من عشرة. فإذا كان عنده مثلا عشرة آلاف كيلو فالواجب عليه ألف كيلو. أما إذا كان يستخرج الماء بوسيلة، كالمواتير والمكائن وشبهها، فان عليه نصف العشر، ففي عشر آلاف كيلو خمسمائة فقط، وذلك لان الذي يسقي بمؤونة يغرم فيه الفلاح اكثر من الذي يسقي بلا مؤونة. فكان من حكمة الله_ عز وجل_ ورحمته أن خفف الزكاة علي هذا الذي يسقيه بالمؤونة والتعب. أما الربع من أصناف الزكاة فهو عروض التجارة: وعرض التجارة: كل ما أعده الإنسان للتجارة، من عقارات وأقمشة واواني وسيارات وغيرها، فليس لها شئ معين، فكل ما عرضته للتجارة، يعني ملكته من اجل أن تنتظر فيه الكسب، فانه عروض تجارة يجب عليك أن تزكيه. ومقدار الزكاة فيه ربع العشر كالذهب والفضة، أي: واحد في الأربعين. وفي المائة اثنان ونصف. وإذا كان لديك مال و اردت أن تعرف مقدار الزكاة فالمسالة سهلة، اقسم المال علي اربين والخارج بالقسمة هو الزكاة. فإذا كان عند الإنسان أربعون ألفا من الدراهم، فزكاتها ألف درهم، وفي مائة وعشرين ألف ريال، وهلم جرا، المهم إذا أردت حساب زكاتك من المال فاقسم المال علي أربعين، فاخارج بالقسمة هو الزكاة. وسمي عروض التجارة عروضا، لأنه ليس بثابت، بل يعرض ويزول، فكل شئ يعرض ويزول يسمي عرضا، كما قال الله تعالى: ( تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )(النساء: من الآية94) والآمال التجارية هكذا عند التجار، يشتري الإنسان السلعة لا يريد عينها، وإنما يريد ما وراءها من كسب، ولهذا تجده يشتريها في الصباح وتكسبه في آخر النهار فيبيعها، فعروض التجارة إذن كل ما أعده الإنسان للاتجار فبه زكاة. وكيفية زكاة العروض انه إذا جاء وقت الزكاة في مال تقوم كل ما عندك من هذه العروض وتخرج ربع عشر قيمتها، حتى وان كنت لم تشترها إلا أخيرا. مثال ذلك: تحل زكاته في شهر رجب، واشتري سلعة في شهر ربيع، فنقول له: إذا جاء شهر رجب فقدر قيمتها بما تساوي واخرج زكاتها. فإذا قال: انها لم تتم عندي سنة؟ قلنا: لا عبرة في عروض التجارة بالسنة! عروض التجارة مبنية علي القيمة، والقيمة لها سنة عندك، فتقدرها بما تساوي وقت الوجوب، سواء كانت اكثر مما اشتريتها به أم اقل. فإذا قدر انك اشتريتها بعشرة آلاف ريال(10000) وكانت عند وجوب الزكاة تساوي ثمانية آلاف ريال(8000) فالزكاة علي ثمانية. وإذا اشتريتها بثمانية وكانت تساوي عند وجوب الزكاة عشرة، فالزكاة علي العشرة. وإذا كنت لا تدري هل ستكسب أو لا تكسب فالمعتبر راس المال، فاعتبر راس المال. مصارف الزكاة: تصرف الزكاة علي الذين عينهم الله بحكمته، فقال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)(التوبة: من الآية60) أي: لابد أن تكون الزكاة في هذه الاصناف ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(التوبة: من الآية60) فالفقراء والمساكين: هم الذين لا يجدون كفايتهم وكفاية عوائلهم لمدة سنة. مثاله: رجل موظف براتب شهري قدره أربعة آلاف ريال، لكن عنده عائلة يصرف ستة آلاف ريال، فهذا يكون فقيرا، لأنه لا يجد ما يكفيه. فنعطيه أربعة وعشرين ألفا من الزكاة من اجل أن نكمل نفقته. ورجل آخر راتبه ستة آلاف في الشهر، لكنه عنده عائلة كبيرة، والمؤنة شديدة لا يكفيه لا يكفيه الا اثنا عشر ألفا، فنعطيه من الزكاة اثنين وسبعين ألفا. يقول العلماء: يعطيه ما يكفيه لمدة سنة. ولا نعطيه اكثر من كفاية سنة، لأنه علي مدار السنة تأتى زكاة جديدة تسد حاجته، فلهذا قدرها العلماء بالسنة. فإذا قال قائل: أيهما اشد حاجة: الفقير أو المسكين؟ قال العلماء: إنما يبدأ بالأهم فألاهم، والله تعالى قد بدا بالفقير، فيكون الفقير اشد حاجة من المسكين. الثالث: العاملون عليها: أي: الذين ولاهم رئيس الدولة أمر الزكاة يأخذونها من أهلها وينفقونها في مستحقها، بالعمل لا بالحاجة. فإذا قال ولي الأمر: هؤلاء الواحد منهم إذا عمل بالشهر فراتبه ألف ريال، فنعطيهم علي ألف ريال من الزكاة، وذلك لانهم يتصرفون في الزكاة لمصلحة الزكاة فأعطوا منها. لكن إذا احب ولي الأمر أن يعطيهم من بيت مال المسلمين المال العام ليوفر الزكاة لمستحقيها فلا باس. الرابع: لا مؤلفة قلوبهم: وهم الذين يؤلفون علي الإسلام، يكون رجلا آمن حديثا ويحتاج أن نقوي إيمانه، فنعطيه من الزكاة من اجل إن يالف الاسلام ويحب المسلمين ويتقوي، ويعرف إن دين الإسلام دين صلة ودين رابطة. ثانيا: ومن التأليف أن نعطي شخصا للتخلص من شره، حتى يزول ما في قلبه من الحقد علي المسلمين والعداوة. واختلف العلماء: هل يشترط في المؤلفة قلوبهم أن يكون لهم سيادة وشرف في قومهم أو لا يشترط؟ والصحيح انه لا يشترط، حتى لو أعطيت فردا من الناس لتؤلفه علي الاسلام كفي. أما إذا أعطيت فردا منه الناس من اجل أن تدفع شره فهذا لا يجوز، لان الواحد من الناس ترفعه إلى ولاة الأمور ويأخذون حقك منه. الخامس: ( وَفِي الرِّقَابِ)(البقرة: من الآية177): ذكر العلماء إنها تشمل ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن تشتري عبدا فتعتقه.النوع الثاني: أن تساعد مكاتبا في مكاتبته، والمكاتب هو العبد الذي اشتري نفسه من سيده. الثالث: أن تفك بها أسيرا مسلما عند الكفار أو عند غيرهم، حتى لو اختطف مسلم عند أناس ظلمة ولم يفكوه إلا بفداء من الزكاة فلا باس. السادس: قوله: ( وَالْغَارِمِينَ)(التوبة: من الآية60): والغارم: هو الذي يكون في ذمته دين لا يستطيع وفاءه، أو يكون في ذمته دين لمصلحة عامة وان كان يستطيع وفاءه، ولهذا قال العلماء: أن الغرم نوعان: النوع الأول: الغارم لغيره. والثاني: الغارم لنفسه. الغارم لغيره: هو الذي يغرم مالا لإصلاح ذات البين، مثل أن يكون بين قبيلتين نزاع ومشاجرة ومخاصمة ومعاداة وبغضاء، فيقوم رجل من أهل الخير فيصلح بين القبيلتين علي مال يلتزم به ذمته، فهنا يكون غارما لكن ليس لنفسه، بل لمصلحة عامة، وهي الإصلاح بين هاتين القبيلتين. قال العلماء: فيعطي هذا الرجل ما يوفي به من العزم وان كان غنيا، لان هذا ليس لنفسه، بل لمصلحة الغير. فلو قدر أن رجلا عنده مائة ألف فاصلح بين قبيلتين بعشرة آلاف ريال يستطيع أن يوفيها من ماله، لكن نقول لا يلزمه، بل نعطيه من الزكاة ما يدفع به هذا الغرم، لان ذلك لمصلحة الغير، ولان هذا يفتح باب الإصلاح للناس، لأننا لو لم نعن هذا الرجل ونعطه ما غرم، لتكاسل الناس عن الإصلاح بين الفئات المتناحرة أو المتعادية، فإذا أعطينا من غرم فيكون هذا تنشيط له.أما النوع الثاني: فهو الغارم لنفسه، مثل رجل استأجر بيتا بخمسة آلاف ريال وليس عنده ما يدفع به الاجار. هو نفسه في أكله وشربه ولباسه ليس محتاجا، لكن يحتاج إلى وفاء الدين الذي لزمه بالاستئجار للبيت، فنعطي هذا الرجل أجرة البيت من الزكاة، لأنه من الغارمين. كذلك إنسان أصيب بجائحة اجتاحت ماله، مثل الحريق أو الغرق أو ما أشبه ذلك، وقد لحقه في هذا دين، فنعطيه ما يسدد دينه، لأنه غير قادر علي الوفاء. هذا النوع من الغرم يشترط فيه أن يكون الغارم عاجزا عن وفاء الدين، فان كان قادرا، فانه لا يعطي، ولكن هل يجوز أن يذهب الإنسان لمن له الدين ويقول له: هذا الطلب الذي لك علي فلان خذه، وينويه من الزكاة؟ الجواب: نعم يجوز، وليس بشرط أن تعطي الغارم ليعطي الدائن، بل لو ذهبت للطالب منذ أول الأمر وقلت له: يا فلان بلغني انك تطلب من فلان عشرة آلاف ريال، قال نعم، واثبت ذلك، فتعطيه إياها، ولا حاجة لإخبار المدين، وذلك لان المقصود هنا إبراء الذمة، وهو حاصل سواء أخبرته أم لم تخبره. وتأمل التع(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ)(التوبة: من الآية60) كل هذه الثلاث معطوفة علي قوله (لِلْفُقَرَاءِ)(البقرة: من الآية273) باللام ( وَفِي الرِّقَابِ)(التوبة: من الآية60) ولم يقل وللرقاب، بل قال ( وَفِي)(التوبة: من الآية60) الدالة علي الظرفية، يعني انك إذا صرفت الزكاة في هذه الجهات يجوز وان لم تعط صاحبه. ( وَالْغَارِمِينَ)(التوبة: من الآية60) معطوفة علي ( وَفِي الرِّقَابِ)(التوبة: من الآية60) فيه من دخول في، أي: وفي الغارمين، فلا حاجة لان تملك الغارم ليعطي الدين، بل يكفي أن تذهب وتعطي الدائن ليبرئ المدين.فإذا قال قائل: هل الأحسن أن اذهب إلى الدائن و أوفيه، أو أعطي الغريم لكي يوفي بنفسه؟ نقول: في هذا تفصيل: إذا كنت تخشى انك لو أعطيت الغريم لم يوف، بل آكل الدراهم وترك الدين علي ما هو عليه فهنا لا تعط الغريم، بل أعط الدائن، لأنك لو أعطيت الغارم سينفق الأموال في أمور غير مهمة وترك الدين، وبعض الناس لا يهتمون بالدين الذي عليهم، فإذا كنت تعلم أن المدين( الغارم) لو أعطيته لأفسد المال وبقت ذمته مشغولة، فلا تعطه و أعط الدائن، أما إذا كان الغريم صاحب عقل ودين، ولا يمكن أن يرضي ببقاء ذمته مشغولة، ويغلب علي ظني كثيرا أنني إذا أعطيته سوف يذهب فورا إلى الدائن ويقضي من دينه، فهنا نعطي الغريم، نقول: خذ هذه الدراهم أوف بها عن نفسك، لان هذا استر له واحسن، ولكن يجب علينا إذا كنا نوزع الزكاة أن نحذر من حيلة بعض الناس! بعض الناس يقدم لك كشفا بالدين عليه، وتوفي ما شاء الله أن توفي، وبعد سنة يقدم لك نفس الكشف ولا يخصم الذي أوفي عنه، فانتبه لهذا، لان بعض الناس_ والعياذ بالله_ لا يهمه حلال ولا حرام، المهم اكتساب المال، فيأتي بالقائمة الأولى التي قد قضي نصفها ويعرضها عليك، فانبه لذلك. وقد قدم لنا من هذا النوع أشياء، وذهبنا نسلم الدائن بناء علي الكشف الذي قدم، فقال الدائن: انه قد اوفاني. وهذه مشكلة، لكن الإنسان يتحرز، وهو إذا اتقي الله ما استطاع، ثم تبين فيما بعد أن الذي اخذ الزكاة ليس أهلا لها فان ذمته تبرا، وهذه من نعمة الله. يعني لو أعطيت زكاتك شخصا ثم تبين لك انه ليس من أهل الزكاة رغم انك اجتهدت فلا شئ عليك، وزكاتك مقبولة. السابع قوله: ( وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ)(التوبة: من الآية60): والجهاد في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا، هكذا حدده النبي صلي الله عليه وسلم حينما سئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليري مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))([60])، وهذه كلمة جامعة مانعة. وقد تقدم الكلام علي هذا([61]). تنبيه: يجوز قتل المسلم الظالم في الحرب وان كان مسلما. فإذا قال قائل: وان كان مكرها؟ الجواب: أن شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ قال: إذا قاتل المسلمون مع التتار فانهم يقاتلون وان كانوا مسلمين، ولو كانوا مكرهين. فان كانوا صادقين بأنهم مكرهون فان لهم اجر الشهيد، لانهم قتلوا ظلما من الذي اكرههم، لان الظلم علي الذي اكرههم. وان كانوا غير صادقين، بل هم مختارون طائعون، فهذا ما أصابهم وهم الذين جروه علي أنفسهم. وقد قال:_ رحمه الله_ في تعليل ذلك: انه لا يعلم المكره من غير المكره، لان ذلك محلة القلب، فالاختيار والكراهة محلها القلب، فلا يعلم المطره من غيره، فيقتل المكره دفاعا عن الحق وحسابه علي الله. نعم، لو فرض انه اسر وهو مسلم حقيقة فانه لا يجوز قتله، أما في ميدان القتال فانه يقتل. وقد ذكرها رحمه الله في الفتاوى في كتاب الجهاد ج(28) ص(544_553). وقوله سبحانه وتعالى: ( وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ)(التوبة: من الآية60) يشمل إعطاء الزكاة للمجاهدين أنفسهم، وشراء الأسلحة لهم. فشراء الأسلحة من الزكاة جائز من اجل الجهاد في سبيل الله. قال أهل العلم: ومن ذلك: أن يتفرغ شخص لطلب العلم وهو قادر علي التكسب، لكنه تفرغ من اجل أن يطلب العلم، فانه يعطي من الزكاة مقدار حاجته، لان طلب العلم جهاد في سبيل الله. أما من تفرغ للعبادة فلا يعطي من الزكاة، بل يقال اكتسب. وبهذا عرفنا شرف العلم علي العبادة. فلو جاء رجلان أحدهما دين طيب ويقول: أنا أستطيع أن أتكسب لكن احب أن أتفرغ للعبادة من الصلاة والصيام والذكر وقراءة القران فأعطوني من الزكاة واكفوني العمل! نقول: لا نعطيك بل اكتسب. وجاء رجل آخر قال: أنا أريد أن أتفرغ لطلب العلم وأنا قادر علي التكسب، لكن أن ذهبت أتكسب لم اطلب العلم فأعطوني ما يكفيني من اجل أن أتفرغ لطلب العلم، قلنا: نعطيك ما يكفيك لطلب العلم، وهذا دليل علي شرف العلم وطلبه. الثامن: (ابْنِ السَّبِيلِ )(التوبة: من الآية60): وهو الصنف الثامن من أصناف أهل الزكاة. وابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به السفر ونفدت نفقته، فلم يكن معه ما يوصله إلى بلده. وليس هذا من باب الفقراء والمساكين، لأنه غني في بلده، لكن قصرت به النفقة في أثناء السفر، فيعطي ما يوصله إلى بلده ولو كان غنيا. وسمي ابن سبيل لمصاحبته للسفر ، كما يقال ابن الماء في طير الماء الذي يألف الماء فيقع عليه. هؤلاء ثمانية أصناف لا يجوز صرف الزكاة في غيرهم، فلا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المساجد، ولا في إصلاح الطرق، ولا في بناء المدارس، ولا غيرها طرق الخير، لان الله ذكر هذه الأصناف بصيغة محصورة فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ)(التوبة: من الآية60)و (إِنَّمَا)(التوبة: من الآية60) تفيد الحصر، وهو إثبات الحكم في الذكور ونفيه عما سواه، ولو قلنا بجواز صرف الزكاة في جميع وجوه الخير لفاتت فائدة الحصر، ولكن بناء المساجد وإصلاح الطرق وبناء المدارس وما أشبهها تفعل من طرق أخرى، من طرق البر والصدقات والتبرعات. هذا هو الركن الثالث من أركان الإسلام الذي ذكره النبي صلي الله عليه وسلم لجبريل_ عليه الصلاة والسلام_ في حديثه الطويل! أما الرابع فقد قال: ((وصوم رمضان)): ورمضان شهر بين شعبان وشوال، وسمي رمضان بهذا الاسم، قيل: لأنه عند أول تسمية الشهور صلدف انه كان في شدة الرمضاء والحر فسمي رمضان. وقيل: لأنه تطفا به حرارة الذنوب، لان الذنوب حارة: و((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه))([62]) والمهم أن هذا الشهر معلوم للمسلمين، ذكره الله_ سبحانه وتعالى_ باسمه في كتابه فقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ )(البقرة: من الآية185)، ولم يذكر الله اسما لشهر من الشهور سوي هذا الشهر. وصيام رمضان ركن من أركان الإسلام لا يتم الإسلام إلا به، ولكنه لا يجب إلا علي من تمت فيه الشروط الآتية. أن يكون مسلما، وان يكمن بالغا، وعاقلا، قادرا، مقيما، سالما من الموانع. هذه ستة شروط. _ فان كان صغيرا لم يجب عليه الصوم،أن كان مجنونا لم يجب عليه الصوم، أن كان كافرا لم يجب عليه الصوم، أن كان عاجزا فعلي قسمين:
أ_ أن كان عجزه يرجي زواله كالمرض الطارئ افطر، ثم قضي أياما بعدد ما فطر
ب_ وان كان عجزا لا يرجي زواله كالكبر والأمراض التي لا يرجي برؤها فانه يطعم عن كل يوم مسكينا._ و(( مقيما)) ضده المسافر، فالمسافر ليس عليه صوم، ولكنه يقضي من أيام آخر. (( سالما من الموانع)) احترازا من الحائض والنفساء، فانهما لا يجب عليهما الصوم، بل ولا يجوز أن تصوما، ولكنهما تقضيان. وصوم رمضان يكمن بعدد أيامه، أما تسعة وعشرين، وأما ثلاثين حسب رؤية الهلال، لان النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتماه فافطروا، فان غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين))[63]) عدة شعبان أن كان في أول الشهر، وعدة رمضان أن كان في آخر الشهر. الركن الخامس: (( حج البيت)) وهو بيت الله سبحانه وتعالى_ أي: قصده لأداء المناسك التي بينها الله سبحانه في كتابه وعلي لسان رسوله صلي الله عليه وسلم. فحج البيت أحد أركان الإسلام، ومن حج البيت العمرة، فان النبي صلي الله عليه وسلم سماها حجا اصغر. ولكن له شروط، منها البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والاستطاعة، خمسة شروط! فإذا اختل شرط واحد منها فانه لا يجب. ولكن العجز عن الحج أن كان بالمال فانه لا يجب عليه، لا بنفسه ولا بنائبه. وان كان بالبدن: فان كان عجزا يرجي زواله انتظر حتى يعافيه الله ويزول المانع، وان كان لا يرجي زواله كالكبر، فانه يلزمه أن ينيب عنه من يأتي بالحج، لان امرأة سالت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت: (( أن أبي أدركته فريضة الله علي عباده شيخا لا يثبت علي الراحة، أف أحج عنه)) قال: (( نعم))([64]). فاقرها النبي صلى الله عليه و سلم . على إنها سمت هذا فريضة مع انه لا يستطيع ، لكنه قادر بماله، فقال النبي عليه الصلاة و السلام: (( حجي عنه)) ! هذه خمسة أركان هي أركان الإسلام: شهادة أن لا اله إلا الله و أن محمد رسول الله، و أقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان، و حج بيت الله الحرام. فقال جبريل للنبي صلى الله عليه و سلم لما اخبره بذلك، قال له: (( صدقت)) . قال عمر: (( فعجبنا له يسأله و يصدقه لان الذي صدق الشخص بقوله يعني أن عنده علما من ذلك. فعجبنا كيف يسأله ثم يقول صدقت. و السائل إذا أجيب يقول فهمت، لا يقول صدقت، لكن جبريل_ عليه الصلاة و السلام_ عنده علم من هذا، و لهذا قال: (( صدقت)). و قوله: (( اخبرني عن الإيمان)) الإيمان محله القلب، الإسلام محله الجوارح و لهذا نقول: الإسلام عمل ظاهري و الإيمان أمر باطني، فهو في القلب. فالإيمان: هو اعتقاد الإنسان للشيء اعتقادا جازما به لا يتطرق إليه الشك و لا الاحتمال، بل يؤمن به كما يؤمن بالشمس في رابعة النهار لا يمطرى فيه ، فهو إقرار جازم لا يلحقه شك بموجب لقبول ما جاء في شرع الله، و الإذعان له إذعانا تاما. فقال له: (( الإيمان أن تؤمن بالله)شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ )(البقرة: من الآية185)، و ملائكته، و كتبه، و رسله، و اليوم الآخر، و تؤمن بالقدر خيره و شره)) هذه ستة أركان هي أركان الإيمان: قوله: (( أن تؤمن بالله)) : أي : تؤمن بان الله سبحانه موجود ، حي، عليم، قادر، انه سبحانه وتعالى رب العالمين، لا رب سواه، و أن له الملك المطلق، و له الحمد المطلق، و إليه يرجع الأمر كله، و انه سبحانه هو المستحق للعبادة لا يستحقها أحد سواه، سبحانه و تعالى ، و انه هو الذي عليه التكلان، و منه النصر و التوفيق، و انه متصف بكل صفات الكمال على وجه لا يماثل صفات المخلوقين، لأنه سبحانه و تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(الشورى: من الآية11) إذا تؤمن بوجود الله، و بربو بيته ن و ألوهيته، و أسمائه و صفاته، لا بد من هذا، فمن أنكر وجود الله فهو كافر، - العياذة بالله- مخلد في النار، و من تردد في ذلك أو شك فهو كافر، لأنه لا بد في الإيمان من الجزم بان الله حي، عليم، قادر، موجود. و من شك في ربو بيته فانه كافر. و من أشرك معه أحد في ربو بيته فهو كافر، ومن قال أن الأولياء يدبرون الكون و لهم تصرف في الكون و دعاهم و استغاث بهم و انتصر بهم فانه كافر و العياذ بالله، لأنه لم يؤمن بالله. و من صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله فهو كافر، لأنه لم يؤمن بانفراده بالألوهية . فمن سجد للشمس أو القمر، أو للشجر، أو للنهر، أو للبحر، أو للجبال، أو للملك، أو لنبي من الأنبياء، أو لولي من الأولياء، فهو كافرا كفرا مخرجا عن الملة ، لأنه أشرك بالله معه غيره. و كذلك من أنكر على وجه التكذيب شيئا مما وصف الله به نفسه فانه كافر، لأنه مكذب لله تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم . فإذا أنكر صفة من صفات الله على وجه التكذيب فهو كافر، لتكذيبه لما جاء في الكتاب و السنة. فإذا قال مثلا: أن الله لم يستو على العرش و لا ينزل إلى السماء الدنيا فهو كافر. و إذا أنكرها على وجه التأويل فانه ينظر: هل تأويله سائغ يمكن أن يكون محل للاجتهاد أو لا ، فان كان سائغا فانه لا يكفر، لكنه يفسق ، لخروجه عن منهج أهل السنة و الجماعة. و أما إذا كان ليس له مسوغ، فان إنكار التأويل الذي لا مسوغ له كإنكار التكذيب ، فيكون أيضا كافرا- و العياذ بالله-. و إذا آمنت بالله على الوجه الصحيح، فانك سوف تقوم بطاعته ممتثلا أمره مجتنبا نهيه، لان الذي يؤمن بالله علي الوجه الصحيح، لابد أن يقع في قلبه تعظيم الله علي الإطلاق، ولابد أن يقع في قلبه محبة الله علي الإطلاق، فإذا احب الله حبا مطلقا لا يساوي أي حب، وإذا عظم تعظيما مطلقا لا يساويه أي تعظيم، فانه بذلك يقوم بأوامر الله وينتهي عما نهي الله عنه. كذلك يجب عليك_ من جملة الإيمان بالله_ أن تؤمن بان الله فوق كل شئ، علي عرشه استوي، والعرش فوق المخلوقات كلها، وهو اعظم المخلوقات التي نعلمها، لأنه جاء في الأثر: (( أن السماوات السبع والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض))([65].) السماوات السبع علي سعتها والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة بالنسبة للأرض. الق حلقة من حلق المغفر في فلاة من الأرض وانظر نسبة هذه الحلقة بالنسبة للفلاة ماذا تكون؟ لا شئ! وهذه الحلقة بالنسبة للفلاة؟ ليست بشيء. وفي بقية الأثر: (( وان فضل العرش علي الكرسي كفضل الفلاة علي هذه الحلقة)). إذا الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. فانظر إلى عظم هذا العرش، ولهذا وصفه الله بالعظيم، كما قال: ( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)(التوبة: من الآية129)، وقال: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ)(البروج:15)، فوصفه الله بالمجد والعظمة، وكذلك بالكرم. فهذا العرش استوي الله تعالى فوقه، فالله فوق العرش، والعرش فوق جميع المخلوقات، والكرسي_ وهو صغير بالنسبة للعرش_ وسع السماوات والأرض، كما قال تعالى: ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ)(البقرة: من الآية255)، فيجب عليك أن تؤمن بان الله تعالى فوق كل شئ، وان جميع الأشياء ليست بالنسبة إلى الله شيئا، فالله تعالى اعظم واجل من أن يحيط به العقل أو الفكر، بل حتى البصر إذا راء الله_ والله سبحانه وتعالى يراه المؤمنون في الجنة_ لا يمكن أن يدركوه أو يحيطوا به، كما قال الله: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ )(الأنعام: من الآية103)، فشان الله اعظم شان واجل شان، فلا بد أن تؤمن بالله_ سبحانه وتعالى_ علي هذا الوجه العظيم حتى يوجب لك أن تعبده حق عبادته. ومن الإيمان بالله: أن تؤمن بان الله تعالى قد أحط بكل شي علما، وانه يعلم خائنه الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض من قليل وكثير، وجليل ودقيق (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ)(آل عمران:5). وك1لك تؤمن بان الله تعالى علي كل شئ قدير، وانه إذا أراد شيئا إنما يقول له كن فيكون، مهما كان هذا الأمر. وانظر إلى بعث الناس وخلق الناس، الناس ملايين لا يحصيهم إلا الله_ عز وجل_ وقد قال تعالى: (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ)(لقمان: من الآية28)،كل الخلائق خلقهم وبعثهم كنفس واحدة. وقال الله عز وجل في البعث: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ(13) (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ)(النازعـات:14،13)، وتري شيئا من آيات الله في حياتك اليومية، فان الإنسان إذا نام فقد توفاه الله، كما قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ)(الأنعام: من الآية60)، لكنها ليست وفاة تامة تفارق فيه الروح الجسد مفارقة تامة، لكن مفارقة لها نوع اتصال بالبدن، ثم يبعث الله النائم من نومه فيحس بأنه قد حي حياة جديدة، وكان اثر هذا يظهر قبل أن توجد هذه الأنوار الكهربائية، لما كان الناس إذا غشيهم الليل أحسوا بالظلمة وأحسوا بالوحشة وأحسوا بالسكون، فإذا انبلج الصبح أحسوا بالأسفار، والنور والانشراح، فيجدون لذة لأدبار الليل وإقبال النهار. أما اليوم فقد أصبحت الليالي كأنها النهار، فلا نجد اللذة التي كنا نجدها من قبل، ولكن مع ذلك يحس الإنسان بأنه إذا استيقظ من نومه فكأنما استيقظ إلى حياة جديدة، وهذه من رحمة الله وحكمته. وكذلك نؤمن بان الله سميع بصير، يسمع كل ما نقول وان كان خفيا، قال الله تبارك وتعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ)(الزخرف:80)، وقال الله عز وجل: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)(طـه: من الآية7)، أي: اخفي من السر، وهو ما يكنه الإنسان في نفسه، كما قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ )(قّ: من الآية16)، أي: ما تحدث به نفسه يعلمه الله وان كان لم يظهر للعباد. وهو_ عز وجل_ بصير،يبصر دبيب النمل الأسود علي الصخرة السوداء في ظلمة الليل، لا يخفي عليه. فإذا آمنت بعلم الله، وقدرته، وسمعه، وبصره، أوجب لك ذلك تراعي ربك_ عز وجل_ وان لا تسمعه إلا ما يرضي به، وان لا تفعل إلا ما يرضي به، لأنك إن تكلمت سمعك، وان فعلت أراك الله، فأنت تخشى ربك، وتخاف من ربك إن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك، وكذلك تخشى من ربك إن تسمعه ما لا يرضاه، وان تسكت عما أمرك به، كذلك إذا آمنت بتمام قدرة الله فانك تسأله كل ما تريده مما لا يكون فيه اعتداء في الدعاء. ولا تقل إن هذا بعيد، وان هذا شي لا يمكن! كل شي ممكن علي قدرة الله. فها هو موسى_ عليه الصلاة والسلام_ لما وصل إلى البحر الأحمر هاربا من فرعون وقومه، أمره الله إن يضرب البحر بعصاه، فضربه، فانفلق اثني عشر طريقا، كان الماء بين هذه الطرق كالجبال. وفي لحظة يبس البحر وصار يمشون عليه كأنما يمشون علي صحراء لم يصبها الماء أبدا بقدرة الله سبحانه وتعالى. ويذكر إن سعد بن أبي وقاص_ رضي الله عنه_ لما كان يفتح بلاد فارس ووصل إلى دجلة_ النهر المعروف في العراق_ عبر الفرس النهر مشرقين وكسروا الجسور واغرقوا السفن لئلا يعبر إليهم المسلمون، فاستشار_ رضي الله عنه_ الصحابة، وفي النهاية قرروا إن يعبروا النهر، فعبروا النهر يمشون علي سطح الماء بخيلهم وابلهم ورجلهم لم يمسهم سوء! فمن الذي امسك هذا النهر حتى صار كالصفاء، كالحجر يسير عليه الجند من غير إن يغرقوا؟ انه هو الله_ عز وجل_ الذي علي كل شئ قدير. وكذلك جري للعلاء بن الحضرمي _ رضي الله عنه_ حينما غزا البحرين واعترض لهم البحر، دعا الله_ سبحانه وتعالى_ فعبروا علي سطح الماء من غير أن يمسهم سوء. وآيات الله كثيرة، فكل ما اخبره الله به في كتابه أو اخبر به رسوله_ عليه الصلاة والسلام_ أو شاهده الناس من خوارق العادات فان الإيمان به من الإيمان بالله، لأنه إيمان بقدرة الله سبحانه وتعالى. ومن الإيمان بالله_ سبحانه وتعالى_ إن تعلم انه يراك، فان لم تكن تراه فانه يراك، إن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك. وهذه مسالة يغفل عنها كثير من الناس، تجده يتعبد لله وكان العبادة أمر عادي يفعله علي سبيل العادة، لا يفعلها كأنه يشاهد ربه عز وجل، وهذا نقص في الإيمان ونقص في العمل. ومن الإيمان بالله:إن تؤمن بان الحكم لله العلي الكبير! الحكم الكوني والشرعي كله لله لا حاكم إلا الله_ سبحانه وتعالى_وبيده كل شئ، كما قال الله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(آل عمران:26). فكم من ملك سلب ملكه بين عشية وضحاها، وكم من إنسان عادي صار ملكا بين عشية وضحاها، لان الأمر بيد الله. وكم من إنسان عزيز يري انه غالب لكل أحد، فيكون أذل عباد الله بين عشية وضحاها! وما من إنسان ذليل يكون عزيزا بين عشية وضحاها، لان الملك والحكم لله سبحانه وتعالى. وكذلك الحكم الشرعي لله، ليس لاحد، فالله تعالي هو الذي يحلل ويحرم ويوجب، وليس أحد من الخلق له الفصل في ذلك. فالإيجاب والتحليل والتحريم لله، ولهذا نهي الله عباده إن يصفوا شيئا بالحلال والحرام بدون إذن، فقال الله تبارك وتعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ(116) (مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(النحل: 117،116). فالحاصل إن الإيمان بالله بابه واسع جدا، ولو ذهب الإنسان يتكلم عليه لبقي أياما كثيرة، ولكن الإشارة تغني عن طويل العبارة. وقوله صلي الله عليه وسلم: ((وملائكته)): والملائكة: هم عالم غيبي، خلقهم الله_ سبحانه وتعالى_ من نور، وجعل لهم أعمالا خاصة، كل منهم يعمل بما أمره الله به، وقد قال الله في ملائكة النار: ( عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(التحريم: من الآية6)، فهم ليس عندهم استكبار عن الأمر ولا عجز عنه، يفعلون ما أمروا به ويقدرون عليه، بخلاف البشر، فالبشر قد يستكبرون عن الأمر، وقد يعجزون عنه، أما الملائكة فخلقوا لتنفيذ أمر الله، سواء في العبادات المتعلقة بهم أو في مصالح الخلق. فمثلا جبريل عليه الصلاة والسلام_ اشرف الملائكة_ موكل بالوحي، ينزل به من الله علي رسله وأنبيائه، فهو موكل بإشراف شئ ينتفع به الخلق والعباد، وهو ذو قوة، أمين مطاع بين الملائكة، ولهذا كان اشرف الملائكة. كما إن محمد صلي الله عليه وسلم اشرف الرسل قال الله سبحانه وتعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)(5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى)(لنجم:6،5)، يعني علم النبي صلي الله عليه وسلم القران( شَدِيدُ الْقُوَى) أي ذو القوة الشديدة وهو جبريل، (ذُو مِرَّةٍ) أي ذو هيئة حسنة ( فَاسْتَوَى) أي: كمل وعلا )وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى). وقال عز وجل: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) أي: جبريل )ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)(التكوير:21،20) ومن هؤلاء أيضا من وكلوا بمصالح الخلق من جهة أخرى في حياة الأرض والنبات، مثل ميكائيل_ عليه الصلاة والسلام_ فان ميكائيل موكل بالقطر_ المطر_ والنبات، وفيهما حياة الأبدان، حياة الناس وحياة البهائم. فالأول جبريل موكل بما فيه حياة القلوب وهو الحي وميكائيل موكل بما فيه حياة الأبدان وهو القطر والنبات. ومنهم اسرافيل_ عليه الصلاة والسلام_ وهو أحد حملة العرش العظام، وهو موكل بالنفخ في الصور، وهو قرن عظيم دائرته ما بين السماء والأرض، ينفخ فيه اسرافيل. فان سمعه الناس سمعوا صوتا لا عهد لكم به، صوتا مزعجا، فيفزعون ثم يصقعون، أي يموتون من شدة هذا الصوت، ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ)(الزمر: من الآية68)، تتطاير الأرواح من هذا القرن، من هذا الصور، ثم ترجع كل روح إلى بدنها الذي تعمره في الدنيا، لا تخطئه شعرة بأمر الله عز وجل. فكل هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة! فجبريل موكل بما فيه حياة القلوب، وميكائيل بما فيه حياة النبات والأرض، واسرافيل بما فيه حياة الأبدان. ولهذا كان النبي صلي الله عليه وسلم يثني علي الله بربو بيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة في افتتاح صلاة الليل، فكان يقول في افتتاح صلاة الليل بدل (( سبحانك اللهم وبحمدك))([66] )، يقول: (( اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك قيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) ([67]). ومنهم من وكل بقبض الأرواح وهو ملك الموت، وله أعوان يساعدونه علي ذلك، وينزلون بالكفن والحنوط للروح التي تخرج من الجسد إن كان من أهل الإيمان_ جعلنا الله منهم_ فانهم ينزلون بكفن من الجنة وحنوط من الجنة، وان كانوا من أهل النبران نزلوا بحنوط من النار وكفن من النار، ثم يجلسون عند المحتضر الذي حضر اجله ويخرجون روحه حتى تبلغ الحلقوم، فإذا بلغت الحلقوم استلها ملك الموت ثم أعطاها إياها فوضعوها في الحنوط والكفن، فالملائكة تكفن وتحنط الر

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: رد: باب المراقبة   الأحد مايو 01, 2011 3:40 pm

فالملائكة تكفن وتحنط الروح، والشر يكفنون ويحنطون البدن، فانظر إلى عناية الله بالآدمي، ملائكة يكفنون روحه، وبشر يكفنون بدنه، ولهذا قال الله عز وجل: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ)(الأنعام: من الآية61)، لا يفرطون في حفظها: ولا يفرطون فيها. وملك الموت أعطاه الله تعالى قدرة علي قبض الأرواح في مشارق الأرض ومغاربها، يقبضها ولو ماتوا في لحظة واحدة، لو فرض إن جماعة أصابهم حادث وماتوا في إن واحد، فان ملك الموت يقبض أرواحهم في إن واحد. ولا تستغرب، لان الملائكة لا يقاسون بالبشر، لان الله أعطاهم قدرة عظيمة اشد من الجن. فالجن اقوي من البشر، والملائكة اقوي من الجن. وانظر إلى قصة سليمان_ عليه الصلاة والسلام_ حيث قال: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ )(النمل: من الآية39) عفريت يعني قوي شديد ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)(النمل: من الآية39) وكان سليمان عادة يقوم من مقامه في ساعة معينة، ف (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ )(النمل: من الآية40)، والثاني أسرع من الأول، أي: مدة بصرك ما ترده إلا وقد جاءك ( فَلَمَّا رَآهُ)(النمل: من الآية40) حالا رآه ( مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ)(النمل: من الآية40) قال العلماء: إن هذا الذي عنده علم من الكتاب دعا الله باسمه الأعظم، فحملت الملائكة العرش من اليمن إلى الشام في هذه اللحظة. إذا فالملائكة اقوي من الجن. فلا تستغرب إن يموت الناس في مشارق الأرض ومغاربها وان يقبض أرواحهم ملك واحد، كما قال الله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(السجدة:11)إذا قال الله لهذا الملك اقبض روح كل من مات، هل يمكن إن يقول لا؟ لا يمكن! لانهم لا يعصون الله ما أمرهم، ولهذا لما قال الله للقلم اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، والقلم جماد، كتب ما هو قائم إلى يوم القيامة، فالله_ عز وجل_ إذا أمر بأمر لا يمكن إن يعصي إلا المردة من الجن أو من بني آدم، أما الملائكة فلا يعصون الله؟! وهؤلاء أربعة من الملائكة. والملك الخامس مالك، الموكل بالنار، وهو خازنها، وقد ذكره الله في قوله عن أهل النار: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)(الزخرف:77)، يعني: ليمتنا ويهلكنا ويرحنا مما نحن فيه! قال: أنكم ماكثون! السادس: خازن الجنة: وورد في بعض الآثار إن اسمه( رضوان) وهذا وكل بالجنة كما إن مالكا وكل بالنار. فمن علمنا اسمه من الملائكة آمنا به باسمه، ومن لم نعلم باسمه آمنا به علي سبيل الإجمال، آمنا بعمله الذي نعلمه وبوصفه وبكل ما جاء به الكتاب والسنة من أوصاف هؤلاء الملائكة. مسالة: قلنا إن الملائكة عالم غيبي، فعل يمكن إن يروا؟ الجواب: نعم قد يرون، أما علي صورتهم التي خلقوا عليها، واما علي صورة من أراد الله إن )أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)(لأنفال: من الآية12) يكون علي صورته! فجبريل رآه النبي صلي الله عليه وسلم علي صورته التي خلقه الله عليها في موضعين، في الأرض وفي السماء: في الأرض عند قار حراء قرب مكة، وفي السماء عند سدرة المنتهي، كما قال الله (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى(13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى)(لنجم:14،13)، رآه وله ستمائة جناح قد سد الأفق، أي: ملا الأفق كله وله ستمائة جناح، ولا يعلم قدرة الأجنحة إلا الله عز وجل، لكن إذا كان الشي عاليا سد الأفق فمعناه انه واسع جدا. هذا الذي رآه النبي صلي الله عليه وسلم علي صورته مرتين، أحيانا يأتيه بصورة إنسان كما في حديث عمر_ رضي الله عنه_ الذي معنا في قصة جبريل، فقد جاءه بصورة رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يري عليه اثر السفر، ولا يعرفه الصحابة، والله علي كل شئ قدير، قد أعطاهم الله سبحانه وتعالى ذلك إن يتصوروا بصور البشر، أما باختيارهم واما باختيار الله، الله يأمرهم إن يكونوا علي هذه الصورة فالله اعلم. إنما هذه حال الملائكة_ عليهم الصلاة والسلام_ وتفاصيل ما ورد فيهم مذكور في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، لكن علينا إن نؤمن بهؤلاء الملائكة وانهم أقوياء أشداء، قال الله لهم في غزوة بدر: ( أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)(لأنفال: من الآية12)، فكانوا يقاتلون مع الصحابة في بدر، فيري الكافر يسقط مضروبا بالسيف علي رأسه ولا يدري من الذي قتله، والذي قتله هم الملائكة، لان الله قال لهم: ( فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ(12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(لأنفال:13،12) فعلينا إن نؤمن بهم، من علمناه بعينه آمنا به بعينه، وإلا فبالإجمال. وان نؤمن بمن جاء عنهم من عبادات وأعمال علي وفق ما جاء في الكتاب والسنة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، ومن أنكرهم، أو كذب بهم، أو قال: انهم لا وجود لهم، أو قال: أهم هم قوي الخير، والشياطين هم قوي الشر، فقد كفر كفرا مخرجا عن الملة، لانه مكذب لله تعالى ورسوله صلي الله عليه وسلم وإجماع المسلمين. وقد ضل قوم غاية الضلال حيث أنكروا إن يكون هنالك ملائكة_ والعياذ بالله_ وقالوا: إن الملائكة عبارة عن قوي الخير وليس هناك شئ يسمي عالم الملائكة. وهؤلاء إن قالوا ذلك متاولين فان الواجب إن نبين لهم إن هذا تأويل باطل، بل تحريف، وان قالوا غيره متاولين فانهم كفار، مكذبون لما جاء به الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة من وجود الملائكة، والله قادر غلي إن يخلق عالما كاملا لا يحس به البشر عن طريق حواسهم المعتادة، فها هم الجن وجودن ولا إشكال في وجودهم، ومع ذلك لا تدركهم حواسنا الظاهرة كما تدرك الأشياء الظاهرة. ولله تعالى في خلقه شؤون. وقوله: ( وَكُتُبِهِ) وهو الركن الثالث، والكتب جمع كتاب، والمراد به الكتاب الذي أنزله الله علي الرسل. فكل رسول له كتاب، كما قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ )(الشورى: من الآية17)، وقال: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )(الحديد: من الآية25). لكن من لا كتب ما لا نعلمه ومنها ما لا نعلمه! فالتوراة، وهي الكتاب الذي انزل الله علي موسى_ عليه الصلاة والسلام_ معلوم، والإنجيل، وهو الكتاب الذي أنزله الله علي عيسى_ عليه الصلاة والسلام_ معلوم، وصحف إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ مذكورة في القران، وزبور داود_ عليه الصلاة والسلام_ مذكور في القران، وصحف موسى_ عليه الصلاة والسلام_ إن كانت غير التوراة مذكورة في القران أيضا. فما ذكر الله اسمه في القران وجب الإيمان به بعينه واسمه، وما لم يذكر فانه يؤمن به إجمالا. فنؤمن بان الله انزل علي موسى_ عليه الصلاة والسلام_ كتابا هو التوراة، وعلي عيسي كتابا هو الإنجيل، وعلي داود عليه الصلاة والسلام_ كتابا هو الزبور، وعلي إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ صحفا، هكذا نقول. ولا يعني ذلك إن ما وجد عند النصارى اليوم هو الذي نزل علي عيسي، لان الأناجيل الموجودة عند النصارى اليوم محرفة ومغيرة ومبدلة، لعب بها قساوسة النصارى فزادوا فيها ونقصوا وحرفوا، ولهذا تجدها تنقسم إلى أربعة أقسام أو خمسة، ومع ذلك فان الكتاب الذي نزل علي عيسي كتاب واحد، لكن الله تعالى إنما تكفل بحفظ الكتاب الكريم الذي نزل علي محمد صلي الله عليه وسلم، لانه لا نبي بعده، يبين للناس ما هو الصحيح، وما هو المحرف. أما الكتب السابقة فإنها لم تخل من التحريف، لانه سيبعث أنبياء يبينون فيها الحق ويبينون فيها المحرف، وهذا هو السر في إن الله تكفل بحفظ القران دون غيره من الكتب، من اجل إن يعلم الناس حاجتهم إلى الأنبياء إذا وجدوا الكتب محرفة، فتاتي الأنبياء وتبين الحق. فالمهم إن نؤمن بان الكتاب الذي نزل علي النبي المعين حق من عند الله، لا علي إن الكتاب الذي في أيدي اتباعه اليوم هو الكتاب الذي نزل، بل قطعا انه محرف ومغير ومبدل. ومن الإيمان بالكتب إن تؤمن بان كل خبر جاء فيها فهو حق، كما إن كل خبر في القران فهو حق، لان الأخبار التي جاءت في الكتب التي نزلت علي الأنبياء من عند الله فهو حق، يعني كل حكم لم يحرف ولم يغير فهو حق، لان جميع أحكام الله التي الزم الله بها عباده كلها حق، لكن هل هي بقيت إلى الآن غير محرفة؟ هذا السؤال بينا الجواب عليه بأنها غير مامونة، بل مغيرة ومحرفة ومبدلة. ولكن هل علينا إن نعمل بالأحكام التي جاءت بها الكتب السابقة؟ نقول: أما ما قصة الله علينا من هذه الكتب، فأننا نعمل به ما لم يرد شرعنا بخلافه. مثاله قوله تعالى عن التوراة: )وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(المائدة: من الآية45)، هذه مكتوبة في التوراة ونقلها الله_ عز وجل_ لنا في القران، لكن الله، عز وجل، لم يقصها علينا إلا من اجل إن نعتبر ونعمل بها، كما قال الله: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )(يوسف: من الآية111)، وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)(الأنعام: من الآية90)، فما قصة الله علينا وما نقه لنا من الكتب السابقة فهو شرع لنا، لان الله لم يذكره عبثا، إلا إذا ورد شرعنا بخلافه، فإذا ورد شرعنا بخلافه صار ناسخا لها. كما إن من الآيات الشرعية النازلة في شرعنا ما يكون منسوخا بآيات أخرى، فكذلك ما ذكره الله عن الكتب السابقة نقلا فانه قد ينسخ بهذه الشريعة. أما ما جاء في كتبهم فأننا لا نصدقه ولا نكذبه، كما أمر بذلك النبي_ عليه الصلاة والسلام_ فيما إذا حدثنا بنو اسرائل ان لا نصدقهم ولا نكذبهم، لأننا ربما نصدقهم بالباطل وربما نكذبهم بحق، فنقول: آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إليكم، ولا نصدقهم ولا نكذبهم إذا كان لم يشهد شرعنا بصحته ولا بكذبه. فان شهد بصحته أو بكذبه عملنا ما تقتضيه هذه الشهادة، إن شهد بصحته صدقناه، وان شهد بكذبه كبناه. ومن ذلك ما ينسب في أخبار بني إسرائيل إلى أخبار بعض الأنبياء_ عليهم الصلاة والسلام_ كما ذكر عن داود انه أعجبته امرأة رجل من جنده وطلب من الجندي إن يذهب إلى العدو ويقاتل لعله يقتل فيأخذ امرأته من بعده! وانه أرسل الجندي فبعث الله إليه جماعة من الائكة يختصمون إليه فقال أحد الخصمين: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ(23) )قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ)(صّ: من الآية24،23) ضربه الله لداود حيث كان عنده من النساء ما يبلغ تسعا وتسعين امرأة، فحاول إن يأخذ امرأة هذا الجندي ليكون بها المائة! فهذه القصة كذب واضح([68]) ، لان داود_ عليه الصلاة والسلام_ نبي من الأنبياء، ولا يمكن إن يتحيل هذه الحيلة، بل لو إن غير نبي ما فعل هذا وهو عاقل فكيف وهو نبي؟! فمثل هذه القصة التي جاءت عن بني إسرائيل نقول إنها كذب، لانهالا تليق بالنبي، ولا تليق بأي عاقل، فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. الخلاصة: إن ما جاء في كتبهم ينقسم إلى قسمين رئيسيين: أولا: ما قصة الله علينا في القران أو قصة علينا رسول الله صلي الله عليه وسلم فهذا مقبول صحيح. والثاني: ما نقلوه هم، فهذا لا يخلوا من ثلاث حالات: الحالة الأولى: إن يشهد شرعنا بكذبه، فيجب علينا إن نكذبه ونرده.والثانية: ما شهد شرعنا بصدقه فنصدقه ونقبله لشهادة شرعنا به. والثالث: ما ليس هذا ولا هذا، فيجب علينا إن نتوقف، لانهم لا يؤمنون، ويحصل في خبرهم الكذب والتغيير والزيادة والنقص. قوله: ( وَرُسُلِهِ ) هذا هو الركن الرابع. الرسل هم البشر الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى إلى الخلق وجعلهم واسطة بينه وبين عباده في تبيلغ شرائعه، وهو بشر خلقوا من أب وأم، إلا عيسي ابن مريم_ عليه الصلاة والسلام_ فان الله خلقه من أم بلا أب. أرسلهم الله سبحانه وتعالى رحمة بالعباد واقامة بالحجة عليهم، كما قال الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ) إلى قوله: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )(النساء: من الآية(163_165). وهم عدد كثير، أولهم نوح وأخرهم محمد صلي الله عليه مسلم ودليل ذلك قوله تعالى: (َّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)(النساء: من الآية163) وقد صح في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة: (( إن الناس يوم القيامة يأتون آل نوح فيقولون له: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض))([69]). أما دليل كون النبي_ عليه الصلاة والسلام_ آخر الرسل فهو قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)(الأحزاب: من الآية40) وصح عنه صلي الله عليه وسلم انه قال: (( أنا خاتم النبيين))([70]). فعلينا إن نؤمن بان جميع الرسل الذين أرسلهم الله صادقون فيما ابلغوا به عن الله وفي رسالتهم. _ علينا إن نؤمن بأسماء من عينت أسماؤهم لنا ومن لم تعين أسماؤهم لنا،فأننا نؤمن بهم علي سبيل الإجمال. _ علينا أيضا إن نؤمن إن ما من أمة إلا أرسل الله إليها رسولا لتقوم عليهم الحجة، كما قال الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)(النحل: من الآية36)، وقال تعالى: (ً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ)(فاطر: من الآية24) وعلينا إن نصدق بكل ما أخبرت به الرسل إذا صح عنهم من جهة النقل ونعلم انه الحق. وعلينا إن نتبع خاتمهم محمد صلي الله عليه وسلم، لانه هو الذي فرض علينا اتباعه، قال الله تعالى: )قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(لأعراف: من الآية158)، فامرنا الله تعالى باتباعه. وقال تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ )(آل عمران: من الآية31)، أما ما سواه من الرسل فأننا نتبعهم إذا ورد شرعنا بالأمر باتباعهم، مثل قوله علبه الصلاة والسلام: (( افضل الصلاة صلاة أخي داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وافضل الصيام صيام أخي داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما))([71]،) فهذا حكاية لتعبد داود وتهجده في الليل، وكذلك صيامه، من اجل إن نتبعه فيه. أما إذا لم يرد شرعنا بالأمر باتباعه فقد اختلف العلماء_ رحمهم الله_ هل شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بالأمر بخلافه، أو انه ليس بشرع لنا حتى يرد شرعنا بالأمر باتباعه؟ والصحيح إن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد شرعنا بخلافه، لأنه تعالى لما ذكر الأنبياء والرسل قال لنبيه صلي الله عليه وسلم: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ )(الأنعام: من الآية90)، فأمر الله نبيه محمدا صلي الله عليه وسلم إن يقتدي بهدي من سبقه وقال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)(يوسف: من الآية111)، وهذه آخر سورة يوسف التي قص الله تعالى علينا قصته مطولة من اجل إن نعتبر بما فيها. ولهذا اخذ العلماء_ رحمهم الله_ من سورة يوسف فوائد كثيرة، في أحكام شرعية في القضاء وغيره، واخذوا منها: العمل بالقرائن عند الحكم، لقوله تعالى: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ( 26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ)(يوسف: الاية27،26)، فقالوا: هذه قرينة، لأنه إذا كان القميص قد من قبل فالرجل هو الذي طلبها فقدت قميصه، وإذا كان من دبر_ من الخلف_ فهي التي طلبته وقدت قميصه حتى انقد، فهذه قرينة ثبت بها الحكم، والعلماء اعتمدوا هذه القرينة وان كان في السنة ما يدل علي الحكم بالقرائن في غير هذه المسالة. لكن القول الراجح في (( شرع من قبلنا ما لم يرد شرعنا بخلافه))، وللرسل_ عليهم الصلاة والسلام_ علينا: إن نحبهم، وان نعظمهم بما يستحقون، وان نشهد بأنهم في الطبقة العليا من طبقات أهل الخير والصلاح، كما قال الله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً)(النساء:69). أما الركن الخامس فهو: (( الإيمان باليوم الآخر)). واليوم الآخر: هو يوم القيامة، وسمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده. فالإنسان له مراحل أربع: مرحلة في بطن أمه، ومرحلة في الدنيا، ومرحلة في البرزخ، ومرحلة يوم القيامة، وهي أخر المراحل، ولهذا سمي اليوم الآخر، يسكن فيه الناس ، أما في الجنة نسأل الله إن يجعلنا منهم، و اما في النار_ والعياذ بالله_ فهذا هو المصير. والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ في كتاب(( العقيدة الواسطية)) وهو كتاب مختصر في عقيدة أهل السنة والجماعة، من احسن ما كتبه شيخ الإسلام_ رحمه الله_ في جمعه ووضوحه وعدم الاستطرادات الكثيرة. يقول رحمه الله: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما اخبر به النبي صلي الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت))([72].)_ فمن ذلك: فتنة القبر: إذا دفن الميت أتاه ملكان يجلسانه ويسألانه ثلاثة أسئلة، يقولان: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك!؟
فيثبت الله الذين أمنوا بالقول الثابت - اسأل الله أن يجعلني و إياكم منهم- فيقول المؤمن: ربي الله، و ديني الإسلام، و نبي محمد ، فينادي منادي من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة و البسوه من الجنة و افتحوا له باب إلى الجنة. و يفسح له في قبره مد البصر و يأتيه من الجنة روحها، و يشاهد فيها ما يشاهد من النعيم . و أما المنافق_ و العياذ بالله_ أو الكافر، فيقول: هات هات .. لا ادري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، لان الإيمان لم يصل إلى قلبه، إنما هو بلسانه فقطن فهو يسمع و لا يدري ما المعنى، لا و يفتح عليه في قبره. هذه فتنة عظيمة جدان و لهذا امرنا النبي_ عليه الصلاة و السلام_ أن نستعيذ بالله منها في كل صلاة(( اللهم أني أعوذ بك من عذاب القبر، و عذاب النار)) ([73] )_ و من ذلك أيضا أن نؤمن بنعيم القبر و عذاب القبر. نعيم القبر لمن يستحق النعيم من المؤمنين، و عذاب القبر لمن يستحق العذاب، و قد جاء ذلك في القران و السنة، و اجمع عليه أهل السنة و الجماعة. _ ففي كتاب الله يقول تبارك و تعالى: ( كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ( 31) )الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل:32) و يقول الله سبحانه و تعالى في آخر سورة الواقعة: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) (الواقعة:89) يقول هذا في حال ذكر المحتضر إذا جاءه الموت . إذا كان من المقربين فله روح و ريحان و جنة نعيم في نفس اليوم . أما عذاب القبر فاستمع إلى قول الله عز وجل: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ )(الأنعام: من الآية93) أي: سكرات الموت( وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ) مادين أيديهم لهذا المحتضر من الكفار( أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) و كأنهم شحيحون بأنفسهم،لأنها تبشر_ و العياذ بالله_ بالعذاب، فتهرب في البدن و تتفرق و يشح بها الإنسان، فيقال: ( أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)(الأنعام: من الآية93) ، أي: اليوم يوم موتهم عند احتضارهم.
و قال الله سبحانه في آل عمران: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر:46) فقال: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ) هذا قبل قيام الساعة ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) . و لكن يجب علينا أن نعلم أن هذا النعيم و العذاب أمر غيبي لا نطلع عليه، لأننا لو اطلعنا عليه ما دفنا أمواتنا، لان الإنسان لا يمكن أن يقدم ميته لعذاب يسمعه، يفزع، لان الكافر أو المنافق إذا عجز عن الإجابة يضرب بمرزبة_ قطعة من الحديد مثل المطرقة_ من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شئ إلا الإنسان قال النبي صلى الله عليه و سلم : (( ولو سمعها الإنسان لصعق)) .
و قال النبي صلى الله عليه و مسلم : (( لو لا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر )) ([74]) ، و لكن من نعمة الله أننا لا نعلم به حسا، بل نؤمن به غيبا و لا ندركه حسا. كذلك لو كان عذاب القبر شهادة وحسا لكان فيه فضيحة! إذا مررت بقبر إنسان وسمعته يعذب ويصيح ففيه فضيحة له. ثالثا: ولو أن شهادة يحس لكان هذا قلقا علي أهله وذويه، فلا ينامون في الليل وهم يسمعون صاحبهم يصيح ليلا ونهارا من العذاب، لكن من رحمة الله_ سبحانه وتعالى_ أن الله جعله غيبا لا يعلم عنه، فلا يأتي شخص ويقول: أننا لو حفرنا القبر بعد يومين لم نجد أثرا للعذاب؟ نقول: لان هذا أمر غيبي، علي أن الله تعالى قد يطلع علي هذا الغيب من شاء من عباده، فربما يطلع عليه، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (( أن النبي صلي الله عليه وسلم مر بقبرين في المدينة وقال: انهما ليعذبان وما يعذبان في كبيرة، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة))[75]، فاطلع الله نبيه علي هذين القبرين انهما يعذبان فالحاصل انه يجب علينا أن نؤمن بفتنة القبر ، وهي سؤال الملكين عن ربه ودينه ونبيه، وان نؤمن بنعيم القبر لو عذابه، _ ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: أن يؤمن الإنسان بما يكون في نفس اليوم الآخر، وذلك انه إذا نفخ في الصور النفخة الثانية قام الناس في قبورهم لله رب العالمين حفاة ليس عليهم نعال، وعراة ليس عليهم ثياب، وغرلا ليس مختونين، وبهما ليس معهم مال، كل الناس حتى الأنبياء والرسل يبعثون هكذا، كما قال الله تعالى: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ )(الأنبياء: من الآية104)،فكما أن الإنسان يخرج من بطن أمه هكذا عاريا غير منتعل، غير مختون، ليس معه مال، فكذلك يخرج من بطن الأرض يوم القيامة علي هذه الصفة، يقومون لرب العالمين الرجال والنساء، والصغار والكبار، والكفار والمؤمنون، كلهم علي هذا الوصف حفاة غرلا بهما، ولا ينظر بعضهم إلى بعض، لأنه قد دهاهم من الأمر ما يشغلهم عن نظر بعضهم إلى بعض، فالأمر اعظم من أن ينظر بعض الناس إلى بعض. ربما تكون المرأة إلى جنب الرجل ولا ينظر إليها ولا تنظر إليه، كما قال اله عز وجل: (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ)(33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ)(34) (وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ)(35) (وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ)(36) (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)(عبس: 33_37). ومن الإيمان باليوم الآخر: أن تؤمن بان الله_ سبحانه وتعالى_ يبسط هذه الأرض ويمدها كما يمد الأديم أي الجلد، لان أرضنا اليوم كرة مستديرة منبعجة بعض الشيء من الجنوب والشمال، لكنها مستديرة كما يفيد قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)(1) (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ)(2) (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ(1_3)، معناه إنها لا تمد إلا إذا انشقت السماء، وذلك يوم القيامة، فتبسط الأرض كما كما يبسط الجلد المدبوغ، ليس فيها أودية ولا أشجار ولأبناء ولا جبال، يذرها الرب_ عز وجل_ قاعا صفصفا لا تري فيها عوجا ولا أمتا، يحشر الناس عليها علي الوصف المذكور أنفا، وتطوي السماوات، يطويها الرب_ عز وجل_ بيمينه، وتدني الشمس من الخلق حتى تكون فوق رؤوسهم بقر ميل، أم مسافة وأما ميل المكحلة وأيا كان في قريبا من الرؤوس، لكننا نؤمن بان من الناس من يسلم من حرها، وهو الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنه السبع الذين ذكرهم الرسول في نسق واحد، فقال عليه الصلاة والسلام: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشا في طاعة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: أني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه))([76]) الإمام العادل: هو الذي عدل في رعيته، ولا عدل ا قوم ولا أوجب من أن يحكم فيهم شريعة الله، هذا راس العدل، لان الله يقول: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ )(النحل: من الآية90)، فمن حكم شعبه بغير شريعة الله فانه ما عدل، بل هو كافر والعياذ بالله، لان الله قال: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(المائدة: من الآية44)فإذا وضع هذا الحاكم قوانين تخالف الشريعة وهو يعلم إنها تخالف الشريعة، لكنه عدل عنها وقال: أنا لا اعدل عن القانون، فانه كافر وان صلي، ولو تصدق، ولو صام، ولو حج، ولو ذكر الله تعالى،ولو شهد للرسول_ عليه الصلاة والسلام_ بالرسالة، فانه كافر مخلد في جهنم يوم القيامة ولا يجوز أن يتولى عن شعب مسلم إذا قدر الشعب علي إزاحته عن الحكم. فاهم العدل في الإمام أن يحكم في الناس بشريعة الله. ومن العدل أن يسوي بين الفقير والغني، وبين العدو والولي، وبين القريب والبعيد، حتى العدو يسوي بينه وبين الولي في مسالة الحكم، حتى أن العلماء رحمهم الله قالوا: لو دخل علي القاضي رجلان أحدهما كافر والثاني مسلم، حرم عليه أن يميز المسلم بشيء، فيدخلان جميعا ويجلسان جميعا، فلا يتحدث لواحد دون الآخر، ولا يبش في وجه المسلم ويكشر في وجه الكافر! وهما في مقام الحكم، بل يجب أن يسوي بينهما، مع أن الكافر لا شك انه ليس كالمسلم (أفنجل الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)(35) (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(القلم:36،35)، لكن في باب الحكم الناس سواء. ومن العدل: أن يقيم الحدود التي فرضها الله_ عز وجل_ علي كل أحد، حتى علي أولاده وذريته، فان النبي صلي الله عليه وسلم وهو اعدل الأئمة، لما شفع إليه أسامة_ رضي الله عنه_ فيها ، فقال له: (( أتشفع في حد من حدود الله))؟! أنكر عليه، ثم قام النبي صلي الله عليه وسلم فخطب الناس، فحمد الله واثني عليه ثم قال: (( أما بعد.. فإنما اهلك الذين قبلكم انهم كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله_ أي حلف بالله_ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))([77] )صلي الله عليه وسلم، فاطمة بنت محمد اشرف النساء! سيدة نساء أهل الجنة، بنت افضل البشر، لو سرقت لقطع يدها وهو أبوها. وتأمل(( لقطعت يدها)) ولم يقل ل أمرت بقطع يدها! فظاهره هو الذي يباشر قطعها لو سرقت. هذا العدل، وبهذا قامت السماوات والأرض. ومن عدل الإمام أن يولي المناصب من هو أهل لها في دينه وفي قوته، فيكون أمينا وقويا، أهلا للأمر الذي ولي عليه. وأركان الولاية اثنان: القوة، والأمانة، قال الله تعالى: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ )(النمل: من الآية39) إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)(القصص: من الآية26) لسليمان: (ِ أَنَا آتِيكَ بِهِ)(النمل: من الآية39) أي: بعرش بلقيس ( قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)(النمل: من الآية39)، فمن العدل أن لا يولي أحدا منصبا ألا وهو أهل له في قوته وفي أمانته، فان ولي من ليس أهلا ويوجد من هو خير منه فليس بعادل. فالنبي صلي الله عليه وسلم جعل الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وجعله أول هؤلاء السبعة، لان العدل في الرعية صعب جدا، فإذا وفق المرء الذي يوليه الله علي عباده للعدل أن في هذا خيرا كثيرا، وانتفعت الأمة في عصره ومن بعده أيضا، لأنه يكون قدوة صالحة، فهذا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.ثانيا: (( سلب نشأ في طاعة الله)): الشاب ما بين الخامس عشرة سنة إلى الثلاثين. ولا شك أن يكون للشباب اتجاهات وأفكار، ولا يستقر علي شئ، لأنه شاب غض، كل شئ يجذبه، وكل شئ يختطفه، ولهذا أمر الرسول صلي الله عليه وسلم في الحرب أن تقتل شيوخ المقاتلين المشركين وسيتبقي شبابهم، لان الشباب إذا عرض عليهم الإسلام ربما يسلمون. فالشاب لما كان في سن الشباب يكون له أفكار وأهواء واتجاهات فكرية وخلقية وسلوكية، صار الذي يمن الله عليه وينشا في طاعته من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وطاعة الله هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه، ولا امتثال للأمر واجتناب للنهي إلا بمعرفة أن هذا أمر وهذا نهي، إذن لا بد من سبق العلم، فيكون هذا الشاب طالبا للعلم، ممتثلا للأمر، مجتنبا للنهي. الثالث: (( رجل قلبه معلق بالمساجد)): أي : يحب المساجد. وهل المقصود أماكن السجود؟ أي أن يحب الصلاة، أو المقصود المساجد المخصوصة؟ يحتمل هذا وهذا. هذا رجل قلبه دائما معلق بالمساجد، وهو مشغول في أماكن الصلاة، وفي الصلاة. إذا انتهي من صلاة انتظر الأخرى، وهكذا. وهنا فرق بين قول الإنسان: (( اللهم أرحني بالصلاة))، و(( اللهم أرحني من الصلاة)). أرحني بالصلاة: هذا خير، أي اجعل الصلاة راحة لقلبي. وأرحني من الصلاة: أي فكني عنها. أعوذ بالله! فهذا الرجل قلبه معلق بالمساجد دائما، وهو مشغول بأماكن الصلاة وبالصلاة، إذا انتهي من صلاة انتظر الأخرى، وهكذا. الرابع: (( رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) أي: احب بعضهما بعضا لا لشي سوي الله_ عز وجل_ فليس بينهما قرابة ولا صلة مالية، وليس بينهما صداقة طبيعية ، إنما احب في الله_ عز وجل_ لأنه راءه عابدا لله مستقيما علي شرعه فاحبه، وإذا كان قريبا أو صديقا وما أشبه ذلك فلا مانع أن يحبه من وجهين: من جهة القرابة والصداقة، ومن الجهة الإيمانية. فهذان تحابا في الله وصارا كالأخوين، لما بينهما من الرابطة الشرعية الدينية، وهي عبادة الله سبحانه وتعالى. (( اجتمعا عليه)) في الدنيا (( وتفرقا عليه)) أي: لم يفرق بينهما إلا الموت، يحبه إلى أن مات، هذان يظلهما الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويكونان يوم القيامة علي محبتهما وعلي خلتهما، كما قال الله تعالى: (الإخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)(الزخرف:67)، تبقي الصداقة بينهما في الدنيا و الآخرة. اللهم أنا نسألك من فضلك. الخامس: (( ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: أني أخاف الله: رجل قادر علي الجماع، دعته امرأة ليجامعها بالزنا_ والعياذ بالله_ ذات منصب وجمال، أي إنها من خمائل معروفة، ليست من سقط النساء بل من الخمائل المعروفة، وهي جميلة، دعته إلى نفسها في مكان خالي لا يطلع عليهما أحد، وهو فيه شهوة، ويحب النساء، لكنه قال : أني أخاف الله! لم يمنعه من فعل هذا إلا خوف الله عز وجل! فانظر إلى هذا الرجل! المقتضي موجود، لأنه قادر علي الجماع، والمرأة جميلة، وهي ذات منصب، والمكان خال، لكن منه مانع اقوي من هذا المقتضي، وهو خوف الله، قال: (( أني أخاف الله)) ما قال: أني لا اشتهي النساء، وما قال: لست بجميلة، وما قال: أنت من اسافل النساء، وما قال: أن حولنا أحدا، قال: ((أني أخاف الله)) فهذا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وانظر إلى يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم_ عليهم الصلاة والسلام_ عشقته امرأة العزيز ملك مصر، وكانت امرأة ملك علي حال من الجمال والدلال. غلقت الأبواب بينهما وبين الناس: ( وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ) يعني تدعوه إلى نفسها، وكان رجلا شابا، وبمقتضي الطبيعة البشرية هم بها وهمت به، ولكن رأي برهان ربه ووقع في قلبه خوف الله فامتنع، فهددته بالسجن فقال: (ó رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)(33) (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(34) (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)(يوسف: 35،33)، وسجن في ذات الله وامتنع عن الزنا مع قوة أسبابه، لكنه رأي برهان ربه فخاف الله، السادس: (( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)): وهذا فيه كمال الإخلاص، يخلص لله، لا يريد من الناس أن يطلعوا علي عمل من أعماله، بل يريد أن يكون بينه وبين ربه فقط. ولا يريد أن يظهر للناس بمظهر المنة علي أحد، لان الذي يعطي إمام الناس تكون له منة علي من أعطاه. فهو يخفي الصدقة حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، أي: من شدة إخفائه لو أمكن أن لا تعلم يده الشمال ما أنفقت يده اليمين لفعل، فهذا مخلص غاية الإخلاص وهو بعيد عن المن بالصدقة، يظله الله في ظله يوم لا ظل الاظله، ولكن لاحظ أن إخفاء الصدقة افضل_ بلا شك_ إلا انه ربما يعرض لهذا الأفضل ما يجعله مفضولا، مثل أن يكون في إظهار الصدقة تشجيع للناس علي الصدقة، فهنا قد يكون إظهار الصدقة افضل، ولهذا امتدح الله_ سبحانه وتعالى_ الذين ينفقون سرا وعلانية علي حسب ما تقتضيه المصلحة. فالحال لا تخلوا من ثلاث مراتب: أما أن يكون السر انفع، أو الإظهار انفع، فان تساوي الأمران فالسر انفع. السابع: (( رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)) ذكر الله بلسانه وبقلبه، ليس عنده أحد يرائيه بهذا الذكر، خاليا من الدنيا كلها، قلبه معلق بالله عز وجل. فلما ذكر الله بلسانه وبقلبه، وتذكر عظمة الرب_ عز وجل_ اشتاق إلى الله ففاضت عيناه. فهذا أيضا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. هذه الأعمال السبعة قد يوفق الإنسان فيحصل علي واحد منها أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة، هذا ممكن، ولا يناقض بعضه بعضا، فقد يوفق الإنسان فيأخذ من كل واحدة من هذه بنصيب، كما اخبر الرسول عليه الصلاة والسلام: (( أن للجنة أبوابا، من كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان)) ذكر أربعة! فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما علي من دعي علي واحد من هذه الأبواب من ضرورة_ أي: الذي يدعي من باب واحد سهل_ فهل يدعي أحد من هذه الأبواب كلها؟ قال: (( نعم، و أرجو أن تكون منهم يا أبو بكر ))([78]) نسأل الله من فضله. وهذا يعني أن أبا بكر يدعي من كل الأبواب، لأنه صاحب صلاة ، وصدقة، وجهاد، وصيام، فكل مسائل الخير قد اخذ منها بنصيب. رضي الله عنه و أرضاه، و ألحقنا به في جنات النعيم. وهنا مسالة احب أن انبه عليها، وهي أن بعض الطلبة يظنون أن المراد بالظل (( في ظل يوم لا ظل إلا ظله)) انه ظل الرب_ عز وجل_ وهذا ظن خاطئ جدا، لا يظنه الأرجل جاهل، وذلك أن من المعلوم أن الناس في الأرض، وان الظل هذا يكون عن الشمس، فلو قدر أن المراد به ظل الرب_ سبحانه وتعالى_ لزم من هذا أن تكون الشمس فوق الله، ليكون حائلا بينها وبين الناس، وهذا شئ مستحيل ولا يمكن، لان الله_ سبحانه وتعالى_ قد ثبت له العلو المطلق من جميع الجهات، ولكن المراد ظل يخلقه الله في ذلك اليوم يظل من يستحقون أن يظلهم الله في ظله، وإنما أضافه الله إلى نفسه لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يظلل بفعل مخلوق، فليس هناك بناء ولا شئ يوضع علي الرؤوس، إنما يكون الظل ما خلقه الله لعباده في ذلك اليوم، فلهذا أضافه الله إلى نفسه لاختصاصه به([79].) ومما يكون في ذلك اليوم: نشر الدواوين أي: صحائف الأعمال التي كتبت علي المرء في حياته، وذلك لان الله_ سبحانه وتعالى_ وكل بكل إنسان ملكين: أحدهما عن اليمين، والثاني عن الشمال، كما قال الله تبارك وتعالى: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(16) (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ)(17) (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)(قّ:16_18). هذان الملكان الكريمان يكتبان كل ما يعلمه المرء من قول أو فعل، أما ما يحدث به نفسه فانه لا يكتب عليه، لان النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( أن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به))([80]). لكن القول والفعل يكتب علي الإنسان، كاتب الحسنات علي اليمين وكاتب السيئات علي الشمال، فيكتبان كل ما أمرا بكتابته، فإذا كان يوم القيامة الزم كل إنسان هذا الكتاب في عنقه، كما قال الله تعالى (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ )(الإسراء: من الآية13) ويخرج له هذا الكتاب فيقال: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)(الإسراء:14)، فيقراه له، ويتبين كل ما عنده. هذا الكتاب المنشور من الناس من يأخذه بيمينه، ومن الناس من يأخذه بشماله من وراء ظهره. أما من يأخذه بيمينه_ أسال الله أن يجعلنا منهم_ فانه يقول للناس ( هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ)(الحاقة: من الآية19)، يريهم إياه فرحا ومسرورا بما انعم الله به عليه. وأما من أوتى كتابه بشماله فيقول حزا وقما وهما ( يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ)(الحاقة: من الآية25).ومما يجب الإيمان به في ذلك اليوم: أن تؤمن بالحساب، بان الله تعالى يحاسب الخلائق، كما قال الله تعالى: ( وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)(الأنبياء: من الآية47)، وقال الله تعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً)(الانشقاق:Cool، فيحاسب الله الخلائق، ولكن حساب المؤمن حساب يسير ليس فيه مناقشة، يخلو الله سبحانه وتعالى بعبده المؤمن ويضع عليه ستره، ويقرره بذنوبه، يقول: أتذكر كذا؟ حتى يقول: نعم، ويقر بذلك كله،فيقول الله_ عز وجل_ له: (( أني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا اغفرها لك اليوم))([81])، وما اكثر الذنوب التي سترها الله علينا! فإذا كان الإنسان مؤمنا قال الله له: (( فأني قد سترتها عليك في الدنيا، و أني اغفرها لك اليوم)) الخ. أما الكافر_ والعياذ بالله_ فانه يفضح ويخزي، وينادي علي رؤوس الأشهاد: ( هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)(هود: من الآية18). ومما يجب الإيمان به مما يكون في يوم القيامة: الحوض المورود لنبينا محمد صلي الله عليه وسلم وهو حوض يصب عليه ميزابان من الكوثر، وهو النهر الذي أعطيه النبي صلي الله عليه وسلم في الجنة، كما قال الله تعالى (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)(الكوثر:1)، فيصب منه ميزابان علي الحوض الذي يكون في عر صات يوم القيامة. وصفه النبي_ عليه الصلاة والسلام_ بان ماءه اشد بياضا من اللبن، واحلي من العسل، و أطيب من رائحة المسك، وان آنيته كنجوم السماء، وان طوله شهر وعرضه شهر، وان من شرب منه مرة واحدة فانه لا يظمأ بعدها أبدا([82]). هذا الحوض يرده المؤمنون من أمة النبي صلي الله عليه وسلم_ أسال الله أن يوردني وإياكم إياه_ يرد المؤمنون يشربون منه، وأما من لم يؤمن بالرسول_ عليه الصلاة والسلام_ فانه يطرد عنه ولا يشرب منه، نسأل الله العافية. وهذا الحوض الذي جعله الله للنبي_عليه الصلاة والسلام_ هو اعظم حياض الأنبياء، ولكل نبي حوض يرده المؤمنون من أمته، لكنها لا تنسب إلى حوض الرسول صلي الله عليه وسلم لان هذه الأمة يتمثلون ثلثي أهل الجنة، فلا جرم أن يكون حوض النبي_ عليه الصلاة والسلام_ اعظم الحياض و أكبرها و أوسعها أعظمها واشملها. ومما يجب الإيمان به أيضا في ذلك اليوم: الإيمان بالصراط. والصراط جسر منصوب علي جهنم، وهو أدق من الشعر واحد من السيف، يمر الناس عليه علي قدر أعمالهم، من كان مسارعا في الخيرات في الدنيا كان سريعا في المشي علي هذا الصراط، ومن كان متباطئا، ومن كان قد خلط عملا صالحا و آخر سيئا ولم يعف الله عنه فانه ربما يكدس في النار والعياذ بالله! يختلف الناس في المشي عليه، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، ومنهم من يلقي في جهنم. وهذا الصراط لا يمر عليه إلا المؤمنون فقط، أما الكافرون فانهم لا يمرون عليه، وذلك أنهم يساقون في عر صات القيامة إلى النار مباشرة، نسأل الله العافية. فإذا عبروا علي الصراط وقفوا علي قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص من بعضهم لبعض، وهذا القصاص غير القصاص الذي يكون في عر صات يوم القيامة، هذا لقصاص_ والله اعلم_ يراد به أن تتخلى القلوب من الأضغان والأحقاد والغل، حتى يدخلوا الجنة وهم علي اكمل حال، وذلك أن الإنسان وان اقتص له ممن اعتدي عليه فلا بد أن يبقي في قلبه شئ من الغل والحقد علي الذي اعتدي عليه، ولكن أهل الجنة لا يدخلون الجنة حتى يقتص لهم اقتصاصا كاملا، فيدخلونها علي احسن وجه، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، ولكن لا يفتح باب الجنة لأحد قبل الرسول صلي الله عليه وسلم ولهذا يشفع هو بنفسه لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، كما انه شفع للخلائق أن يقضي بينهم ويستريحوا من الهول والكرب والغم الذي أصابهم في عرصات القيامة، وهاتان الشفاعتان خاصتان برسول الله صلي الله عليه وسلم. اعني الشفاعة في أهل الموقف حتى يقضي بينهم، والشفاعة في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة، فيكون له، _ صلي الله عليه وسلم_ شفاعتان: إحداهم في نجاة الناس من الكروب والهموم، والثانية في حصول مطلوبهم، وهو فتح باب الجنة فيفتح. فأول من يخل الجنة من الناي رسول الله صلي الله عليه وسلم، قبل كل الناس، و أول من يدخلها من الأمم أمة النبي صلي الله عليه وسلم، أما أهل النار_ والعياذ بالله_ فيساقون إلى النار زمرا، ويدخلونها أمة بعد أمة، ( كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ) والعياذ بالله. الثانية تلعن الأولى وهكذا، و يتبرأ بعضهم من بعض، نسأل الله العافية. فإذا أتوا إلى النار وجدوا أبوبها مفتوحة، حتى يبتغوا بعذابها والعياذ بالله، وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً)(168) (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)(169،168).فيدخونها ويخلد فيها الكفار ابد الآبدين، إلى ابد لا منتهى له، كما قال الله _ عز وجل _ في كتابه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً)(64) (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً)(65) (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرسول)(66) (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيل) (67) (رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً)(الأحزاب:68،64). وقال سبحانه وتعالى: ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)(الجـن: من الآية23)!! فهذه ثلاث آيات من كتاب الله_ عز وجل_ كلها فيها التصريح بان أهل النار خالدون فيها أبدا، ولا لأحد بعد كلام الله عز وجل. كما أن أهل الجنة خالدون فيها أبدا. فان قال قائل: أن الله تعالى قال في سورة هود: (ف

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: رد: باب المراقبة   الأحد مايو 01, 2011 3:50 pm

فان قال قائل: أن الله تعالى قال في سورة هود: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ)(106) (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)(107) (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)(هود:108،106)، ففي أهل الجنة قال: ( عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) يعني غير مقطوع، بل هو دائم. وفي أهل النار قال: ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) فهل هذا يعني أن أهل النار ينقطع عنهم العذاب؟ فالجواب: نقول لا، ولكن لما كان أهل الجنة يتقلبون بنعمة الله بين الله_ سبحانه وتعالى_ أن أعطاهم لا ينقطع، أما أهل النار فلما كانوا يتقلبون بعدل الله قال: ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) فلا معقب لحكمه وقد أراد أن يكون أهل النار في النار، فهو يفعل ما يريد. هذا هو الفرق بين أهل النار وأهل الجنة، فأهل الجنة عطاؤهم غير مجذوذ، وأم أهل النار فانهم يتقلبون بعدل الله، والله سبحانه وتعالى فعال لما يريد. هذا الكلام فيما تيسر مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر. وقوله: (( وان تؤمن بالقدر خيره وشره)) هذا الركن السادس. والقدر: هو تقدير الله_ سبحانه وتعالى_ لما يكون يوم القيامة، وذلك أن الله_ سبحانه وتعالى_ خلق القلم فقال له اكتب! قال: ربي وما اكتب؟ قال: اكتب وهو كائن؟ فجري في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة([83]) ، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطاءه لم يكن ليصيبه، وقد ذكر الله هذا في كتابه إجمالا فقال: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)(الحج:70) وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)(الحديد:22)، من قبل أن نبراها أي: من قبل أن نخلقها، أي: من قبل أن نخلق الأرض، ومن قبل أن نخلق أنفسكم، ومن قبل أن نخلق المصيبة. فان الله كتب هذا من قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال أهل العلم: ولا بد للإيمان بالقدر من أن تؤمن بكل مراتبه الأربع: المرتبة الأولى: أن تؤمن بان الله_ سبحانه وتعالى_ عليم بكل شئ، وهذا كثير في الكتب العظيم، يذكر الله عموم علمه بكل شئ، كما قال الله تعالى: ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)(الطلاق: من الآية12)، ولقوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)(الأنعام: من الآية59). المرتبة الثانية: أن تؤمن بان الله تعالى كتب مقادير كل شئ إلى قيام الساعة، كتبه قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فكل شئ كائن فانه مكتوب قد انتهي منه، جفت الأقلام وطويت الصحف، فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطاءك لم يكن ليصيبك، فإذا أصابك شئ لا تقل لو فعلت كذا ما أصابني، إن هذا الشيء مكتوب لابد إن يقع كما كتب سبحانه وتعالى، قلا مفر منه مهما عملت، فالأمر سيكون علي ما وقع لا يتغير أبدا، لان هذا أمر قد كتب. فان قال قائل: ألم يكن قد جاء في الحديث: (( من احب إن يبسط له في رزقه، وينسى له في أثره، فليصل رحمه))([84]) ؟. فالجواب: بلي قد جاء هذا، ولكن الإنسان الذي قد بسط له في رزقه ونسئ له في أثره من اجل الصلة، قد كتب انه سيصل رحمه، وانه سيبسط له في الرزق، وانه سينسى له في الأثر، لابد إن يكون الآمر هكذا، ولكن الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ قال: (( من احب إن يبسط له في رزقه وينسى له في أثره)) الحديث، من اجل إن نبادر ونسارع في صلة الرحم، وإلا فهو مكتوب إن الرجل سوف يصل رحمه ويحصل له هذا الثواب، أو انه لن يصل رحمه ويحرم من هذا الثواب، أمر منته، لكن اخبرنا الرسول_ عليه الصلاة والسلام_ بهذا من اجل إن نحرص علي صلة الرحم. واعلم إن الكتابة في اللوح المحفوظ يعقبها كتابات آخر. منه: إن الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعة اشهر أرسل الله إليه ملكا موكلا بالأرحام فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، واجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فيكتب ذلك، وهذه الكتبة غير الكتابة في اللوح المحفوظ، هذه كتابة في مقتبل عمر الإنسان، ولهذا يسميها العلماء: الكتابة العمرة، يعني نسبة العمر. كذلك: هناك كتابة أخرى تكون في كل سنة، وهي في ليلة القدر، فان ليلة القدر يكتب الله فيها ما يكون في تلك السنة، كما قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ)(3) (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)(الدخان:4،3)، ((يفرق)) أي: يبين ويفصل، و لهذا سميت ليلة القدر. المرتبة الثالثة للإيمان بالقدر: إن تؤمن بان كل شئ بمشيئة الله، لا يخرج عن مشيئته شئ، ولا فرق بين إن يكون هذا الواقع مما يختص الله به، كإنزال المطر وإحياء الموتى وما أشبه ذلك، أي مما يعلمه الخلق، كالصلاة والصيام وما أشبهها، فكل هذا بمشيئة الله. قال الله تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ)(28) (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(التكوير:29،28). وقال الله تعالى: )ِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)(البقرة: من الآية253)، فين الله_ سبحانه وتعالى_ لنا انه لا مشيئة لنا ألا بمشيئة الله، فلا يكون في ملكه ما لا يشاء أبدا، ولهذا اجمع المسلمون علي هذه الكلمة العظيمة: (( ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن)). وأما المرتبة الرابعة: فهي الإيمان بان كل شئ مخلوق لله، لقول الله تبارك وتعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)(الزمر:62)، وقال تعالى: ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)(الفرقان: من الآية2) فكل شئ واقع مخلوق لله عز وجل، فالإنسان مخلوق لله وعمله مخلوق لله، قال الله عن إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ وهو يخاطب قومه: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)(الصافات:96)، ففعل العبد مخلوق لله، لكن المباشر للفعل هو العبد وليس الله، لكن الله هو الذي خلق هذا الفعل ففعله العبد، فهو منسوب لله خلقا ومنسوب إلى العبد كسبا وفعلا، فالفاعل هو العبد والكاسب هو العبد، والخالق هو الله. فكل شئ مما يحدث فانه مخلوق لله_ عز وجل_ لكن ما كان من صفات الله فليس بمخلوق، فالقران مثلا أنزله الله علي محمد صلي الله عليه وسلم لكنه ليست بمخلوق. هذه أربع مراتب للإيمان بالقدر! يجب إن تؤمن بها كلها، وإلا فانك لم تؤمن بالقدر. وفائدة الإيمان بالقدر عظيمة جدا، لان الإنسان إذا علم إن الشيء لابد إن يقع كما أمر الله استراح، فإذا أصيب بضراء صبر وقال هذا من عند الله، وان اصب بسراء شكر وقال هذا من عند الله، وقد ثبت عن _ النبي عليه الصلاة والسلام _ انه قال: (( عجبت لامر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له))([85].) لان المؤمن يؤمن بان كل شئ بقضاء الله، فيكون دائما في سرور، ودائما في انشراح، لأنه يعلم إن ما أصابه فانه من الله: إن كان ضراء صبر وانتظر الفرج من الله ولجا إلى الله تعالى في كشف هذه الضراء، وان كان سراء شكر وحمد الله وعلم إن ذلك لم يكن بحوله ولا قوته لكن بفضل من الله ورحمة. وقوله عليه الصلاة والسلام: (( خيره وشره)): الخير ما ينتفع به الإنسان ويلائمه، من علم نافع، ومال واسع طيب، وصحة، وأهل وبنين وما أشبه ذلك. والشر ضد ذلك، من الجهل والفقر والمرض وفقدان الأهل والأولاد وما أشبه هذا. كل هذا من الله سبحانه وتعالى، والخير والشر، فان الله سبحانه يقدر الخير لحكمة ويقدر الشر لحكمة، كما قال الله عز وجل: (ö وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)(الأنبياء: من الآية35). فإذا علم الله إن من الخير والحكمة إن يقدر الشر قدره لمل يترتب عليه من المصالح العظيمة، كقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(الروم:41). فإذا قال قائل: كيف تجمع بين قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( وان تؤمن بالقدر خيره وشره)) وقوله صلي الله عليه وسلم: (( الشر ليس إليك))([86])، فنفي إن يكون الشر إليه؟ فالجواب علي هذا إن نقول: إن الشر المحض لا يكون بفعل الله أبدا، فالشر المحض الذي ليس فيه خيرا لا حالا ولا مالا لا يمكن إن يوجد في فعل الله أبدا، هذا من وجه، لأنه حتى الشر الذي قدره الله شرا لابد إن يكون له عاقبة حميدة ، ويكون شرا علي قوم وخيرا علي آخرين. أرابت لو انزل الله المطر مطرا كثيرا فاغرق زرع إنسان، لكنه نفع الأرض وانتفعت به أمة، لكان هذا خيرا بالنسبة لمن انتفع به، شرا لمن تضرر به، فهو خير من وجه وشر من وجه. ثانيا: حتى الشر الذي يقدره الله علي الإنسان هو خير في الحقيقة، لان إذا صبر واحتسب الأجر من الله نال بذلك أجرا اكثر بأضعاف مضاعفة مما ناله من الشر، وربما يكون سببا للاستقامة ومعرفة قدر نعمة الله علي العبد فتكون العاقبة حميدة. ولهذا ذكر عن بعض العابدات إنها أصيبت في إصبعها أو يدها فانجرحت فصبرت وشكرت الله علي هذا وقالت: (( إن حلاوة اجرها آنستم مرارة صبرها))! ثم نقول: إن الشر في الحقيقة ليس في فعل الله نفسه، بل في مفعولاته، فالمفعولات هي التي فيها خير وشر، أما الفعل نفسه فهو خير، ولهذا قال الله عز وجل: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)(1) (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)(الفلق:2،1)، أي: من شر الذي خلقه الله ، فالشر إنما يكون في المفعولات لا في الفعل نفسه، أما فعل الله فهو خير. ويدلك لهذا انه لو كان عندك مريض وقيل إن من شفائه إن تكويه بالنار، فكويته بالنار، فالنار مؤلمة بلا شك، لكن فعلك هذا ليس بشر، بل هو خير للمريض، لأنك إنما تنتظر عاقبة حميدة بهذا الكي، كذلك فعل الله للأشياء المكروهة والأشياء التي فيها شر، هي بالنسبة لفعله وإيجاد خير،لأنه يترتب عليها خير كثير. فان قال قائل: كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) يعني من فضله، هو الذي من عليك بها أولا وأخرا ( وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ) أي: أنت سببها، وإلا فالذي قدرها هو الله، لكن أنت السبب، كما في قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)(الشورى:30). وخلاصة الكلام: إن كل شئ واقع فانه بقدر الله، سواء كان خيرا أم شرا. ثم قال عمر_ رضي الله عنه_ فيما نقله عن جبريل_ عليه الصلاة والسلام_ قال للنبي صلي الله عليه وسلم: (( اخبرني عن الإحسان؟ قال: إن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك)). الإحسان: ضد الإساءة، والمراد هنا بالإحسان هنا إحسان العمل، فبين النبي_ عليه الصلاة والسلام_ إن الإحسان إن تعبد الله كأنك تراه، يعني: تصلي وكأنك تري الله عز وجل، وتزكي وكأنك تراه، وتصوم وكأنك تراه، وتحج وكأنك تراه، تتوضأ وكأنك تراه، وهكذا بقية الأعمال. وكون الإنسان يعبد الله كأنه يراه دليل علي الإخلاص لله_ عز وجل_ وعلي إتقان العمل في متابعة الرسول صلي الله عليه وسلم لان كل من عبد الله علي هذا الوصف فلا بد إن يقع في قلبه من محبة الله وتعظيمهما يحمله علي إتقان العمل وأحكامه. (( فان لم تكن تراه فانه يراك)) أي: فان لم تعبد الله علي هذا الوصف فاعبده علي سبيل المراقبة والخوف(( فانه يراك)) ومعلوم إن عبادة الله علي وجه الطلب اكمل من عبادته علي وجه الهرب! فها هنا مرتبتان: المرتبة الأولى: إن تعبد الله كأنك تراه، و هذه مرتبة الطلب. والثانية: إن تعبد الله وأنت تعلم انه يراك، وهذه مرتبة الهرب، وكلتاهما مرتبتان عظيمتان، لكن الأولى اكمل وافضل. ثم قال جبريل: (( اخبرني عن الساعة))، أي: عن قيام الساعة التي يبعث فيها الناس ويجازون فيها علي أعمالهم، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: (( ما المسؤول عنها بأعلم من السائل))، المسؤول عنها: يعني نفسه عليه الصلاة والسلام، بأعلم من السائل: يعني جبريل، يعني: انك إذا كنت يا جبريل تجهلها، فأنا كذلك أجهلها. فهذان رسولان كريمان أحدهما رسول ملكي، والثاني رسول بشري، وهما اكمل الرسل، ومع ذلك فكل منهما ينفي إن يكون له علم بالساعة، لان علم الساعة عند من بيده إقامتها عز وجل، وهو الله تبارك وتعالى، كما قال الله في آيات متعددة: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي )(لأعراف: من الآية187)، (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ )(الأحزاب: من الآية63)، فعلمها عند الله، فمن ادعي علم الساعة فانه كاذب، ومن أين له إن يعلم ورسول الله صلي الله عليه وسلم لا يعلم، وجبريل_ عليه الصلاة والسلام_ لا يعلم، وهما افضل الرسل. ولكن الساعة لها إمارات، كما قال الله تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)(محمد: من الآية18)، أي: علاماتها. ولهذا لما اخبر النبي صلي الله عليه وسلم جبريل إن لا علم له بذلك قال: (( فاخبرني عن إماراتها)) أي: علاماته الدالة علي قربها. فقال: (( إن تلد الأمة ربتها، وان تري الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان)) الأول: (( إن تلد الأمة ربتها)) يعني: إن تكون الأمة المملوكة تتطور بها الحال حتى تكون ربة للمماليك الآخرين، وهو كناية عن كثرة الأموال. وكذلك الثاني: (( وان تري الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان)) الحفاة: الذين ليس لهم نعال من الفقر، والعراة: ليس لهم كسوة من الفقر، العالة: الفقراء. يتطاولون في البنيان: يعني انهم لا يلبثون إلا إن يكونوا أغنياء يتطاولون في البنيان حسا بان يرفعوا بنيانهم إلى السماء، ويتطاولون فيها معني إن يحسنوها ويزينوها ويدخلوا عليها كل ما يكون من مكملاتها، لان لديهم وفرة من المال. وكل هذا وقع، وهناك إمارات أخرى وعلامات أخرى ذكرها أهل العلم في باب الملاحم والفتن وأشرط الساعة وهي كثيرة. ثم انطلق جبريل_ عليه الصلاة والسلام_ ولبثوا ما شاء إن يلبثوا، ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: (( أتدرى من السائل؟ قال: الله ورسوله اعلم!)) قال: (( فانه جبريل آتكم ليعلمكم دينكم)). وفي هذا الحديث من الفوائد: 1_ إلقاء السائل علي الطلبة ليمتحنهم، كما القي النبي عليه الصلاة والسلام_ المسالة علي عمر رضي الله عنه. 2_ وفيه أيضا: جواز قول الإنسان: الله ورسوله اعلم، ولا يلزمه إن يقول: الله ثم رسوله اعلم، لان علم الشريعة الذي يصل إلى النبي _ عليه الصلاة والسلام_ من علم الله، فعلم الرسول من علم الله_ سبحانه وتعالى_ فصح إن يقال: الله ورسوله اعلم، كما قال الله تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ )(التوبة: من الآية59)، ولم يقل: ثم رسوله، لان الإيتاء هنا إيتاء شرعي، وإيتاء النبي صلي الله عليه وسلم الشرعي من إيتاء الله. فالمسائل الشرعية يجوز إن تقول: الله ورسوله، بدون(ثم) أما المسائل الكونية، كالمشيئة وما أشبهها، فلا تقال: الله ورسوله، بل: الله ثم رسوله، ولهذا لما قال رجل للنبي صلي الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. قال: (( اجعلني لله ندا، بل ما شاء الله وحده))([87]) ، 3_ وفي هذا دليل علي إن السائل إذا سال عن شئ يعلمه من اجل إن ينتفع الآخرون فانه يكون معلما لهم،لا الذي أجاب: النبي_ عليه الصلاة والسلام_ وجبريل سائل لم يعلم الناس، لكن كان سببا في هذا الجواب الذي ينتفع به الناس. فقال بعض العلماء: انه ينبغي لطالب العلم إذا جلس إذا مع عالم في مجلس إن يسال عن المسائل التي تهم الحاضرين وان كان يعلم حكمها، من اجل إن ينفع الحاضرين ويكون معلما لهم. 4_ وفي هذا دليل علي بركة العلم، وان العلم ينتفع به السائل والمجيب، كما قال هنا: (( يعلمكم دينكم)). 5_ وفيه أيضا دليلا إن هذا الحديث حديث عظيم يشتمل علي الدين كله، ولهذا قال: (( يعلمكم دينكم)) لأنه مشتمل علي أصول العقائد وأصول الأعمال. أصول العقائد وأصول الأعمال هي أركان الإسلام الخمسة. والله الموفق. 61_ الثاني: عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل، رضي الله عنهما، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (( اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن))([88]) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. الشرح هذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية للمؤلف رحمه الله، وفيه إن النبي صلي الله عليه وسلم أوصى بثلاث وصايا عظيمة الوصية الأولى: قال: (( اتق الله حيثما كنت)) وتقوي الله هي اجتناب المحارم وفعل الأوامر، هذه هي التقوى! إن تفعل ما أمرك الله به إخلاصا لله، واتباعا لرسول الله صلي الله عليه وسلم وان تترك ما نهي الله عنه امتثالا لنهي الله_ عز وجل_ وتنزهها عن محارم الله، فتقوم بما أوجب الله عليك في اعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي الصلاة، فتاتي بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وتكملها بالمكملات، فمن أخل بشيء من شروط الصلاة أو واجباتها ا وأركانها فانه لم يتق الله، بل نقص من تقواه بقدر ما ترك ما أمر الله به في صلاته، وفي الزكاة تقوى الله فيها إن تحصي جميع أموالك التي فيها الزكاة وتخرج زكاتك طيبو بها نفسك من غير بخل ولا تقتير ولا تأخير، فمن لم يفعل فانه لم يتقي الله. وفي الصيام تأتى بالصوم كما أمرت، مجتنبا فيه اللغو والرفث والصخب والغيبة والنميمة، وغير ذلك مما ينقص الصوم ويزيل روح الصوم ومعناه الحقيقي، وهو الصوم عما حرم الله عز وجل. وهكذا بقية الواجبات تقوم بها طاعة لله، وامتثالا لأمره، وإخلاصا له، واتباعا لرسوله، وكذلك في المنهيات تترك ما نهي الله عنه، امتثالا لنهي الله_ عز وجل_ حيث نهاك فانته. الوصية الثانية: (( اتبع السيئة الحسنة تمحها)) أي: إذا عملت سيئة فاتبعها بحسنة، فان الحسنات يذهبن السيئات، ومن الحسنات بعد السيئات إن تتوب إلى الله من السيئات فان التوبة من افضل الحسنات، كما قال الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)(البقرة: من الآية222)، وقال الله تعالى: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(النور: من الآية31). وكذلك الأعمال الصالحة تكفر السيئات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر))([89]). وقال: (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما))([90]) فالحسنات يذهبن السيئات. الوصية الثالثة: (( خالق الناس بخلق حسن))! الوصيتان الأوليتان في معاملة الخالق، والثالثة في معاملة الخلق، إن تعاملهم بخلق حسن تحمد عليه ولا تذم فيه، وذلك بطلاقة الوجه، وصدق القول، وحسن المخاطبة، وغير ذلك من الأخلاق الحسنة. وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضل الخلق الحسن، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( اكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا))([91])، واخبر إن أولى الناس به صلي الله عليه وسلم و أقربهم من منزلة يوم القيامة أحسنهم أخلاقا([92].) فالأخلاق الحسنة مع كونها مسلكا حسنا في المجتمع ويكون صاحبها محبوبا إلى الناس فيها اجر عظيم يناله الإنسان يوم القيامة. فاحفظ هذه الوصايا الثلاثة من النبي صلي الله عليه وسلم لتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن. والله الموفق. 62_ الثالث: عن ابن عباس_ رضي الله عنهما_ قال: كنت خلف النبي صلي الله عليه وسلم يوما فقال: (( يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سالت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم: إن الأمة لو اجتمعت علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وان اجتمعوا علي إن يضروك بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف))([93]). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: (( احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم إن ما أخطاءك لم يكن ليصيبك، وما أصابك أم يكن ليخطئك، واعلم إن النصر مع الصبر، وان الفرج مع الكرب، وان مع العسر يسرا)).الشرح قوله: (( كنت خلف النبي صلي الله عليه وسلم)) أي راكبا معه. قوله: (( فقال لي يا غلام... احفظ الله يحفظك)) قال له: يا غلام، لان ابن عباس_ رضي الله عنهما_ كان صغيرا فان النبي صلي الله عليه وسلم توفي وهو قد ناهز الاحتلال، يعني من الخامسة العشرة إلى السادسة عشرة أو اقل. فكان راكبا خلف الرسول صلي الله عليه وسلم فوجه إليه النبي صلي الله عليه وسلم هذا النداء: (( يا غلام، احفظ الله يحفظك)) كلمة جليلة عظيمة، احفظ الله، وذلك بحفظ شرعه ودينه، بان تمتثل لأوامره وتجتب نواهيه، وكذلك بان تتعلم من دينه ومن شريعته_ سبحانه وتعالى_ ما تقوم به عباداتك ومعاملاتك، وتدعوا به إلى الله _ عز وجل_ لان كل هذا من حفظ الله، فالله_ سبحانه وتعالى_ نفسه ليس بحاجة إلى أحد حتى يحفظ، ولكن المراد حفظ دينه وشريعته، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ )(محمد: من الآية7)، وليس المعني: تنصرون ذات الله، لان الله_ سبحانه وتعالى_ غني عن كل أحد، ولهذا قال في آية أخرى: ( ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ )(محمد: من الآية4)، ولا يعجزونه: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ )(فاطر: من الآية44). إذا: (( احفظ الله يحفظك)) جملة تدل علي إن الإنسان كلما حفظ دين الله حفظه الله تعالى في بدنه، وحفظه في ماله و أهله، وفي دينه، وهذه أهم الأشياء، إن يحفظك الله في دينك، وهو إن يسلمك من الزيغ والضلال، لان الإنسان كلما اهتدي زاده الله هدي، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)(محمد:17)، وكلما ضل_ والعياذ بالله_ فانه يزداد ضلالا، كما جاء في الحديث: (( إن العبد فإذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فان هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه))([94]) وان اذنب ثانية انضم إليها نكتة ثانية وثالثة ورابعة، حتى يطبع علي قلبه. نسأل الله العافية. إذا: يحفظك في دينك وفي بدنك ومالك واهلك، أهمها حفظ الدين، نسأل الله تعالى إن يحفظ علينا وعلكم ديننا. وقوله: (( احفظ الله تجده تجاهك)) وفي لفظ آخر: (( تجده أمامك)). احفظ الله أيضا بحفظ شريعته، بالقيام بأمره واجتناب نهيه تجده تجاهك وأمامك، ومعناهما واحد، يعني تجد الله أمامك يدلك علي كل خير ويذود عنك كل شر ، ولا سيما إن حفظت الله بالاستعانة به، فان الإنسان إذا استعان بالله وتوكل علي الله كان الله حسبه، أي كافية، ومن كان الله حسبه فانه لا يحتاج إلى أحد بعد الله. قال الله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)(لأنفال:64)، أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين. (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ)(لأنفال: من الآية62)، فإذا كان الله حسب الإنسان، أي كافية، فانه لن يناله سوء، ولهذا قال: (( احفظ الله تجده تجاهك)) أو ((تجده أمامك))! والمراد بحفظه حفظ شريعته، ولا سيما بالتوكل عليه والاستعانة به.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: رد: باب المراقبة   الأحد مايو 01, 2011 3:51 pm

ثم قال له: (( إذا سالت فأسال الله)) أي لا تعتمد علي أحد مخلوق، إذا سالت فأسال الله . مثلا: إنسان فقير ليس عنده مال، يسال الله يقول: اللهم ارزقني، اللهم هيئ لي رزقا. فيأتيه الرزق من حيث لا يحتسب. لكن لو سال الناس فربما يعطونه أو يمنعونه، ولهذا جاء في الحديث: (( لان يأخذ أحدكم حبله فيحتطب علي ظهره، خير له من إن يأتي رجلا، أعطاه أو منعه))([95]). فكذلك أنت، إذا سالت فأسال الله، قل: (( اللهم ارزقني)) اللهم أغنني بفضلك عمن سواك)) وما أشبه ذلك من الكلمات التي تتجه بها إلى الله عز وجل. وقوله: (( إذا استعنت فاستعن بالله)) الاستعانة طلب العون، فلا تطلب العون من أي إنسان إلا للضرورة القصوى، ومع ذلك إذا اضطررت إلى الاستعانة بالمخلوق فاجعل ذلك وسيلة وسببا لا ركنا تعتمد عليه! اجعل الركن الأصيل هو الله عز وجل، إذا سالت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. وفي هاتين الجملتين دليل علي انه من نقص التوحيد إن الإنسان يسال غير الله، ولهذا تكره المسالة لغير الله_ عز وجل_ في قليل أو كثير. لا تسال إلا الله عز وجل، ولا تستعن إلا بالله. والله سبحانه إذا أراد عونك يسر لك العون، سواء كان بأسباب معلومة أو بأسباب غير معلومة. قد يعنيك الله بسبب غير معلوم لك، فيدفع عنك من الشر ما لا طاقة لاحد به، وقد يعنيك الله علي يد أحد من الخلق يسخره لك ويذلله لك حتى يعنيك، ولكن مع ذلك لا يجوز لك_ إذا أعانك الله علي يد أحد_ إن تنسي المسبب وهو الله عز وجل، كما يفعله بعض الجهلة الآن من تعلقهم بالسب وضعف اعتمادهم علي الله سبحانه وتعالى لما حصل عون ظاهر من دول كافرة، وما علموا إن الكفرة هم أعداء لهم إلى يوم القيامة سواء أعانوهم أم لا؟. بل النافع الضار هو الله عز وجل وهذا من تسخيره_ سبحانه وتعالى_ لعباده المؤمنين، كما جاء في الحديث: (( إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر))([96]) فيجب علينا إن لا ننسي فضل الله الذي سخرهم لنا، ويجب علينا إن ننبه العامة، إذا سمعنا أحدا يركن إليهم ويقول هم الذين نصرونا مائة بالمائة، وهم الأول والآخر، فيجب علينا إن نبين لهم إن هذا خلل في التوحيد. والله اعلم. وقوله: (( واعلم إن الأمة لو اجتمعت علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)). فبين النبي_ عليه الصلاة والسلام_ في هذه الجملة إن الأمة لو اجتمعت كلها علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك! فإذا وقع منهم نفع لك فاعلم انه من الله، لأنه هو الذي كتبه، فلم يقل النبي صلي الله عليه وسلم: لو اجتمعت علي إن ينفعوك بشيء لم ينفعوك. بل قال: (( لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)). فالناس بلا شك ينفع بعضهم بعضا، ويعين بعضهم بعضا، ويساعد بعضهم بعضا، لكن كل هذا مما كتبه الله للإنسان، فالفضل لله فيه أولا عز وجل، هو الذي سخر لك من ينفعك ويحسن إليك ويزيل كربتك، وكذلك بالعكس، لو اجتمعوا علي إن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. والإيمان بهذا يستلزم إن يكون الإنسان متعلقا بربه ومتكلا عليه لا يهتم بأحد، لأنه يعلم انهم لو اجتمع كل الخلق علي إن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه. وحيئذ يعلق رجاءه بالله ويعتصم به، ولا يهمه الخلق ولو اجتمعوا عليه، ولهذا نجد الناس في سلف هذه الأمة لما اعتمدوا علي الله وتوكلوا عليه لم يضرهم كيد الكائدين ولا حسد الحاسدين: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)(آل عمران: من الآية120). ثم قال غليه الصلاة والسلام: (( رفعت الأقلام وجفت الصحف)) يعني إن ما كتبه الله فقد انتهي، والصحف جفت من المداد، ولم يبقه مراجعة. فما أصابك لم يكن ليخطئك، كما في اللفظ الثاني: (( وما أخطاءك لم يكن ليصيبك)). وفي اللفظ الثاني قال عليه الصلاة والسلام: (( واعلم إن النصر مع الصبر، وان الفرج مع الكرب، وان مع العسر يسرا)). يعني: اعلم علم يقين إن النصر مع الصبر، فإذا صبرت وفعلتما أمرك الله به من وسائل النصر فان الله تعالى ينصرك. والصبر هنا يشمل الصبر علي طاعة الله، وعن معصيته، وعلي أقداره المؤلمة، لان العدو يصيب الإنسان من كل جهة، فقد يشعر الإنسان انه لن يطيق عدوه فيتحسر ويدع الجهاد، وقد يشرع في الجهاد ولكن إذا أصابه الأذى استحسر وتوقف، وقد يستمر ولكنه يصيبه الألم من عدوه، فهذا أيضا يجب إن يصبر عليه. قال الله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ)(آل عمران: من الآية140)، وقال تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً)(النساء:104)، فإذا صبر الإنسان وصابر ورابط فان الله سبحانه وتعالى ينصره. وقوله: (( واعلم إن الفرج مع الكرب)). كلما اكتربت الأمور وضاقت فان الفرج قريب، لان الله _ عز وجل_ يقول في كتابه: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ الإله مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ)(النمل:62)، فكلما اشتدت الأمور فانتظر الفرج من الله سبحانه وتعالى. وقوله: (( إن مع العسر يسرا)) فكل عسر بعده يسر، بل إن العسر محفوف بيسرين، يسر سابق ويسر لاحق. قال الله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)(5) )إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)(الشرح:6،5)، وقال ابن عباس_ رضي الله عنهما_: (( لن يغلب عسر يسرين)). فهذا الحديث الذي أوصى به النبي صلي الله عليه وسلم عبد الله بن عباس_ رضي الله عنهما_ ينبغي للإنسان إن يكون علي ذكر له دائما، وان يعتمد علي هذه الوصايا النافعة التي أوصى بها النبي صلي الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن عباس_ رضي الله عنهما_ والله الموفق. 63_ الرابع: عن انس_ رضي الله عنه_ قال: (( إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعهدها علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم من الموبقات))([97]) الشرح انس بن مالك_ رضي الله عنه_ من المعمرين، فبقي بعد النبي صلي الله عليه وسلم حالي تسعين سنة. فتغيرت الأمور في عهده_ رضي الله عنه_ واختلفت أحوال الناس، وصاروا يتهاونون في بعض الأمور العظيمة في عهد الصحابة رضي الله عنهم. مثل صلاة الجماعة، فقد كان الصحابة _ رضي الله عنهم_ لا يتخلف أحد عنها إلا منافق أو مريض معذور، ولكن الناس تهاونوا بها ولم يكونوا علي ما كان عليه الصحابة_ رضي الله عنهم_ في عهد النبي صلي الله عليه وسلم. بل إن الناس في عهدنا صاروا يتهاونون بالصلاة نفسها لا بصلاة الجماعة فقط، فلا يصلون، أو يصلون ويتركون، أو يوخرون الصلاة عن وقتها، كل هذه أعمال يسيرة عند بعض الناس، لكنها في عهد النبي صلي الله عليه وسلم والصحابة_ رضي الله عنهم_ كانت تعد من الموبقات. وكذلك أيضا الغش في عهد النبي _ عليه الصلاة والسلام_ قال: (( من غش فليس مني))([98]). لكن انظر إلى الناس اليوم تجد إن الغش عندهم أهون من الأشياء، الأشياء، بل إن بعضهم_ والعياذ بالله_ يعد الغش من الشطارة في البيع والشراء والعقود، ويري إن هذا من باب الحذق والذكاء والدهاء نسأل الله العافية_ مع إن النبي صلي الله عليه وسلم تبرا من الإنسان الذي يغش الناس. ومن ذلك الكذب: والكذب من الأشياء العظيمة في عهد الصحابة_ رضي الله عنهم_ فيرونه من الموبقات، لكن كثيرا من الناس يعده أمرا هينا، فتجده يكذب ولا يبالي بالكذب، مع إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا))([99].) وربما يكذب في أمور اخطر فيجحد ما يجب عليه الناس، أو يدعي ما ليس له ويحاكمهم عند القاضي ويحلف علي ذلك، فيكون_ والعياذ بالله_ ممن يلقي الله وهو عليه غضبان. إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي يعدها الصحابة من المهلكات، ولكن الناس اختلفوا فصارت في أعينهم أدق من الشعر، وذلك لأنه كلما قوي الإيمان عظمت المعصية عند الإنسان، وكلما ضعف الإيمان خفت المعصية في قلب الإنسان ورآها أمرا هينا، يتهاون ويتكاسل عن الواجب ولا يبالي، لأنه ضعيف الإيمان. 64_ الخامس: عن أبي هريرة _ رضي الله عنه_ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى إن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه))([100]) متفق عليه. والغيرة: بفتح الغين واصلها: الأنفة. الشرح قال المؤلف_ رحمه الله تعالى_ فيما نقله عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ قال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى إن يأتي المرء ما حرم الله)). قوله: (( محارمه)) أي: محارم الله. والغيرة صفة حقيقية ثابتة لله_ عز وجل_ ولكنها ليست كغيرتنا، بل هي اعظم واجل، والله_ سبحانه وتعالى_ بحكمته أوجب علي العباد أشياء، وحرم عليهم أشياء، واحل لهم أشياء. فما أوجبه عليهم فهو خير لهم في دينهم ودنياهم، وفي حاضر هم ومستقبلهم، وما حرمه عليهم فانه شر لهم في دينهم ودنياهم، وحاضر هم ومستقبلهم، فإذا حرم الله علي عباده أشياء فانه_ عز وجل_ يغار إن يأتي الإنسان محارمه، وكيف يأتي الإنسان محارم ربه والله_ سبحانه وتعالى_ إنما حرمها من اجل مصلحة العبد، أما الله_ سبحانه وتعالى_ فلا يضره إن يعصي الإنسان ربه، لكن يغار كيف يعلم الإنسان إن الله سبحانه حكيم، ورحيم، ولا يحرم علي عباده شيئا بخلا منه عليهم به، ولكن من اجل مصلحتهم، ثم يأتي العبد فيتقدم فيعصي الله_ عز وجل_ ولا سيما في الزنا_ نسأل الله العافية_ فانه ثبت عن النبي صلي الله عنه وسلم انه قال: (( ما أحد أغير من الله إن يزني عبده أو يزني أمته))([101]) لان الزنا فاحشة، والزنا طريق سافل سيئ، ومن ثم حرم الله علي عباده الزنا وجميع وسائله، كما قال الله سبحانه: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً)(الإسراء:32)، فإذا زني العبد_ والعياذ بالله_ فان الله يغار غيرة اشد واعظم من غيرته علي ما دونه من المحارم. وكذلك أيضا_ ومن باب أولى واشد_ اللواط، وهو إتيان الذكر، فان هذا اعظم واعظم، ولهذا جعله الله تعالى اشد في الفحش من الزنا. فقال لوط لقومه: ( أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ)(لأعراف: من الآية80). قال هنا: ( الفاحشة) وفي الزنا قال: ( فاحشة) أي: فاحشة من الفواحش، أما اللواط فجعله الفاحشة العظمي نسأل الله العافية. وكذلك أيضا السرقة وشرب الخمر وكل المحارم يغار الله منها، لكن بعض المحارم تكون اشد غيرة من بعض، حسب الجرم، وحسب الضار التي تترتب علي ذلك. وفي هذا الحديث: إثبات الغيرة لله تعالى، وسبيل أهل السنة والجماعة فيه وفي غيره من آيات الصفات وأحاديث الصفات انهم يثبتونها لله_ سبحانه وتعالى_ علي الوجه اللائق به، يقولون: إن الله يغار لكن ليس كغيرة المخلوق، وان الله يفرح ولكن ليس كفرح المخلوق، وان الله_ سبحانه وتعالى_ له من الصفات الكاملة ما يليق به، ولا تشبه صفات المخلوقين( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11). والله الموفق. 65_ السادس: عن أبي هريرة _ رضي الله عنه_ انه سمع النبي صلي الله عليه وسلم يقول: (( إن ثلاثة من بني إسرائيل: ابرص، واقرع، واعمي، أراد الله إن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شئ احب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس، فمسحه، فذهب عنه قذره، واعطي لونا حسنا. قال: فأي المال احب إليك؟ قال: الإبل_ أو قال البقر_ شك الراوي_ فأعطى ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأقرع فقال: أي شئ احب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، فمسحه، فذهب عنه، واعطي شعرا حسنا. قال: فأي المال احب إليك، قال: البقر، فأعطى بقرة حاملا، وقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شئ احب إليك؟ قال؟ إن يرد الله إلى بصري فابصر الناس. فمسحه، فرد اله إليه بصره. قال: فأي المال احب إليك؟ قال: الغنم، فأعطى شاة والدا. فانتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. ثم انه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال. كأني أعرفك، ألم تكن ابرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله!؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا في دعواك فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته و هيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، ساعة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت اعمي فرد الله لي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله عز وجل. فقال: امسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي عنك، وسخط علي صاحبيك))([102]) متفق عليه. والناقة العشراء)) بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامل. قوله: (( انتج)) وفي رواية(( فنتج)) معناه: تولي نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. وقوله: (( ولد هذا)) هو بتشديد اللام: أي: تولي ولادتها، وهو بمعني انتج في الناقة. فالمولد، والناتج، والقابلة بمعني، لكن هذا للحيوان وهذا لغيره. قوله: (( انقطعت بي الحبال)) هو بالحاء المهملة والباء الموحدة: أي الأسباب. وقوله: (( لا أجهدك)) معناه: لا اشق عليك في رد شئ تأخذه أو تطلبه من مالي. وفي رواية البخاري (( لا أحمدك)) بالحاء المهملة والميم، ومعناه: لا أحمدك بترك شئ تحتاج إليه، كما قالوا: ليس علي طول الحياة ندم، أي علي فوات طولها. الشرح قوله: (( ثلاثة من بني إسرائيل)) إسرائيل هو إسحاق بن إبراهيم_ عليه الصلاة والسلام_ أخو إسماعيل، ومن ذرية إسرائيل موسى وهارون وعيسي وجميع بني إسرائيل، كلهم من ذرية إسحاق عليه الصلاة والسلام. وإسماعيل أخو إسحاق، فهم والعرب أبناء اعم، وقد جاءت أخبار[103] كثيرة عن ابني إسرائيل، وهي ثلاث أقسام: الأول: ما جاء في القران. والثاني: ما جاء في صحيح السنة. والثالث: ما جاء عن أحبارهم وعن علمائهم. فأما الأول والثاني فلا شك في انه حق، ولا شك في قبوله، مثل قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)(البقرة: من الآية246). ومن السنة مثل هذا الحديث الذي رواه آبو هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم وأما ما روي عنهم عن أحبارهم وعلمائهم فان ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما شهد الشرع ببطلانه، فهذا باطل يجب رده، وهذا يقع كثيرا فيما ينقل من الإسرائيليات في تفسير القران، فانه ينقل في تفسير القران كثير من الأخبار الإسرائيلية التي يشهد الشرع ببطلانها. والثاني: ما شهد الشرع بصدقه، فهذا يقبل، لا لأنه من أخبار بني إسرائيل، ولكن لان الشرع شهد بصدقه وانه حق. والثالث: ما لم يكن في الشرع تكذيبه ولا تصديقه، فهذا يتوقف فيه، لا يصدقون ولا يكذبون، لأننا إن صدقناهم فقد يكون باطلا، فنكون قد صدقناهم بباطل، وان كذبناهم فقد يكون حقا، فقد كذبناهم بحق، ولهذا نتوقف فيه، ولكن مع ذلك لا حرج من التحديث به فيما ينفع في ترغيب أو ترهيب. ذكر النبي_ عليه الصلاة والسلام_ في هذا الحديث إن ثلاثة من بني إسرائيل ابتلاهم الله_ عز وجل_ بعاهات في أبدانهم، أحدهم ابرص، والثاني اقرع ليس علي رأسه شعر، والثالث اعمي لا يبصر. فأراد الله_ سبحانه وتعالي_ إن يبتليهم ويختبرهم، لان الله سبحانه يبتلي العبد بما شاء ليبلوه هل يصبر أو يضجر إذا كان ابتلاه بضراء، وهل يشكر أو يقتر إذا كان قد ابتلاه بسراء. فبعث الله إليهم ملكا من الملائكة واتاهم يسألهم: أي شئ احب إليهم؟ فبدا بالأبرص فقال: (( أي شئ احب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به)) لان أهم شئ عند الإنسان إن يكون معافى من العاهات، ولا سيما العاهات المكروهة عند الناس. فمسحه الملك فبرا بإذن الله ، وزال عنه البرص، و أعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. ثم قال له: (( أي المال احب إليك؟ قال: الإبل_ أو قال _ البقر !)) والظاهر انه قال: الإبل، لأنه في قصة الأقرع أعطي البقر، فأعطاه ناقة عشراء، وقال له: بارك الله لك فيها. فذهب عنه الفقر، وذهب عنه العيب البدني، ودعا له الملك بان يبارك الله له في هذه الناقة. ثم أتى الأقرع وقال: (( أي شئ احب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس)) فمسحه، فأعطى شعرا حسنا. وقيل له: (( أي المال احب إليك؟ قال البقر، فأعطى بقرة حاملا، وقال له: بارك الله لك فيها أما الأعمى فجاء الملك فقال له: (( أي شئ احب إليك؟ قال: إن يرد الله علي بصري فابصر به الناس))، وتأمل قول الأعمى هذا، فانه لم يسال إلا بصرا يبصر به الناس فقط، أما الأبرص والأقرع فان كل واحد منهما تمني شيئا اكبر من الحاجة، لان الأبرص قال: جلدا حسنا ولونا حسنا، وذاك قال: شعرا حسنا، فليس مجرد جلدا أو شعر أو لون، بل تمنيا شيئا اكبر، أما هذا فان عنده زهدا، لذا لم يسال إلا بصرا يبصر به الناس فقط. ثم أساله: (( أي المال احب إليك؟ قال: الغنم)) وهذا أيضا من زهده، فلم يتمني الإبل ولا البقر، بل الغنم، ونسبة الغنم للبق والإبل قليلة، فأعطاه شاة والدا وقال: بارك الله لك فيها. فبارك الله_ سبحانه وتعالى_ للأول في ا بله، والثاني في بقره، وللثالث في غنمه، وصار لكل واحد منهما واد مما أعطي، للأول واد من الإبل، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم. ثم إن هذا الملك أتى الأبرص في صورته وهيئته، صورته البدنية، وهيئته الرثة، ولباسه لباس الفقير، وقال له: ((رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك)). فتوسل إليه بذكر حاله انه فقير، وانه ابن سبيل أي مسافر، وان الحبال أي الأسباب التي توصله إلى أهله قد انقطعت به، وانه لا بلاغ له إلا بالله ثم به. وقال له: (( أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري)) لكنه قال: (( الحقوق كثيرة)) وبخل بذلك، مع إن له واديا من الإبل، لكنه قال: الحقوق كثيرة، وهو فيما يظهر_ والله اعلم_ انه لا يؤدي شيئا منها ، لان هذا من أحق ما يكون، لأنه مسافر وفقير وانقطعت به الحبال، ومن أحق ما يكون استحقاقا للمال، ومع ذلك اعتذر له! فذكره بما كان عليه من قبل فقال له: (( كأني أعرفك، ألم تكن ابرص يقذرك الناس، فقيرا فأعطاك الله)) أي أعطاك المال وأعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، ولكنه قال والعياذ بالله: (( إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر)) و انكر نعمة الله. فقال له الملك : (( إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت)) أي: إن كنت كاذبا فيما تقول فصيرك الله إلى ما كنت من الفقر والبرص. والذي يظهر إن الله استجاب دعاء الملك وان كان دعاء مشروطا، لكنه كان كاذبا بلا شك، فإذا تحقق الشرط تحقق المشروط. وأتى القرع فقال له مثلما قال للأبرص، ورد عليه مثلما رد عليه الأبرص، فقال: (( إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت عليه)) وأتى الأعمى وذكره بنعمة الله عليه: (( فقال: كنت اعمي فرد الله إلي بصري)) فاقر بنعمة الله عليه (( فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله ما أجهدك اليوم بشيء أخذته لله عز وجل)). أي: لا أمنعك ولا اشق عليك بالمنع بشيء أخذته لله عز وجل. فانظر إلى الشكر والاعتراف بالنعمة. فقال له الملك: (( امسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط علي صاحبيك)). وهذا يدل علي إن القصة كانت مشهورة بين الناس، ولهذا قال: (( سخط علي صاحبيك))، فامسك ماله وبقي قد انعم الله عليه بالصبر، وأما الآخران فان الظاهر إن الله ردهما إلي ما كنا عليه من الفقر والعاهة والعياذ بالله. وفي هذا دليل علي إن شكر نعمة الله علي العبد من أسباب بقاء النعم وزيادتها، كما قال الله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(إبراهيم:7). وفي قصتهم آيات من آيات الله عز وجل: منها: إثبات الملائكة، والملائكة عالم غيبي خلقهم الله _ عز وجل_ من نور، وجعل لهم قوة في تنفيذ أمر الله ، وجعل لهم إرادة في طاعة الله ، فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ومنها: إن الملائكة قد يكونون علي صورة بني آدم، فان الملك أتى لهؤلاء الثلاث بصورة إنسان. ومنها أيضا: انهم_ أي الملائكة_ يتكيفون بصورة الشص المعين، كما جاء إلى الأبرص والأقرع والأعمى غفي المرة الثانية بصورته وهيئته. ومنها أيضا: انه يجوز الاختبار للإنسان في إن يأتي الشخص علي هيئة معينة ليختبره، فان هذا الملك جاء علي صورة الإنسان المحتاج المصاب بالعاهة ليرق له هؤلاء الثلاثة، مع إن الملك فيما يبدو_ والعلم عند الله_ لا يصاب في الأصل بالعاهات، ولكن الله_ سبحانه وتعالى_ جعلهم يأتون علي هذه الصورة من اجل الاختبار. ومنها: إن الملك مسح الأقرع والأبرص والأعمى مسحة واحدة فأزال الله عيبهم بهذه المسحة، لان الله_ سبحانه وتعالى_ إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، ولو شاء الله لاذهب عنهم العاهة بدون هذا الملك، ولكن الله جعل هذا سببا للابتلاء والامتحان. ومنها: إن الله قد يبارك للإنسان بالمال حتى ينتج منه الشيء الكثير، فان هؤلاء النفر الثلاث صار لواحد واد من الإبل ، وللثاني واد من البقر، وللثالث واد من الغنم،وهذا من بركة الله عز وجل. وقد دعا الملك لكل واحد منهم بالبركة. ومنها: تفاوت بني آدم في شكر نعمة الله ونفع عباد الله، فان الأبرص والأقرع وقد أعطاهم الله المال الأهم والأكبر، ولكن جحدا نعمة الله، قالا: إنما ورثنا هذا المال كابرا عن كابر، وهم كذبة في ذلك، فانهم كانوا فقراء أعطاهم الله المال، لكنهم_ والعياذ بالله_ جحدوا نعمة الله وقالوا: هذا من آبائنا وأجدادنا. أما الأعمى فانه شكر نعمة الله واعترف لله بالفضل، ولذاك وفق وهداه الله وقال للملك: (( خذ ما شئت ودع ما شئت)) ومنها أيضا: إثبات الرضا والسخط لله سبحانه وتعالى، أي انه يرضي علي ما شاء ويسخط علي ما شاء، وهما من الصفات التي يجب إن نثبتها لربنا سبحانه وتعالى، لأنه وصف نفسه بها. ففي القران الكريم: الرضا: ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ )(التوبة: من الآية100)، وفي القران الكريم: ( أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ)(المائدة: من الآية80)، وفي القران العظيم الغضب: ( وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ )(النساء: من الآية93)، وهذه الصفات وأمثالها يؤمن بها أهل السنة والجماعة بأنها ثابتة لله علي وجه الحقيقة، لكنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما إن الله_ عز وجل_لا يشبه المخلوقين، فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين. ومن فوائد هذا الحديث: إن في بني إسرائيل من العجب والآيات ما جعل النبي صلي الله عليه وسلم ينقل لنا من أخبارهم حتى نتعظ. ومثل هذا الحديث قصة النفر الثلاث الذين لجاءوا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار وعجزوا عن زحزحتها، وتوسل كل واحد منهم إلى الله تعالى بصالح عمله. فالنبي _ عليه الصلاة والسلام_ يقص علينا من أنباء بني إسرائيل ما يكون فيه الموعظة والعبرة، فعلينا إن نأخذ من هذا الحديث عبرة بان الإنسان إذا شكر نعمة الله، واعترف لله بالفضل، وادي ما يجب عليه في ماله، فان ذلك من أسباب البقاء والبركة في ماله. والله الموفق. 66_ السابع: عن أبي يعلي شداد بن اوس_ رضي الله عنه_ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمني علي الله))([104].) رواه الترمذي وقال صيح حسن. قال الترمذي وغيره من العلماء: معني: (( دان نفسه)) أي: حاسبها. الشرح قوله: (( الكيس)) معناه الإنسان الحازم الذي يغتنم الفرص ويتخذ لنفسه الحيطة حتى لا تفوت عليه الأيام والليالي فيضيع. وقوله : (( من دان نفسه)) أي: من حاسبها ونظر ما فعل من المأمورات وماذا ترك من المهينات: هل قام بما أمر به، وهل ترك ما نهي عنه، فإذا رأي من نفسه تفريطا في الواجب استدركه إذا أمكن استدراكه، وقام به أو بدله، وإذا راء من نفسه انتهاكا لمحرم اقلع عنه وندم وتاب واستغفر. وقوله: (( عمل لما بعد الموت)) يعني عمل للآخرة، لان كل ما بعد الموت فانه من الآخرة، وهذا هو الحق والحزم، إن الإنسان يعمل لما بعد الموت، لأنه في هذه الدنيا مارا بها مرورا، والمال هو ما بعد الموت، فاذا فرط ومضت عليه الأيام وأضاعها في غير ما ينفعه في الآخرة فليس بكيس، الكيس هو الذي يعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وصار لا يهتم إلا بأمور الدنيا، فيتبع نفسه هواها في التفريط في الأوامر، ويتبع نفسه هواها في فعل النواهي، ثم يتمني علي الله الأماني فيقول: الله غفور رحيم، وسوف أتوب إلى الله في المستقبل، وسوف اصلح من حالي إذا كبرت، وما أشبه من الأماني الكاذبة التي يمليها الشيطان عليه، فربما يدركها وربما لا يدركها. ففي هذا الحديث: الحث علي انتهاز الفرص، وعلي إن لا يضيع الإنسان من وقته فرصة إلا فيما يرضي الله_ عز وجل_وان يدع الكسل والتهاون والتمني، فان التمني لا يفيد شيئا، كما قال الحسن البصري رحمه الله: (( ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال)). فعلينا أيها الاخوة إن ننتهز الفرصة في كل ما يقرب إلى الله من فعل الاوامر و اجتناب النواهي، حتى إذا قدمنا علي الله كنا علي اكمل ما يكون من حال. نسأل الله إن يعيننا وإياكم علي ذكره وشكره وحسن عبادته. 67_ الثامن: عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ قال: فالرسول الله صلي الله عليه وسلم: (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)([105]) حديث حسن رواه الترمذي وغيره. الشرح إسلام المرء هو استسلامه لله_ عز وجل_ ظاهرا وباطنا. فأما باطنا فاستسلام العبد لربه بإصلاح عقيدته وإصلاح قلبه، وذلك بان يكون مؤمنا بكل ما يجب الإيمان به علي ما سبق في حديث جبريل. وأما الاستسلام ظاهرا فهو إصلاح عمله الظاهر، كأقواله بلسانه وأفعاله بجوارحه. والناس يختلفون في الإسلام اختلافا ظاهرا كثيرا، كما إن الناس يختلفون في اشكالهم وصورهم، منهم الطويل ومنهم القصير، ومنهم الضخم ومنهم من دون ذلك، ومنهم القبيح ومنهم الجميل، فيختلفون اختلافا ظاهرا. فكذلك أيضا يختلفون في إسلامهم لله_ عز وجل_ حتى قال الله في كتابه: ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى )(الحديد: من الآية10). وإذا كان الناس يختلفون في الإسلام، فان مما يزيد في حسن إسلام المرء إن يدع ما لا يعنيه ولا يهمه لا في دينه ولا في دنياه. فالإنسان المسلم إذا أراد إن يجعل إسلامه حسنا فليدع ما لا يعنيه، فالشيء الذي لا يهمه يتركه. فمثلا: إذا كان هناك عمل وترددت هل تفعل أو لا تفعل؟ انظر هل هو من الأمور الهامة في دينك ودنياك فافعله، وإلا فاتركه، والسلامة اسلم. كذلك أيضا إن لا تدخل في شؤون الناس إذا كان هذا لا يهمك، وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس اليوم، من حرصه علي اطلاعه علي أعراض الناس وأحوالهم، ويجد اثنان يتكلمان فيحاول إن يتقرب منهما حتى يسمع ما يقولان، ويجد شخصا جاء من جهة من الجهات فتراه يبحث وربما يبادر الشخص نفسه ويقول له: من أين جئت؟ وماذا قال لك فلان؟ وماذا قلت له؟ وما أشبه ذلك في أمور لا تعنيه ولا تهمه. فالأمور التي لا تعنيك اتركها، فان هذا من حسن إسلامك، وهو أيضا فيه راحة للإنسان، فكون الإنسان لا يهمه إلا نفسه هذا هو الراحة، أما الذي يتتبع أحوال الناس ماذا قيل؟ وماذا حدث لهم؟ ... فانه سوف يتعب تعبا عظيما، ويفوت علي نفسه خيرا كثيرا، مع انه لا يستفيد شيئا، فاجعل دأبك داب نفسك، وهمك هم نفسك، وانظر إلى ما ينفعك فافعله، والذي لا ينفعك اتركه، وليس من حسن إسلامك إن تبحث عن أشياء لا تهمك. ولو أننا مشينا علي هذا وصار الإنسان دأبه داب نفسه ولا ينظر إلا إلى فعله، لحصل خيرا كثيرا. أما بعض الناس تجده مشغولا بشؤون غيره فيما لا فائدة له فيه، فيضيع أوقاته ويشغل قلبه ويشتت فكره، وتضيع عليه مصالح كثيرة. أما بعض الناس تجده مشغولا بشؤون غيره فيما لا فائدة له فيه، فيضيع أوقاته ويشغل قلبه ويشتت فكره، وتضيع عليه مصالح كثيرة. وتجد الرجل الدؤوب الذي ليس له هم إلا نفسه وما يعنيه، تحده ينتج ويثمر ويحصل، ويكون في راحة فكرية وقلبية وبدنية، ولذا يعد هذا الحديث من جوامع كلم النبي صلي الله عليه وسلم فإذا أردت شيئا فعلا أو تركا انظر هل يهمك أو لا؟! إن كان لا يهمك اتركه ولا تتعرض له واسترح منه، و أرح قلبك وفكرك وعقلك وبدنك، وان كان يهمك فاشتغل به بحسبه، فعلي كل حال كل إنسان عاقل كما جاء في الحديث السابق: (( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت)). فكل إنسان عاقل يحرص علي إن يعمل لما بعد الموت، ويحاسب نفسه علي أعمالها. والله الموفق. التاسع: عن عمر_ رضي الله عنه_ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( لا يسال الرجل فيما ضرب امرأته)) رواه آبو داود وغيره([106]. )الشرح تساهل المؤلف _ رحمه الله_ في هذا الحديث حيث قال: (( رواه آبو داود وغيره))، لان الغير يشمل جميع من خرج الأحاديث، وان كان مثل هذه الصيغة لا يذكر الأعلى، فمثلا إذا قيل : ((رواه آبو داود وغبره)) فيعني ذلك انه لم يروه البخاري ولا مسلم ولا من هو اعلي من أبي داود، و إنما رواه آبو داود وغيره ممن هو دونه. ومعني الحديث: إن الرجل المتقي الله_ عز وجل_ الذي انتهي به الأمر إلى آخر المراتب الثلاث التي أشار الله إليها في قولهL وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً)(النساء: من الآية34)، فالضرب آخر المراتب، فقد يضرب الرجل زوجته علي أمر يستحيا من ذكره، فإذا علم تقوي الرجل لله_ عز وجل_ وضرب امرأته فانه لا يسال، هذا إن صح الحديث، ولكن الحديث ضعيف. أما من كان سيئ العشرة فهذا يسال فيم ضرب امرأته، لأنه ليس عنده من تقوي الله تعالى ما يردعه عن ظلمها وضربها، حيث لا تستحق أن تضرب. والله الموفق([107].)

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 240
تاريخ التسجيل : 17/02/2011
العمر : 59

مُساهمةموضوع: رد: باب المراقبة   الأحد مايو 01, 2011 3:55 pm


1 أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الامام الاستسقاء اذا قحطوا، رقم(1010) .
2 أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الانسان من الثواب بعد وفاته،رقم (1631) .
3 أخرجه مسلم،كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم (395) .
4 جزء من حديث طويل أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم،رقم (3207) و مسلم ،كتاب الايمن، باب الاسراء برسول الله صلى الله عليه و سلم الى السماوات و فرض الصلوات، رقم(163) .
5 أخرجه مسلم،كتاب المساجد و مواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، رقم( 612) .
6 أخرجه البخاري،كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل اذا ذكرها، رقم(597)، و مسلمن كتاب المساجد و مواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة رقم(684) .
7 تقدم تخرجه ص(19)
8 أخرجه البخاري،كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، رقم (135)، و مسلم، كتاب الطهارة، باب الطهارة للصلاة رقم(225) .
9 أخرجه أبو داود موصولا، كتاب الطهارة، باب اذا خاف الجنب البرد يتيمم؟ رقم(334)ن و قال الحافظ في الفتح(1/541): و اسناده قوي.
10 أخرجه أبو داود، كتاب الطهارةن باب الجنب يتيمم رقم(333،332) و الترمذي كتاب الطهارة باب ما جاء في التيمم للجنب اذا لم يجد الماء رقم (124) و قال: حسن صحيحن و الامام أحمد في المسند(5/180،155،147،146) و صححه الالباني كما في صحيح الجامع رقم (1666).
11 تقدم تخرجه ص (318) .
12 هذه الرواية اخرجها الامام احمد في المسند(5/248) .
13 اخرجه البخاري كتاب الحيض باب غسل دم المحيض رقم(307) ة مسلم كتاب الطهارة باب نجاسة الدم و كيفية غسله رقم(291) .
14 اخرجه ابو داود كتاب الصلاة باب الصلاة في النعل رقم (650) و الامام احمدفي المسند 3/92،20) .
15 هذه الرواية عند مسلم كتاب الطهارة باب وجوب غسل البول و غيره من النجاسات اذا حصلت في المسجد رقم ( 285) .
16 دعاء الاعرابي ورد النبي صلى الله عليه و سلم اخرجه البخاري كتاب الادب، باب رحمة الناس والبهائم رقم(6010) .
17 أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب من الكبائر انه لا يستتر من بوله، رقم(216) و مسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول و وجوب الاستبراء منه رقم(292) .
18 تقدم تخرجه ص (110) .
19تقدم تخرجه ص(113) .
20أخرجه الترمذي ،كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر و المقيم، رقم( 96) و قال: حسن صحيح، و النسائي، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر، رقم(127)، و ابن ماجه كتاب الطهارة باب الوضوء من النوم رقم(478) ، و صححه ابن خزيمة رقم( 169) .
21اخرجه البخاري كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه و سلم رقم(7288) و مسلم كتاب الحج باب فرض الحج مرة في العمر رقم(1337) .
22 انظر صحيح البخاري كتاب الصلاة باب التوجه نحو القبلة حيث كان، رقم(400) و صحيح مسلم كتاب صلاة المسافر باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت رقم(701،700) .
23 تقدم تخرجه ص (19) .
24 تقدم تخرجه ص (16) .
25 أخرجه البخاري كتاب الدعوات باب الدعاء اذا انتبه من الليل رقم(6316) و مسلم كتاب صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل و قيامه رقم( 763) .
26 اخرجه ابو داود كتاب الصلاة باب فيمن صلى في منزله ثم ادرك الجماعة يصلي معهم رقم (575) و الترمذي كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة، رقم(219)، و قال: حسن صحيح، و النسائي، كتاب الامامة، باب اعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده، رقم( 858) ، و الامام أحمد في المسند (4/ 161،160) .
27 أخرجه البخاري، كتاب الاذان، باب انما جعل الامام ليؤتم به رقم(689) و مسلمن كتاب الصلاة، باب ائتمام الماموم بالامام رقم (411)
28 جزء من الحديث السابق.
29 اخرجه البخار، كتاب الاستئذانن باب من رد فقال: و عليك السلام رقم(6251) و مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة رقم(397) .
30اخرجه البخاري، كتاب الاذان، باب وجوب القراءة للامام و الماموم رقم(756)، و مسلمن كتاب الصلاةن باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة رقم(394 ).
31أخرجه مسلمن كتاب الصلاةن باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة رقم(395) .
32اخرجه البخاري، كتاب الاذان، باب اذا ركع دون الصف رقم(783)ن و ابو داودن كتاب الصلاة، باب الرجل يركع دون الصف رقم(684) .
33اخرجه البخاري، كتاب الاذان، باب قول الرجل فاتتنا الصلاة، رقم(908) و مسلم، كتاب المساجد، باب اتيان الصلاة بوقار و سكينة رقم( 603) .
34 أخرجه مسلم ن كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القران في الركوع و السجود رقم( 479) .
35أخرجه البخاري، كتاب الاذان، باب الدعاء في الركوع رقم( 817) و مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع و السجود رقم( 484) .
36أخرجه مسلم ، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع و السجود رقم( 487) .
37أخرجه البخاري، كتاب الاذان، باب السجود على الأنف رقم(812) و مسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود رقم( 390،230) .
38تقدم تخرجه برقم (393)
39تقدم تخرجه برقم (393)
40قدم تخرجه برقم (392)
41قدم تخرجه برقم(395)
42شير فضيلة الشيخ_ رحمه الله تعالى_ الى ايام حرب الخليج الثانية 1411.
43أخرجه أبو داودن كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه رقم(840) و الترمذي، كتاب الصلاة، باب اخر منه رقم ( 269) ، و قال: غريب، و النسائي، كتاب التطبيق، باب اول ما يصل الى الأرض من الانسان في سجوده رقم(1091)، و أحمد في المسند(2/381)ن و صححه الالباني كما في صحيح الجامع رقم( 595) .
44أخرجه البخاري، كتاب الهبة، باب هبة الرجل لامراته و المراة لزوجها رقم( 2622) ، و مسلم، كتاب الهبات، باب تحريم الرجوع في الصدقة و الهبة بعد القبض رقم( 1622) .
45أخرجه الامام احمد (1/230) و ذكره المنذري في الترغيب بصيغة التمريض اشارة الى ضعفه (1/505) و ضعفالالباني اسناده لوجود مجالد بن سعيد. انظر المشكاة رقم( 1397) .
46أخرجه البخاري، كتاب الاذان، باب امر النبي صلى الله عليه و سلم الذي لا يتم ركوعه بالاعادة، رقم(793) و مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة رققم(397) .
47تقدم تخرجه ص(68) .
48تقدم تخرجه ص(305) .
49تقدم تخرجه ص (303)
50قدم تخرجه ص(304)
51خرجه البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد و المرتدة و استتابتهم رقم(6922) .
52خرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت رقم(425)
53 نص الحديث عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( يدرس الاسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدري ما صيام و لا صلاة و لا نسك و لا صدقة. و ليسري على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه اية، و تبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبيرن و العجوزن يقولون: ادركنا اباءنا على هذه الكلمة: لا اله الا الله، فنحن نقولها. فقال له صلةن ما تغني عنهم لا اله الا الله، و هم لا يدرون ما صلاة و لا صيام و لا نسك و لا صدقةن فاعرض عنه حذيفة.. ثم ردها عليه ثلاثا. كلذلك يعرض عنه حذيفة، ثم اقبل عليه الثالثة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار.. ثلاثا)) اخرجه ابن ماجه باب ذهاب القران و العلم رقم(4049) و الحاكم في المستدرك(4/473) و قال: صحيح (3/254): هذا اسناد صحيح رجاله ثقات .
54قدم تخرجه ص(305)
55أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب اجر الحاكم اذا اجتهد فاصاب او اخطأ رقم(7352) و مسلم، كتاب الأقضيةن باب بيان اجر الحاكم اذا اجتهد فاصاب او اخطا رقم(1716) .
56اخرجه الترمذي، كتاب الايمانن باب ما جاء في حرمة الصلاة رقم(2616) و ابن ماجهن كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة رقم( 3973) و الامام احمد (5/248) و قال الترمذي: حسن صحيح .
57اخرجه البخاري، كتاب الرقاقن باب التواضع رقم( 6502) .
58أخرجه أبن ماجه،كتاب الفتن، باب العقوبات رقم(4019) و الحاكم في المستدرك(4/540) و قال: صحيح الاسناد و لم يخرجاه. و قال الذهبي: صحيح. و قال البوصيري في الزوائد(3/246): هذا حديث صالح العمل به. و حسنه الالباني في السلسلة الصحيحة رقم(106) .
59أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب اثم مانع الزكاة رقم(987) .
60قدم تخرجه ص(34)
61نظر ص(34)
62 البخاري، كتاب الايمان، باب صوم رمضان احتسابا من الايمان رقم(38) و مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح رقم(760) .
63أخرجه مسلم، كتاب الصيام، بباب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال و الفطر لرؤية الهلال رقم(1081) و اخرج نحوه البخاري بلفظ(( صوموا لرؤيته و افطروا لرؤيتهن فان غمي عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين)) ، البخاري ، كتاب الصوم باب قول النبي صلى الله عليه و سلم: (( اذا رايتم الهلال فصوموان و اذا رايتموه فافطروا)) . رقم(1909) .
64اخرجه البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الحج و فضله رقم(1513) و مسلمن كتاب الحجن باب الحج على العاجز لزمانه و هرم و نحوهما او للموت رقم(1335ن1334) .
65تقدم تخرجه ص (330) .
66 اخرجه ابو داودن كتاب الصلاةن باب من راى الاستفتاح بسبحانك اللهم و بحمدك رقم(776) و الترمذي، كتاب الصلاةن باب ما يقول عند افتتاح الصلاة رقم( 243)ن و ابن ماجه، كتاب اقامة الصلاةن باب افتتاح الصلاةن و صححه العلامة احمد شاكر في حاشيته على سنن الترمذي (2/11) .
67اخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل و قيامه رقم (770) .
68انظر كلام الحافظ ابن كثير حول عدم ثبوت هذه القصة في تفسيره عند تفسيره لهذه الاية.
69اخرجه البخاري، كتاب احاديث الانبياء، باب قول الله عز وجل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً)(هود: من الآية25) رقم(6565) و مسلمن كتاب الايمان، باب ادنى اهل الجنة منزلة فيها رقم(194).
70اخرجه البخارين كتاب المناقب، باب خاتم النبيين صلى الله عليه و سلم رقم(3535) و مسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه صلى الله عليه و سلم خاتم النبيين رقم(2286). و في لفظ عند مسلم رقم(2287): (( جئت فختمت الانبياء)) .
71خرجه البخارين كتاب التهجدن باب من نام عند السحر، رقم( 1131) و مسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به... رقم( 1159) .
72العقيدة الواسطية ص(10)
73خرج ذلك البخارين كتاب الاذان، باب الدعاء قبل السلام رقم(832) و مسلم، كتاب المساجد و مواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة رقم(589).
74أخرجه مسلمت كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة او النار عليه و اثبات عذاب القبر رقم(2867) .
75قدم تخرجه ص( 368) .
76 تقدم تخرجه ص(82) .
77أخرجه البخاري، كتاب احاديث الانبياء، باب رقم(54)، رقم(3475) و مسلم، كتاب الحدود، باب قطع السارق و الشريف و غيره رقم(1688) .
78خرجه البخارين كتاب الصحابةن باب قول النبي صلى الله عليه و سلم: لو كنت متخذا خليلا)) رقم(3666( و مسلم ،كتاب الزكاة، باب من جمع الصدقة و اعمال البر رقم( 1027) .
79انظر شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ المؤلف رحمه الله تعالى ص(497) ط( دار الثريا) .
80خرجه البخاري، كتاب الايمان و النذور، باب اذا حنث ناسيا في الايمان رقم(6664) و مسلم، كتاب الايمانن باب تجاوز الله عن حديث النفس و الخواطر بالقلب اذا لم تستقر رقم(127) .
81 أخرجه البخاري، كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: ألا لعنة الله على الظالمين)) رقم(2441) و مسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل و ان كثر قتله رقم( 2768) .
82اخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب الحوض رقم(6579) و مسلم، كتاب الفضائل، باب اثبات حوض نبينا صلى الله عليه و سلم و صفاته رقم(2292) .
83رواه الترمذي كتاب القدر، باب ما جاء في الرضا بالقضاء رقم(2155) و ابو داود،كتاب السنة، باب في القدر رقم(4700) .
84أخرجه البخارين كتاب الادب، باب من بسط له في الرزق لصلة الرحم، رقم(5986) و مسلم، كتاب البر و الصلةن باب صلة الرحم و تحريم قطعيتها رقم(2557)
85تقدم تخرجه ص(197) .
86اخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرينن باب الدعاء في صلاة الليل و قيامه رقم(771) .
87اخرجه الامام أحمد المسند(2/214)
88أخرجه الترمذي، كتاب البر و صلةن باب ما جاء في معاشرة الناس رقم(1987) و الامام احمد في المسند(5م228،158،153) ن و الحاكم في المستدرك(1،54) و قال: صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاهن و وافقه الذهبي وقال الترمذي: حسن صحيح .
89اخرجه مسلمن كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس و الجمعةو رمضان الى رمضان رقم(233)
90اخرجه البخاري، كتاب العمرة، باب وجوب العمرة و فضلها رقم(1773) و مسلم، كتاب الحج، باب فضل الحج و العمرة و يوم عرفة رقم(1349)
91اخرجه الترمذي، كتاب الايمانن باب ما جاء في استكمال الايمان و زيادته و نقصانه، رقم( 2612)و الامام احمد في المسند،(6/47) من حديث عائشة، و قال الترمذي: حديث صحيح، و اخرجه ابو داود، كتاب الادب، باب الدليل على زيادة الايمان و نقصانه رقم(4682) و الحديث صححه الالباني كما في صحيح الجامع رقم(1232،1231،1230) .
92رواه الترمذين كتاب الادب، باب حسن الخلق و السخاء و ما يكره من البخل رقم(6035)
93اخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب رقم(59)، رقم(2516) و الامام احمد في المسند(1م293) و قال الترمذي: حسن صحيح .
94اخرجه الترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة ويل للمطففين رقم(3334) و ابن ماجهن كتاب الزهدن باب ذكر الذنوب رقم( 4244) ن و الامام احمد في المسند (2/297) و قال الترمذي: حسن صحيح .
95 اخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسالة رقم( 1470)
96أخرجه البخاري، كتاب القدر، باب العمل بالخواتيم رقم(6606) و مسلم، ، كتاب الايمان، باب بيان تحريم قتل الانسان نفسه.. رقم(111) .
97اخرجه البخارين كتاب الرقاقن باب ما يتقى من محفرات الذنوب رقم(6492)
98اخرجه مسلمنكتاب الايمان، باب قول النبي صلى الله عليه و سلم(( من غشنا فليس منا)) رقم(102)
99تقدم تخرجه ص(293) .
100أخرجه البخاري، كتاب النكاحن باب الغيرة رقم(5223) و مسلم، كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى ة تحريم الفواحش رقم(2761) .
101اخرجه البخاري، كتاب النكاحن باب الغيرة رقم(5221) و مسلم ،كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف رقم(901)
102أخرجه البخاري، كتاب احاديث الانبياء، باب حديث ابرص و اعمى و اقرع في بني اسرائل رقم(3464) و مسلمن كتاب الزهد و الرقائق، باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر رقم(2964) .
103أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث ابرص واعمي واقرع فيبني إسرائيل، رقم(3464)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، رقم(2964).
104 اخرجه الترمذين كتاب صفة القيامةن باب رقم(59)، رقم(2459) و ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت و الاستعداد له رقم(4260) و الامام احمد(4/124) و قال الترمذي: حديث حسنن و صححه الحاكم في المستدرك(1/57)، و قال حديث صحيح على شرط البخاري و لم يخرجاه، قال الذهبي: لا و الله! أبو بكر واه.وضعه الالباني كما في ضعيف الجامع رقم(4305) .
105 أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب رقم(11) و رقم(2318)ن و ابن ماجهن كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة رقم(3976) و حسنه النووي كما في الفتن .
106رواه الامام احمد(1/20) و ابو داودن كتاب النكاح، باب في ضرب النساء رقم(2147) و ابن ماجهن كتاب النكاحن باب ضرب النساء رقم(1986)و ضعفه الالباني في الارواء رقم(2034) .
107هذا الحديث لم يعلق عليه فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى في الجامع اثناء قراءة كتاب(( رياض الصالحين)) لهذا عرض الشيخ فهد بن ناصر السليمان جزاه الله خيرا على فضيلته رحمه الله تعالى ان يشرح هذا الحديث لخفاء معناه على كثير من الناس فاملى عليه رحمه الله تعالى ما هو مدون اعلاهن و ذلك من فضل الله تعالى.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://police.forumegypt.net
 
باب المراقبة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
امناء وأفراد الشرطة :: إسلامى :: دروس وخطب-
انتقل الى: